تشهد الولايات المتحدة تحولًا استراتيجيًا في سياساتها الأمنية، مع تركيز متزايد على دول الجنوب العالمي وبشكل خاص أمريكا اللاتينية، بعد إحياء عقيدة قديمة تعتبر نصف الكرة الغربي بمنزلة “حديقة خلفية” لواشنطن ينبغي حمايتها من أي نفوذ خارجي.
تسعى واشنطن إلى إعادة ترسيخ هيمنتها في النصف الغربي من العالم بعد فترة وُصفت بأنها تهميش طويل لهذه المنطقة. وقد تزامن ذلك مع تطورات دراماتيكية أبرزها عدوان عسكري أمريكي على فنزويلا انتهى باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
الاستراتيجية الأمريكية تجاه الجنوب العالمي
تتمحور استراتيجية الأمن القومي التي نشرت في ديسمبر/كانون الأول 2025، حول إعادة تأكيد النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي بوصفه أولوية قصوى في السياسة الخارجية.
يؤكد نص الاستراتيجية “استعادة الهيمنة الأمريكية في النصف الغربي” مما يعني عمليًا إحياء مبدأ مونرو الذي يقضي برفض أي تدخل خارجي في شؤون دول أمريكا اللاتينية. ويصف المسؤولون هذا التوجه بأنه “تصحيح للمسار”؛ إذ تعتبره الإدارة منطقيًا وحاسمًا لحماية مصالحها الحيوية.
وتركز الاستراتيجية الجديدة على عدد من المحاور العملية في المنطقة، أبرزها:
- مكافحة الهجرة الجماعية غير النظامية
- محاربة الجريمة المنظمة
- ضمان هيمنة أمريكا الاقتصادية
- تأمين سلاسل الإمداد الحيوية
هذه التحولات لم تبقَ حبرًا على ورق؛ فقد انعكست على الأرض عبر تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الكاريبي وأمريكا الوسطى. إذ تشير رويترز إلى نشر أكثر من 10 آلاف جندي أمريكي في منطقة البحر الكاريبي، مدعومين بحاملة طائرات وسفن حربية ومقاتلات، ضمن ذرائع محاربة تهريب المخدرات والجريمة المنظمة.
كما تلوّح الإدارة الأميركية بأنها ليست إجراءات مؤقتة، بل جزء من إعادة تموضع طويلة الأمد للقوات الأمريكية نحو نصف الكرة الغربي.
من مونرو إلى “دونرو”
مبدأ مونرو هو عقيدة أطلقها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمس مونرو عام 1823 لإعلان أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ أمريكية حصرية، محذرًا القوى الأوروبية من أي محاولة استعمار أو تدخل جديد في نصف الكرة الغربي. في المقابل، وعدت واشنطن آنذاك بالنأي بنفسها عن الصراعات الأوروبية.
شكّل هذا المبدأ حجر الأساس لدور الولايات المتحدة كقوة إقليمية مسيطرة، وسرعان ما تحول إلى غطاء تتذرع به واشنطن لتبرير تدخلاتها العسكرية والسياسية المتكررة في شؤون جيرانها الجنوبيين.
فمنذ القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، استُخدم مبدأ مونرو أو تعديلاته (مثل مبدأ ثيودور روزفلت المعروف بـ”العصا الغليظة”) لتبرير احتلالات وتدخلات في دول كالمكسيك وكوبا ونيكاراغوا وجمهوريات الكاريبي وغيرها.
وخلال الحرب الباردة، أعيد إحياء المبدأ بصيغة مكافحة الشيوعية؛ فكان أساسًا لمطالبة واشنطن في 1962 بسحب صواريخ الاتحاد السوفيتي من كوبا، ولتدخلات أمريكية ضد حكومات يسارية مثل نظام الساندينيين في نيكاراغوا. لهذا ينظر الكثير من شعوب أمريكا اللاتينية إلى مبدأ مونرو تاريخيًا باعتباره مظلة هيمنة وإمبريالية أكثر منه سياسة دفاعية.
وأعلن الرئيس دونالد ترامب صراحة تبنّيه لهذا الإرث ولكن بنمط جديد، حتى إنه أطلق عليه مازحًا تسمية “مبدأ دونرو” نسبة إلى اسمه الأول دونالد، وذلك بعد اختطافه مادورو. وبعد فنزويلا، أطلق ترامب سلسلة تهديدات لأنظمة كولومبيا وكوبا والمكسيك، أشار فيها إلى تدخلات محتملة أو تصعيد مستقبلي.

