Also available in English
شغل ملف المفصولين من وظائفهم بسبب مواقفهم المؤيدة للثورة السورية حيّزًا واسعًا من اهتمام الدولة والرأي العام في سوريا منذ التحرير، ومع استمرار مسار إعادة النظر في هذه الحالات منذ عام 2025 وفتح باب تسجيل المتضررين وإعادة دراسة أوضاعهم ضمن لجان مختصة، برزت تقديرات أولية تتحدث عن عشرات آلاف العاملين الذين تقدموا بطلبات للعودة إلى وظائفهم بعد سنوات من الإقصاء من القطاع العام، سواء بسبب الاعتقال، أو الخروج من مناطق الحصار، أو الانضمام إلى الثورة، ما أعاد الملف إلى واجهة النقاش بوصفه قضية تتجاوز البعد الإداري والمعيشي.
ورغم استخدام الفصل الوظيفي خلال السنوات الأولى للثورة كأداة لمعاقبة المعارضين، فإن هذا الملف بقي لسنوات بلا أرقام دقيقة أو قاعدة بيانات مركزية توثق حجمه الفعلي، ولم تتضح الصورة بشكل أكبر إلا مع فتح باب التسجيل وإعادة تدقيق الملفات، حيث بدأت تظهر تقديرات أولية لحجم الإقصاء الذي طال الموظفين بسبب مواقفهم السياسية، وما ترتب عليه من تغييرات عميقة داخل بنية الوظيفة العامة في تلك المرحلة.
تحاول هذه المادة النظر في ملف المفصولين باعتباره أكثر من مجرد قضية وظائف ورواتب، فخلف كل طلب عودة حكاية سنوات طويلة من الإقصاء والانقطاع والخسارة، ومع عودة آلاف المفصولين للمطالبة بحقوقهم، يعود إلى الواجهة سؤال محوريّ: كيف يمكن إعادة بناء مؤسسات يشعر السوريون بأنها أكثر عدالة وإنصافًا للجميع.
كيف خسر آلاف السوريين وظائفهم؟
تحوّل ملف فصل الموظفين في سوريا خلال سنوات الثورة إلى أداة بيد نظام الأسد لإعادة تشكيل القطاع العام، وبحسب ما وثقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان فقد خسر آلاف العاملين وظائفهم بسبب مواقفهم السياسية أو الاشتباه بها، وقد عزيت الكثير من قرارت الفصل إلى تقارير وشبهات أمنية مما أدى إلى طغيان معيار الولاء السياسي داخل المؤسسات الحكومية على حساب الكفاءة والخبرة المهنية
في المقابل، توسّعت التعيينات في مؤسسات الدولة لصالح مؤيدين للنظام، ممّا أعاد توزيع المواقع داخل الجهاز الإداري، وخلق واقعًا وظيفيًا مختلًا، أدّى إلى تضخم التعيينات، وظهور وظائف لا تعكس بالضرورة حاجة فعلية لها داخل المؤسسات.
وقال الباحث القانوني نورس العبد الله، في حديث مع “نون بوست”، في معرض إجابته عن سؤالنا حول أثر سياسات التوظيف خلال سنوات الحرب على بنية القطاع العام : “كان القطاع العام السوري قبل الثورة يعاني بالفعل من ترهل شديد، فضلًا عن الفساد البنيوي والأخلاقي، لكن نظام الأسد وخلال سنوات الثورة السورية استخدم الوظيفة العامة كنوع من المكافاة للميليشيات المقاتلة معه وذويهم، وكدعم للحواضن الخاصة به، ولذلك ازداد الترهل والفساد بشكل كبير، وترافق ذلك مع تراجع الأداء والخدمات كمًا ونوعًا”.
وأضاف: “بعد التحرير أصبحنا نشاهد ونسمع في العديد من القطاعات أرقامًا فلكية لموظفين في مديريات ومرافق عامة بما لا يحتمله منطق، ورغم أن كثيرًا من هذه العمليات في التوظيف سياسية وأمنية وليست إدارية، فإن معالجتها من الحكومة السورية الجديدة اصطدم بعراقيل عديدة”.
