أعلنت القاهرة توافق مواقفها الرسمية مع الرياض حيال ضرورة الدفع نحو تسويات سلمية لأزمات المنطقة، بما يضمن الحفاظ على وحدة الدول وسيادتها وسلامة أراضيها، ولا سيما في السودان واليمن والصومال وقطاع غزة، وذلك عقب استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يوم الاثنين 5 يناير/كانون الثاني الجاري، وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في القاهرة، وفق بيان صادر عن رئاسة الجمهورية.
وأكد الرئيس المصري، بحسب البيان، أهمية تعزيز وتكثيف التنسيق المصري–السعودي إزاء مختلف القضايا محل الاهتمام المشترك، وكذلك الأزمات المتصاعدة في الإقليم، مشيدًا في الوقت ذاته بالجهود التي تبذلها المملكة لاستضافة مؤتمر جامع يضم المكونات الجنوبية اليمنية، بهدف إطلاق حوار شامل حول القضية الجنوبية.
وكان وزير الخارجية السعودي قد وصل إلى القاهرة مساء الأحد الماضي في زيارة رسمية، خُصصت لبحث مسار العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تطويرها وتعزيزها في شتى المجالات، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء السعودية الرسمية “واس”
وتأتي هذه الزيارة، التي لم تكن مدرجة مسبقًا على جدول الزيارات المعلنة، وما تمخض عنها من مخرجات في مقدمتها تطابق الموقف المصري السعودي إزاء وحدة اليمن والصومال، في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع تصاعد التوتر في العلاقات بين الرياض وأبوظبي على خلفية تطورات المشهد اليمني، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة المقاربة التي تعتمدها القاهرة في التعامل مع هذه المعادلة الإقليمية المعقدة، وحدود دورها في موازنة التفاعلات المتشابكة بين أطرافها.
سياق مهم لفهم أجواء الزيارة
لا يمكن قراءة هذه الزيارة في إطارها البروتوكولي التقليدي، إذ تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تتسم فيه البيئة الإقليمية بدرجات مرتفعة من التوتر واحتمالات الصدام، ما يضفي عليها دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز الطابع الشكلي، ويمنحها أهمية استثنائية.
ويتقاطع هذا التوقيت مع جملة من التطورات المفصلية، من أبرزها:
-تطورات المشهد اليمني: في ظل إحكام المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا، سيطرته على محافظات الجنوب، وإظهاره نزعة انفصالية معلنة، برز تدخل سعودي مباشر تمثل في مطالبة أبوظبي بسحب قواتها من بعض المناطق، وهو ما جرى بالفعل، ويُعد هذا التطور تصعيدًا غير مسبوق في مسار العلاقات بين الدولتين الخليجيتين منذ انطلاق عمليات التحالف العربي في اليمن، بما يعكس عمق الخلاف حول مستقبل الدولة اليمنية ووحدتها.
يدرك #المجلس_الانتقالي_الجنوبي حجم النفوذ الذي يمتلكه، وما يستند إليه من حاضنة شعبية لها وزنها، وهو إدراك لا يغيب بدوره عن الطرف المقابل، الأمر الذي يدفعه إلى التحدث من موقع قوة، غير أن هذا الوعي ذاته يتقاطع مع قناعة راسخة بأن الواقع الراهن يختلف جذريًا عمّا كان عليه قبل نحو شهر،…
— نون بوست (@NoonPost) January 5, 2026
-الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال“: في خطوة من شأنها خلط الأوراق في منطقة القرن الأفريقي وإرباك الحسابات الإقليمية والدولية، أعلنت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، من جانب واحد، اعترافها الرسمي بـ”أرض الصومال” (صومالي لاند) كدولة مستقلة وذات سيادة، وفي المقابل، عبّرت سلطات الإقليم عن نيتها الانضمام إلى اتفاقات أبراهام، بما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية لمنطقة لوجستية شديدة الحساسية.
-تصاعد التوترات في القرن الأفريقي: تشهد منطقة القرن الأفريقي، المطلة على أحد أهم الممرات المائية الدولية، حالة من التوتر المتزايد بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، مع امتدادات غير مباشرة تشمل الصومال وجنوب السودان، وتضع هذه التطورات أمن البحر الأحمر برمته أمام تهديدات محتملة، بما ينعكس مباشرة على الأمن القومي العربي في عمقه الأفريقي.
-تزامن الزيارة مع تحركات إقليمية موازية: إذ ترافقت الزيارة مع اتصال هاتفي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، جرى خلاله بحث العلاقات الثنائية والتأكيد على تقارب المواقف والرؤى إزاء عدد من الملفات الإقليمية، وعلى رأسها اليمن والصومال، في مؤشر على إعادة ترتيب التفاعلات الإقليمية وتنسيق المواقف بين قوى مؤثرة في المشهد.
