في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، خرجت احتجاجات واسعة في مدن إيرانية عدة على وقع الانهيار الاقتصادي وتراجع العملة، لكن ما لفت الأنظار لم يكن اتساع الغضب وحده، بل سرعة تحريض “إسرائيل” وتدخلها العلني.
فبالتزامن مع تصاعد الدعوات في تل أبيب وواشنطن للعودة إلى الخيار العسكري لمواجهة البرنامج النووي الإيراني، قررت حكومة الاحتلال أن تدعو المتظاهرين الذين يطالبون برحيل نظام بلادهم وتحسين المعيشة للتصعيد.
وعاد سؤال واحد ليتصدر المشهد: هل تراهن “تل أبيب” على الشارع الإيراني كطريق أقصر لإسقاط النظام -أو لتسهيل ضربة جديدة- بعد أن أثبتت الضغوط والعمليات السابقة أن تغيير ميزان القوى في طهران لا يتحقق من الخارج وحده؟
أساليب التحريض الإسرائيلي
1- رسالة من الموساد
في خطوة غير معهودة، أطلق جهاز الموساد الإسرائيلي حملة تحريض مباشرة عبر منصته الرسمية باللغة الفارسية لتشجيع الإيرانيين على مواصلة انتفاضتهم.
وجّه الحساب رسالة في 29 ديسمبر/كانون الأول 2025 حثّ فيها المتظاهرين على تصعيد تحركهم ضد النظام، مدعيا دعمهم بالقول: “ليس فقط عن بُعد وبالكلمات، بل نحن معكم على الأرض أيضًا”.
با هم به خیابان ها بیایید. وقتش رسیده.
ما همراه شما هستیم. نه تنها از راه دور و شفاهی. در میدان نیز همراهتان هستیم.
— Mossad Farsi (@MossadSpokesman) December 29, 2025
وأفادت إذاعة جيش الاحتلال أن هذه الرسالة الاستثنائية تضمنت إيحاء بوجود عناصر للموساد بين المحتجين داخل إيران.
2- تصريحات رسمية
لم يقتصر التحريض الإسرائيلي على الاستخبارات، بل امتد ليشمل مسؤولين حاليين وسابقين استخدموا منصات التواصل لتحريض الإيرانيين على التصعيد.
وزير ما يسمى شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي خاطب المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي في تغريدة باللغة الفارسية قال فيها “لقد انتهى عهد نظامك”، ثم خاطب الشعب قائلًا: “يا أبناء إيران الشجعان، اغتنموا هذه الفرصة، نحن نقف إلى جانبكم”.
أما رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت فقد نشر مقطع فيديو دعا فيه الإيرانيين إلى “الانتفاض” ضد النظام ووعدهم بـ”مستقبل أكثر إشراقًا إذا تحرروا من حكم الملالي”، مؤكّدًا أن “جميع دول العالم الحر تقف معكم في نضالكم العادل”، وفق تعبيره.
A Special Message to the Iranian People: Rise Up! pic.twitter.com/QcgV7yGHqZ
— Naftali Bennett נפתלי בנט (@naftalibennett) December 29, 2025
وبدوره، غرد السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة داني دانون قائلًا: “إلى الشعب الإيراني الذي يحتج سلميًا رغم حرمانه من أبسط حقوقه، نسمعكم، نحن معكم ضد النظام القاتل الذي يضخ مليارات الدولارات في الإرهاب والطموحات النووية”، وفق تعبيره.
To the Iranian people peacefully protesting while denied basic rights, we hear you.
Millions struggle to survive as the murderous regime pours billions into terror and nuclear ambitions. Peaceful protest is met with repression.
We stand with you. pic.twitter.com/QIa2R7Oh82
— Danny Danon 🇮🇱 דני דנון (@dannydanon) December 31, 2025
وتأتي هذه التصريحات ضمن نهج إسرائيلي علني يوظف احتجاجات الإيرانيين كأداة لتحقيق ما عجزت عنه آلته العسكرية في السابق لتغيير النظام.
3- دعم المعارضة
بلغ الدعم الإسرائيلي للمظاهرات الإيرانية حد تأييد رموز بديلة للنظام. فقد نشرت وزيرة العلوم والتكنولوجيا غيلا غمليئيل صورة لها، وهي ترتدي قبعة كتب عليها شعار “اجعلوا إيران عظيمة مرة أخرى” (في محاكاة لشعار حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب).
وحرصت غمليئيل على وسم اسم رضا بهلوي نجل شاه إيران السابق في منشورها وإرفاق كلمة “قريبًا”، في إشارة إلى أملها بعودته أو سقوط النظام قريبًا.
Soon 💪🏽@PahlaviReza pic.twitter.com/Q6mIvnmtY9
— גילה גמליאל – Gila Gamliel (@GilaGamliel) December 29, 2025
وكانت غمليئيل قد صرّحت علنًا في مقابلة خلال سبتمبر/أيلول الماضي أن “إسرائيل تؤيد الأمير رضا بهلوي كبديل وتحظى بثقة قطاعات من الإيرانيين”، في أول إعلان صريح من وزير إسرائيلي بدعم جهود المعارضة في الخارج لتغيير النظام.

مساران متوازيان
وتسير “إسرائيل” في مساران متوازيان، يتمثلان في المواجهة العسكرية ودعم تغيير النظام من الداخل وخاصة بعد مواجهة الـ 12 يوما في يونيو/حزيران 2025 مع إيران.
فلم يسقط النظام الإيراني رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية وقتها بفعل الضربات الجوية المكثفة على المنشآت النووية. بل على العكس تقول طهران إن حتى معارضيها الداخليين اصطفّوا خلف الدولة في وجه العدوان الإسرائيلي.