العودة إلى العمل.. طريق لا يزال مليئًا بالعقبات
بالفعل، يواجه ملف إعادة الموظفين المفصولين عقبات عديدة، حيث تتعامل المؤسسات مع ملف إعادة الموظفين المفصولين بآليات مختلفة ومتباينة، ما جعل مصير الطلبات مرتبطًا غالبًا باجتهادات اللجان الإدارية داخل كل جهة، فيما بقي كثير من الموظفين عالقين بين قرارات غير محسومة وإجراءات طويلة لا تتيح مسارًا واضحًا للاعتراض أو المتابعة، فقد تحوّلت رحلة العودة بالنسبة لبعض المفصولين إلى مسار طويل من الانتظار والمراجعات.
ويروي أحمد الخالد موظف سابق في القطاع التعليمي معانته، بالقول إن أكثر ما أثقل عليه لم يكن سنوات الفصل فقط، بل شعوره بأن عليه إثبات الظلم الذي تعرف له من جديد، “في كل مراجعة إدارية أشعر أنّ المؤسسات نفسها التي أقصتنا سابقًا ما تزال تدير ملفنا بالعقلية ذاتها”.
هبة الطناري، موظفة سابقة في وزارة التعليم العالي، أشارت في حديث لـ”نون بوست” حول تجربتها إلى أنه “بعد فتح باب العودة للمفصولين، لم يعد الكثير منّا إلى وضعه الوظيفي السابق كما كان قبل الفصل، فمن كان موظفًا مثبتًا عاد بعقود جديدة مؤقتة أو بشروط أقل مما كان عليه، بينما لاتزال ملفات الكثير من المفصولين عالقة أو قيد الانتظار دون حسم واضح، أمّا الموظفون الذين استمروا في العمل داخل مؤسسات الدولة خلال سنوات الثورة، فقد حافظوا على استقرارهم الوظيفي، وتدرّجوا في السلم الإداري مع مرور الوقت من حيث الرواتب والترقيات”.
“نشعر بأن العدالة لم تكتمل بعد، رغم أننا صبرنا وانتظرنا أن تتم معالجة هذا الملف بشكل منصف يعيد الحقوق لأصحابها”.. تقول هبة.
وبحسب رأي نورس العبد الله فإنّ هذا التباين “يعكس إشكالية أساسية في ملف إعادة المفصولين والتي لا تتعلق فقط بوجود إطار قانوني عام، بقدر ما ترتبط بكيفية تطبيقه داخل المؤسسات المختلفة”، مشيرًا إلى أن بعض الجهات نجحت في إعادة ودمج الموظفين بشكل أسرع وأكثر تنظيمًا، مثل وزارة العدل ووزارة الداخلية اللتين عملتا على استيعاب المنشقين والمفصولين وإعادتهم إلى مواقعهم أو دمجهم ضمن هياكلها بشكل أكثر سلاسة نسبيًا، فيما واجهت جهات أخرى بطئًا وتعقيدات إدارية أثرت على مسار العودة وأطالت إجراءاتها، ما جعل تجربة المفصولين غير متساوية بين مؤسسة وأخرى رغم وحدة العنوان العام للملف”.
واعتبر العبد الله أنه “كان يمكن ترسيخ هذا الحق بنص في الإعلان الدستوري يلزم المؤسسات بعودة سريعة ولائقة للمفصولين لأسباب ثورية، بما يحد من الاجتهادات ويزيل العقبات”.
تراكمات التوظيف خلال الحرب تعقّد إعادة دمج الموظفين
تخوض المؤسسات السورية اليوم مواجهة مع إرث ثقيل لسياسات التوظيف السابقة والتي اتخذت من الولاء لمنظومة الأسد معيارا بدلًا من معيار الكفاءة، فخلال السنوات الماضية، شهدت المؤسسات توسعًا في التوظيف عبر عقود وهمية لموظفين لاحاجة لهم.
ويقول خالد الأحمدي، وهو موظف سابق في وزارة الزراعة عاد مؤخرًا إلى عمله، إنه تفاجأ بحجم التغيّر داخل المؤسسة، ليس فقط على مستوى الأشخاص بل أيضًا في بنية العمل: “وجدت مسميات وظيفية جديدة، وبعضها يبدو بلا مهام أو ارتباط حقيقي بالعمل اليومي داخل الدوائر”.