ماذا تريد السعودية؟
بشكل مباشر وواضح، تسعى المملكة إلى بلورة تحالف إقليمي داعم لمقاربتها في إدارة المواجهة المتصاعدة مع الإمارات، عبر استقطاب أطراف إقليمية فاعلة، وفي مقدمتها مصر، نظرًا لما تمثله من ثقل جيوسياسي ومكانة إقليمية مؤثرة، فضلًا عن قدراتها العسكرية ودورها المحوري في معادلات الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، يبدو أن نهج الحياد النسبي الذي التزمت به القاهرة منذ اندلاع الحرب في اليمن لم يحظَ بارتياح سعودي، وكان أحد مصادر التباين بين البلدين في تلك المرحلة، غير أن تطورات المشهد الراهن تشير إلى انتقال الصراع إلى مستوى أكثر تعقيدًا، لم يعد فيه الحياد خيارًا استراتيجيًا مريحًا، في ظل تحديات متراكمة باتت تمس بشكل مباشر الأمن القومي لكافة الأطراف المنخرطة في المعادلة.
وتدرك الرياض، في الوقت ذاته، متانة العلاقات التي تربط القاهرة بأبوظبي، وما تشكله من شبكة مصالح سياسية واقتصادية وأمنية راسخة، الأمر الذي يدفعها إلى محاولة إعادة تشكيل هذه التوازنات الإقليمية، والسعي، بوسائل متعددة، إلى إحداث اختراق في هذا الجدار الصلب بما يخدم أولوياتها الاستراتيجية في المرحلة الحالية، إن لم يكن بالانخراط المباشر معها فعلى الأقل بممارسة ضغوط على الحليف الإماراتي لإعادة تقييم حساباته.
لماذا هذا التقارب حاليًا؟
لا يمكن توصيف التقارب في الرؤى بين القاهرة والرياض حيال ملفات اليمن والصومال والسودان بوصفه اصطفافًا ضمن محاور إقليمية بقدر ما يعكس التقاءً محسوبًا للمصالح، تحكمه اعتبارات براغماتية خالصة، فهذه المقاربة تستند إلى حسابات الأمن القومي وتوازنات النفوذ، حتى وإن تقاطعت، في بعض جوانبها، مع مصالح قوى إقليمية فاعلة أو جاءت على حسابها.
على الساحة اليمنية، يتقاطع الموقفان المصري والسعودي عند أولوية الحفاظ على الدولة الوطنية الموحدة، ورفض نماذج التفكيك أو التقسيم القائمة على هيمنة فصائل مسلحة أو كيانات موازية للدولة، ومن هذا المنطلق، تتعارض مشاريع التقسيم، شكلًا ومضمونًا، مع رؤية البلدين لإدارة الأزمة اليمنية، في مقابل مقاربة إماراتية ارتكزت على دعم فواعل محلية مسلحة وتعزيز نفوذ ساحلي ذي طابع جيوسياسي.
وتنسحب المعادلة ذاتها على الساحة الصومالية، حيث تتشارك القاهرة والرياض درجة عالية من الحساسية إزاء أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فمصر ترى أن أي نموذج تقسيمي، أو توسيع لأدوار كيانات دون الدولة في القرن الأفريقي، ينعكس بصورة مباشرة على أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.
ومن هنا يلتقي الموقفان المصري والسعودي في دعم الحكومة الفيدرالية الصومالية، والعمل على كبح المسارات التي من شأنها إضعاف السلطة المركزية وتعميق الهشاشة السياسية.
أما في السودان، فلا يبتعد المشهد كثيرًا عن هذا الإطار، إذ يشكل السودان عمقًا استراتيجيًا مباشرًا للأمن القومي المصري، وهو ما يدفع القاهرة والرياض إلى تفضيل إنهاء الصراع الدائر عبر تسوية سياسية شاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة، وتمنع الانزلاق نحو سيناريوهات تفكك شبيهة بالنموذجين الليبي والصومالي.
ويأتي ذلك في ظل اتهامات متزايدة موجهة إلى الإمارات بدعم ميليشيا “الدعم السريع” وتغذية نزعات التقسيم، وهو ما أسهم في تعقيد المشهد السوداني وتعطيل المسار الدبلوماسي الرامي إلى احتواء الأزمة.
