ترجمة وتحرير: نون بوست
لم تكن الضربة العسكرية السعودية الأخيرة ضد قوات مدعومة من الإمارات في اليمن مجرّد حادث تكتيكي عابر، بل شكّلت محطة مفصلية تعكس دخول المنطقة مرحلة جديدة تتهاوى فيها فكرة التحالفات التقليدية.
فالضربة التي نُفذت في المكلا جسّدت انهيار بنية إقليمية تم تشييدها منذ عام 2011 على وهم إمكانية إدارة الفوضى وتوظيفها من دون أن ترتدّ كلفتها على صانعيها، وقد جاءت هذه الخطوة نتيجة إدراك السعودية بشكل متأخر، لكنه حاسم، أن بقاء اليمن في حالة ضعف مزمن لا يُنتج استقرارًا، بل يفرز كيانات مسلّحة قادرة على تحويل حدود المملكة الجنوبية إلى بؤرة توتر دائمة، على غرار جنوب لبنان في المعادلة الإسرائيلية، أو شمال سوريا في الحسابات التركية.
لم تكن الضربة استعراضًا للقوة بقدر ما كانت تعبيرًا عن قلق استراتيجي عميق، ناجم عن احتمال تحوّل أدوات نفوذ طالما عُدّت موثوقة إلى مصادر تهديد مباشر في المدى المنظور.
أما الرسالة الموجّهة إلى أبوظبي، فقد تجاوزت البعد العسكري لتطال البنية السياسية-الأمنية التي حكمت سلوكها الإقليمي خلال العقد الماضي. إذ بات واضحًا أن مرحلة اللعب على الهوامش، وبناء النفوذ عبر الوكلاء المحليين والميليشيات العابرة للحدود، لم تعد منخفضة التكلفة، بل أصبحت خيارًا محفوفًا بمخاطر قد تنقلب على أصحابها.
وبالنسبة للإمارات، كشفت الضربة عن هشاشة استراتيجية. فأبوظبي لم تؤسس نفوذها على عمق ديمغرافي أو ثقل تاريخي وسياسي، ولا تمتلك إرثًا رمزيًا يشبه بما تتمتع به عواصم إقليمية كبرى مثل مكة والمدينة والقاهرة ودمشق وبغداد وإسطنبول.
من هنا، لا يقتصر السؤال الضاغط على الإمارات على كيفية الرد على الضربة، بل يمتد إلى ما هو أعمق: هل ما زال بإمكانها الاستمرار كلاعب ظلّ في مرحلة إقليمية لم تعد تتسامح مع الأدوار الرمادية؟
هذا الفراغ البنيوي يقيّد قدرة أبوظبي على ترسيخ نفوذ طويل الأمد، مهما بلغت مواردها المالية. فبدلًا من بناء نفوذ سيادي تقليدي، اعتمدت على نموذج السيطرة غير المباشرة عبر الموانئ والجزر والممرات البحرية وشركات الأمن الخاصة.
وقد أثبت هذا النموذج فاعليته خلال مرحلة الانهيار العربي في المنطقة، لكنه يبدأ بالاضمحلال عندما تستعيد الدول – حتى المنهكة منها – غريزة البقاء والدفاع عن مجالاتها الحيوية.
الخروج من الظلال
السؤال الجوهري اليوم لا يتعلّق فقط بردّ الفعل الإماراتي، بل بقدرة أبوظبي على الاستمرار كلاعب خفي في زمن يتّجه نحو الوضوح القسري، أو ما إذا كانت آليات المرحلة ستدفعها إلى التحول إلى فاعل مباشر في صراعات تتجاوز قدراتها الديمغرافية والسياسية.
في هذا السياق، يبرز البحر الأحمر بوصفه أكثر من مجرد ممر ملاحي، إذ بات ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي والدولي. فإسرائيل لا تسعى إلى السيطرة عليه عبر الاحتلال المباشر، بل إلى تفريغه من أي سيادة عربية فاعلة، وتحويله إلى ما يشبه «بحر التردّد»، تُدار معادلاته عبر قواعد غير مباشرة، وكيانات هشّة، واتفاقيات أمنية مع دول تبحث عن الحماية أكثر مما تبحث عن الفاعلية.