لماذا الأولوية للنصف الغربي بعد إهمال طويل؟
يثير التحول الأمريكي تساؤلات حول الدوافع وراءه، خاصة أنه يأتي بعد سنوات ركزت فيها واشنطن على مناطق أخرى كالشرق الأوسط وشرق آسيا. والإجابة تأتي جزئيًا على لسان صناع القرار الأمريكي أنفسهم؛ إذ تدعي واشنطن أن الأمر يعود إلى تعاظم التهديدات ومنها:
- الأنظمة المعادية التي فتحت أبوابها لنفوذ خصوم واشنطن العالميين
- انتشار تجارة المخدرات عبر الحدود
- أزمات الهجرة الجماعية شمالًا نحو الولايات المتحدة
إلى جانب ذلك، هناك دوافع اقتصادية واستراتيجية تحرّك هذا التحول، فالنصف الغربي يحوي موارد طبيعية هائلة وعلى رأسها النفط. وقد أعلن ترامب صراحة إلى أهمية النفط الفنزويلي، واصفًا فنزويلا بأنها تمتلك “طاقة هائلة نحتاج حمايتها لأنفسنا وللعالم”.
وقالت كامالا هاريس نائبة الرئيس الأمريكي السابق إن ما يجري “ليس من أجل مكافحة المخدرات أو دعم الديمقراطية، بل يتعلق بالنفط ورغبة ترامب في لعب دور الرجل القوي إقليميًا”.
ويكمن هدف مواجهة نفوذ الصين وروسيا المتنامي في نصف الكرة الغربي، في صميم العقيدة الأمريكية الجديدة تجاه الجنوب العالمي. فمن منظور واشنطن، أصبحت بكين وموسكو تمثلان ما يشبه “القوى الأوروبية” التي سعى مبدأ مونرو الأصلي إلى ردعها قبل قرنين، ولكن بحلة القرن الحادي والعشرين.
على أرض الواقع، كانت الصين خلال السنوات الأخيرة أكبر المستثمرين والدائنين في أمريكا اللاتينية، حيث ضخت مليارات الدولارات في مشروعات البنية التحتية والطاقة، وأقامت علاقات تجارية وثيقة خصوصًا مع دول مثل البرازيل والأرجنتين وفنزويلا.
بل إن الصين أصبحت أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي – إذ تستورد نسبة ملحوظة من إنتاج كاراكاس – مما جعل استقرار فنزويلا سياسيًا أمرًا مهمًا لبكين.
أما روسيا، فبالرغم من قدراتها الاقتصادية المحدودة مقارنة بالصين، فقد استثمرت بقوة في التحالفات العسكرية والسياسية مع خصوم واشنطن الإقليميين؛ فقدمت الأسلحة والتدريب لدول كفنزويلا وكوبا، بل وأرسلت مستشارين عسكريين لحماية نظام مادورو في أعوام سابقة.
كما تسعى موسكو للحفاظ على حضورها في مجال النفط الفنزويلي عبر شركات مثل روسنفت. من هنا، ترى واشنطن أن بكين وموسكو استغلّتا فترة انشغال أمريكا عنها لبناء موطئ قدم غير مرحَّب به في “حديقتها الخلفية”، ما يشكل تهديدًا لمصالحها الأمنية الطويلة الأمد.

ردود فعل الجنوب العالمي
أثار النهج الأمريكي الجديد – وخاصة التدخل الأخير في فنزويلا – انقسامًا حادًا في مواقف دول أميركا اللاتينية والجنوب العالمي عمومًا.
- الأرجنتين وصفت الخطوة بأنها “أنباء سارة للعالم الحر”
- الإكوادور دعت لنفس المصير بحق الحركات اليسارية الأخرى بالمنطقة
- السلفادور سارعت لإظهار تأييدها عبر نشر صورة لمادورو مكبّلًا
- البرازيل اعتبرت قصف الأراضي الفنزويلية واعتقال رئيسها تجاوزٌ لخط غير مقبول
- المكسيك أكدت أن سيادتها خط أحمر بعد تهديدها بنفس المصير
- كولومبيا وتشيلي وبوليفيا والأوروغواي رفضت ما جرى واعتبرته خرقًا للمبادئ الدولية
ويتضح أن الاستراتيجية الأمريكية الراهنة أعادت عقارب الساعة إلى مفاهيم عمرها قرنان، ولكن ضمن سياق عالمي جديد. فهي تمزج الأهداف الأمنية المباشرة (كبح الهجرة والجريمة وتأمين الموارد) بالطموحات الجيوسياسية (منافسة الصين وروسيا) تحت عقيدة “الحديقة الخلفية” التي ظنّ كثيرون أنها طويت.
وبينما يؤكد مسؤولون أمريكيون أن هذه السياسة ستجعل “هيمنة أمريكا في نصف الكرة الغربي غير قابلة للتحدي مجددًا”، يحذّر منتقدوها من أن الثمن قد يكون إشعال المنافسة بين القوى العظمى وتأجيج المشاعر المعادية لأمريكا في وعي شعوب أمريكا اللاتينية.
ومع اشتعال المنطقة الآن بخطابات متضادة وتحرّكات عسكرية غير معهودة، يراقب العالم بحذر ما إذا كان مبدأ مونرو بحلته الجديدة سيجلب الاستقرار الموعود لـ“الفناء الخلفي” الأمريكي أم سيفتح الباب لصراعات واضطرابات لا تُحمد عقباها في الجنوب العالمي.