ماذا عن القاهرة؟
على مدار السنوات الماضية، حرصت القاهرة على تجنب الدخول في صدام مباشر مع الحليف الإماراتي، رغم ما اعتبرته دوائر مصرية مساسًا متزايدًا بأمنها القومي في أكثر من ساحة إقليمية، ويتجلى ذلك في قطاع غزة، على خلفية أنماط تنسيق إماراتية مع تل أبيب أثارت قدرًا واسعًا من الجدل، وفي السودان عبر دعم مسارات تُكرّس منطق الانقسام الفصائلي، فضلًا عن الساحة اليمنية بما تحمله من تهديدات لأمن الملاحة في البحر الأحمر وانعكاساتها المحتملة على قناة السويس.
كما يمتد هذا التداخل إلى القرن الأفريقي، ولا سيما في الصومال، إضافة إلى ملف الأمن المائي المصري في إثيوبيا، في ظل اتهامات بدعم مسار سد النهضة.
وفي هذا السياق، تبنّت القاهرة مقاربة اتسمت بضبط النفس وغض الطرف النسبي عن هذه التفاعلات، انطلاقًا من اعتبارات الحفاظ على طبيعة العلاقة الاستراتيجية مع أبوظبي، فالنظام المصري ينظر إلى الإمارات بوصفها شريكًا رئيسيًا، ارتبط بدوره في دعم السلطة خلال مرحلة ما بعد عام 2013، وهو ما جعل كلفة المواجهة المباشرة مرتفعة سياسيًا واستراتيجيًا.
غير أن تصاعد حجم التحديات وتشابكها، إلى جانب التحولات التي طرأت على المشهد الإقليمي، لا سيما التحرك السعودي الأخير على الساحة اليمنية، فرض على القاهرة مراجعة حساباتها، ولم يكن ذلك باتجاه الاصطدام مع الإمارات بقدر ما تمثل في تبني رؤية أكثر حسمًا ووضوحًا في الدفاع عن محددات أمنها القومي.
وفي هذا الإطار، جاء التقارب وتطابق الرؤى مع الرياض باعتباره استجابة براغماتية لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأولويات والتحالفات في الإقليم.
العلاقات المصرية الإماراتية إلى أين؟
ذهب بعض المراقبين إلى أن التقارب المصري–السعودي، وما صاحبه من تطابق في الرؤى إزاء ملفات تُعد فيها الإمارات لاعبًا رئيسيًا، من شأنه أن يترك انعكاسات مباشرة على طبيعة العلاقات المصرية–الإماراتية، غير أن هذا التصور يصطدم سريعًا بطبيعة الاستراتيجية التي يعتمدها النظام المصري في إدارة توازناته الإقليمية المعقدة.
فالقاهرة لا تنتهج سياسة المحاور الصلبة ولا منطق الانحياز الكامل، بل تتحرك وفق مقاربة مرنة تقوم على الشراكة الاستراتيجية مع أبوظبي، بالتوازي مع إدارة الخلافات دون السماح لها بأن تمس جوهر هذه الشراكة، انطلاقًا من قناعة راسخة مفادها أن العلاقات الإقليمية لا تعرف شراكات مطلقة ولا صدامات مفتوحة.
وفي هذا الإطار، تنظر مصر إلى علاقتها مع الإمارات باعتبارها أحد الأضلاع المحورية في سياستها الخارجية؛ علاقة عميقة ومتشابكة، تقوم على استثمارات اقتصادية ضخمة وتنسيق أمني واضح في عدد من الملفات الإقليمية، حتى وإن شابها قدر من التباينات المرحلية أو الخلافات البينية من حين إلى آخر.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يُرجّح أن تسعى القاهرة إلى انتهاج سياسة توازن دقيقة في علاقتها مع الحليفين الخليجيين، إذ من غير المرجح أن تُقدم على التضحية بعلاقاتها مع أبوظبي، بقدر ما تعمل على إعادة ضبط تحالفاتها وفق عقيدتها التقليدية القائمة على تغليب المصالح العليا، وتوازن العلاقات، والبراغماتية السياسية.
وبناءً عليه، لا يُتوقع أن تنخرط مصر بشكل مباشر في معارك اليمن أو السودان اصطفافًا صريحًا إلى الجانب السعودي، وإنما ستسعى إلى تقديم دعم محسوب وبأساليب غير صدامية، تضمن عدم تعريض علاقتها مع الإمارات للخطر.
فالقاهرة لا ترغب في التموضع داخل خنادق متقابلة مع أقوى حليفين لها إقليميًا، إذ تدرك أن كلفة الانحياز الحاد في مثل هذه الصراعات تبقى مرتفعة سياسيًا واستراتيجيًا، خاصة وأنها على يقين أن هذا الخلاف لن يستمر طويلا.