وحول الحلول المتاحة أمام الدولة لحل هذه المشكلة، يرى العبد الله أن “القيام بعمليات التطهير والاحلال تسمح بإعادة الادماج دون خلل بالمؤسسات أو الضغط على الموازنة، ذلك أن إلغاء العقود الوهمية والموظفين الذين كانوا معينين في 3 أو 4 أو 5 وظائف عامة معًا في فترة نظام الأسد، كذلك إنهاء العقود الشكلية، وفصل الفاسدين والمتورطين بالانتهاكات، يرسخ من جهة عملية الإصلاح الوظيفي وتحقيق العدالة، ويسمح بعودة المفصولين، ومن جانب آخر حتى لا يبدو أن المنطق يقوم على أساس طرد موظف فاسد لإفساح المجال لعودة مفصول، فإن العدالة تقتضي عودة الشخص الذي خسر عمله لأسباب وطنية كأولوية بحد ذاتها”.
هل تكفي العودة إلى الوظيفة لتحقيق الإنصاف؟
يرى خبراء إلى أن ملف المفصولين يجب أن يجري نقاشه ضمن سياق أوسع مرتبط بالعدالة الانتقالية، فهناك آثار ممتدة لقرارات الفصل التي طالت آلاف الموظفين، والتي لم تقتصر على فقدان الدخل إنمّا امتدت لفقدان الحقوق المرتبطة بالخدمة مثل التدرج الوظيفي والتقاعد والاستقرار المهني.
الدكتور أحمد القربي الأكاديمي والباحث المتخصص في القانون العام، أشار في معرض إجابته عن أسئلتنا حول تأثر ملف المفصولين بمراسيم زيادة الرواتب وعملية إعادة الإدماج، إلى أن الإشكالية لا تتعلق فقط بزيادة الرواتب، بل بترتيب الأولويات في السياسات العامة، فبرأيه كان من المفترض أن تُقدَّم مقاربة التمييز الإيجابي وجبر الضرر للموظفين المفصولين، عبر إعادة إدماجهم وتعويضهم ماديًا ومعنويًا بشكل يضمن إنصافهم بعد سنوات الإقصاء، بدل أن تنصرف الأولوية نحو تحسين رواتب العاملين المستمرين في الخدمة فقط.
وأضاف أن معظم من أعيدوا إلى وظائفهم بعد الفصل –باستثناء بعض الفئات مثل الضباط والدبلوماسيين، ومع معاملة خاصة للكوادر التعليمية – جرى إدماجهم ضمن عقود مؤقتة أو غير مستقرة، ما أبقاهم في وضع وظيفي هشّ، في حين استفاد الموظفون الذين بقوا في الخدمة من زيادات الرواتب الأخيرة، وهو ما خلق فجوة شعورية ومطلبية لدى شريحة من المفصولين الذين ما زالوا ينتظرون استكمال مسار إنصافهم الوظيفي والمالي.
واعتبر أن الإشكال الأساسي يكمن في غياب مقاربة متكاملة لملف جبر الضرر، بما يشمل إعادة الاعتبار الوظيفي والتعويض عن سنوات الانقطاع، ضمن رؤية أشمل لإصلاح القطاع العام”.
إليكم أبرز ما جاء في تصريح وزير التربية والتعليم محمد تركو حول خطط الوزارة المقبلة، وجهود إعادة المعلمين والموظفين المفصولين بسبب مشاركتهم في الثورة. pic.twitter.com/wfbnpN0YVK
— نون سوريا (@NoonPostSY) May 31, 2026
يلامس ملف إعادة الموظفين المفصولين جزءًا لا يُستهان به من الذاكرة الجمعية، فهي الإطار الذي يوثّق الماضي ويؤثر في تشكيل نظرة المجتمع للمستقبل، فكل عودة إلى العمل، وكل استئناف لمسار موظف انقطع لسنوات يدخل ضمن عملية أوسع تتصل بالاعتراف بالضرر ومعالجة آثاره على المستوى الاجتماعي، ومحاولة استعادة ما خلّفته سنوات الفصل من آثار في حياة الأفراد والمجتمع، لذلك فكل قرار يفترض أن ينطلق من وعيٍ بحفظ الحقيقة، وإنصاف من تضرروا، وعدم السماح بتكرار ما حدث في المستقبل.