وبذلك خلصت دوائر عسكرية في “تل أبيب” إلى أن الضربات، حتى لو ألحقت ضررًا كبيرًا، فهي لا تُسقط النظام وحدها، لكنها تبقى أداة لتقييد قدراته ورفع كلفة بقائه، ما يفسر انتقال التركيز أيضا إلى دعم انتفاضة شعبية داخلية.
ويقول ياكي دايان القنصل الإسرائيلي الأسبق في لوس أنجلوس: “إسرائيل تنظر إلى تغيير النظام في إيران كخيار، وإلا سنجد أنفسنا في دوامة مواجهات عسكرية لا تنتهي”.
هذا التحول في التفكير الإسرائيلي يفسّر جرأة التحركات العلنية لدعم المحتجين الإيرانيين، على أمل أن يُحدث الضغط الداخلي ما لم تحققه المقاتلات والصواريخ.
ولكن في موازاة الرهان على الداخل، عاد الخيار العسكري إلى الواجهة مجددًا خلال الأسبوع الأخير من ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لقاءً مع ترامب لبحث الملف الإيراني وخيارات التعامل معه.
في أعقاب المحادثات، خرج ترامب ليحذّر طهران من “ضربات جديدة وقاسية” إذا أعادت بناء برامجها النووية أو الصاروخية. كما صرح رئيس الأركان الإسرائيلي اللواء إيال زامير بأن قواته “ستضرب الأعداء أينما لزم الأمر، في الجبهات القريبة والبعيدة على حد سواء” في تلميح إلى الجبهة الإيرانية.
كما عبّر مسؤولون أمريكيون عن دعمهم لتطلع الإيرانيين للحرية. فقد قال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز إن “الشعب الإيراني يريد الحرية… ونحن نقف إلى جانبه وهو يحتج ضد نظام متطرف لم يجلب له سوى الركود الاقتصادي والحرب”.
وحتى ترامب نفسه، رغم حرصه التقليدي على عدم الدعوة العلنية لتغيير الأنظمة، فقد وجّه انتقادات حادة لما أسماه “قمع طهران الدموي للمحتجين” قائلًا إن الإيرانيين “يعانون القتل لمجرد خروجهم للمطالبة بحقوقهم”.
هذا التناغم بين واشنطن وتل أبيب يوحي بضغط متعدد الأدوات على النظام الإيراني: تحريض سياسي وإعلامي لتغذية الاحتجاجات، وتلويح باستخدام القوة إذا تطلب الأمر.
طهران تتوعد “أعداء الخارج”
على الجانب الآخر، جاء الرد الإيراني الرسمي شديد اللهجة حيال التدخل الإسرائيلي والأمريكي في الأحداث.
قانونيًا، اعترف محمد موحدي عجت المدعي العام في طهران بشرعية الاحتجاجات السلمية على تدهور المعيشة، لكنه حذر من محاولات تحويلها إلى “أداة لإخلال بالأمن تنفذ مخططات خارجية”، مبينا أن أي “سيناريوهات خارجية” لاستغلال المظاهرات ستواجَه “برد قانوني حاسم وسريع”.
عسكريًا، توعد علي شمخاني مستشار المرشد الإيراني في بيان بالعبرية برد استباقي على أي تحرك إسرائيلي، مشيرا إلى جهوزية “القدرات الصاروخية والدفاعية لإيران”، وأن “أي عدوان سيُقابل برد قاسٍ، فوري وغير متوقع”، وذلك عقب تلويح ترامب ونتنياهو بالخيار العسكري.
إعلاميًا، سعت طهران لاستثمار التحريض الإسرائيلي لتأكيد سرديتها المعتادة بأن الاحتجاجات مؤامرة خارجية. فقد وصف مسؤولون إيرانيون رفيعون الدعوات الصادرة من المسؤولين الإسرائيليين بأنها “حماقة وتكرار لاستفزازات طفولية”.
مشهد مفتوح واحتمالات متباينة
ومع دخول الاحتجاجات يومها الخامس وتواصلها رغم الإجراءات الأمنية، تجد إيران نفسها في مواجهة ضغط داخلي غير مسبوق يتغذى هذه المرة على تحريض خارجي علني وتهديدات بالخيار العسكري لمواجهة البرنامج النووي.
فالدعم الإسرائيلي الصريح للمتظاهرين – إلى جانب الدعم الخطابي من واشنطن – يرفع رهانات المواجهة بين طهران وأعدائها التقليديين.
ويدرك النظام الإيراني أن توسع نطاق الاحتجاجات يشكل تحديًا وجوديًا له إذا ما تواصلت وزادت وتيرتها، لا سيما في ظل أزمته الاقتصادية الحادة وانهيار الريال إلى مستويات قياسية.
في المقابل، تراهن “إسرائيل” على أن ثورة شعبية داخلية قد تحقق هدف إضعاف قبضة النظام الديني الذي تعتبره عدوها الأخطر.
وبينما يحاول المرشد استيعاب الغضب عبر وعود بالإصلاح الاقتصادي وحوار مع المتظاهرين الغاضبين، تشير التطورات إلى مسارين متضادين.
إما احتواء أمني وسياسي إيراني ينجح في قمع الانتفاضة مستفيدًا من فزاعة التدخل الإسرائيلي، أو تصاعد الحراك الشعبي مستفيدًا من الزخم والدعم المعنوي الخارجي إلى حد يهدد بزلزلة أركان الحكم.
لكن ما هو مؤكد أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في اختبار ما إذا كان رهان “تل أبيب” على الشارع الإيراني سيؤتي أكله، أم أن قبضة طهران الحديدية ستتمكن مرة أخرى من إخماد النار المشتعلة في الداخل رغم هبوب رياح التغيير من الخارج.