تشكّل “عقدة الناجي” حربًا ثانية يخوضها الفلسطينيون الذين نجوا من حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، واستطاعوا الفرار إلى مصر، ومنها إلى دول أخرى، حيث تتحول رشفة القهوة، وغفوة الظهيرة، وشربة الماء المنعش، ووجبة الطعام الساخنة، أو حتى ما يقل عن ذلك من عادات وأفعال إنسانية وروتينية، ضربًا من الخيانة، وإحساسًا بالذنب تجاه أولئك الذين تأبى الحياة أن تنجيهم من المحرقة.
يعتقد الغالبية أن الفلسطيني الذي خرج بعد بدء المحرقة بأشهر، أو قُدّر له أن يكون عالقًا خارج البلاد آنذاك، مرتاحًا ناجيًا من الوقوف في طابور الموت غير المنظّم، إلا أن ما يكابده هؤلاء الناجون أكبر ممّا تستطيع مفردات اللغات على وصفه، فهو يعاني من “عقدة الناجي” وألم الفراق الممتد، وحالته النفسية مدمرة وتتوق للعودة إلى أيام البلاد حيث بحر غزة بنسيمه العليل.
غادر غزة منذ السابع من أكتوبر إلى مصر ما يزيد عن 100 ألف فلسطيني من قطاع غزة، منهم حالات مرضية خرجت بتحويلة طبية، ومنهم من خرج هربًا من القصف والمدفعية الإسرائيلية، من خلال دفع مبالغ مرهقة لشركة العرجاني المصرية للحصول على “تنسيق خروج”، وذلك بعدما فقدوا البيت والعائلة والمال والاستقرار، وجزء غادر على قوائم الطلاب، وآخرون نجوا بجوازتهم الأجنبية.
يدور الناجي المغترب كالجريح بين صوره في غزة وشوارعها يبكيها بكاء أعوام وأعوام، يقارن ما بين الماضي والحاضر، فتغمر قلبه حسرة قليل الحيلة. في هذا التقرير، نتحاور مع ناجيين غادروا غزة ولكنها أبت أن تفارقهم، فهي ذكريات الطفولة والأهل والرفاق ومصدر الرزق، والوطن الذي لم يحظوا بوداعه كما ينبغي.