في المقابل، لا ترى إيران في استقرار البحر الأحمر مصلحة استراتيجية، بل تفضّل إبقاءه في حالة اضطراب مزمن، بوصفه ورقة ضغط إقليمية ودولية. أما تركيا، فتتحرّك على الأطراف لا في القلب، مطوّقة المنطقة عبر ليبيا والقرن الأفريقي وقطر، لفتح مساحات تفاوض أوسع. وبينما تمدّ القوى الكبرى أيديها إلى المياه، تتنازع الدول العربية على الشواطئ.
وفي هذا الإطار، لم يكن اعتراف إسرائيل الأخير بأرض الصومال خطوة رمزية أو دبلوماسية، بل تحركًا محسوبًا يستهدف إعادة رسم المشهد في البحر الأحمر. ترسيخ موطئ قدم في القرن الأفريقي يعني مراقبة مضيق باب المندب، والسيطرة عليه تتيح خنق الخليج أو حمايته، والضغط على مصر أو تحييدها.
الحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالدبابات، بل عبر التوافقات الدولية، وسلاسل الإمداد، وشبكات النفوذ التي تعمل تحت عناوين الاستثمار أو مكافحة الإرهاب.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن الاستراتيجية الإسرائيلية الأشمل، التي لا تستهدف إسقاط الدول العربية دفعة واحدة، بل تفكيك قدرتها السيادية وتحويلها إلى كيانات وظيفية أو مساحات أزمات دائمة.
كانت فلسطين النموذج الأول: كيانان بلا سيادة. ثم لبنان عبر شلّ الدولة المركزية، وسوريا عبر خرائط النفوذ، والعراق من خلال إدارة الانقسام البنيوي دون تفكيك رسمي، وصولًا إلى السودان عبر تفتيت الدولة.
أما الجزائر، فتشكّل في التقدير الإسرائيلي حالة مختلفة ومقلقة في آن واحد: دولة تمتلك ذاكرة تحررية، وجيشًا منضبطًا أيديولوجيًا، وموقفًا صلبًا من التطبيع، ما يجعلها هدفًا للإضعاف المنهجي لا للتفكيك المباشر، عبر إنهاك إقليمي يمتد من الساحل إلى ليبيا والمغرب والصحراء الغربية، بالتوازي مع عزلها استراتيجيًا عن المشرق.
وفي قلب هذه المنظومة، بات التطبيع أداة مركزية، تُدمَج من خلالها بعض الدول العربية في نظام أمني تقوده إسرائيل، مع توزيع الأدوار بين ممولين، ووسطاء، وحراس ممرات. وهنا يتبلور نموذج “الدولة الوظيفية” بوصفه الصيغة المفضّلة: دولة بلا طموح سيادي، يستند نفوذها إلى الموانئ والقواعد وشركات الأمن، لا إلى القرار السياسي أو العمق الشعبي.
تفتيت الدول
يُفسّر ذلك تركيز إسرائيل المتزايد على مناطق حساسة في الخليج والقرن الأفريقي، حيث تعمل على استهداف كيانات داخل الدول، ليس لإسقاطها، بل لتفكيكها وتحويلها إلى كيانات وظيفية مندمجة في شبكة نفوذها الإقليمية. ويشمل هذا المسار جنوب اليمن عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، وبعض المناطق القبلية في الجزائر، وأقاليم ليبية واقعة تحت سيطرة اللواء المنشق خليفة حفتر، إضافة إلى أجزاء من الصومال.
ومن خلال مسارات التطبيع والاعتراف الدولي، تسعى إسرائيل إلى تحويل هذه الكيانات إلى أدوات ضغط فعّالة، في وقت تحتفظ فيه القوى الدولية الكبرى بهوامش قرار محدودة، بما يضمن إدارة المشهد دون تحمّل تكلفة السيطرة المباشرة.
في هذا الإطار، تبرز الإمارات بوصفها كيانًا وظيفيًا يربط هذه الساحات بالتحالف مع إسرائيل، ويؤمّن التحكم في الممرات الاستراتيجية، فيما تتعرض القوى العربية التقليدية، وفي مقدمتها مصر والجزائر وسوريا، لضغوط متصاعدة لإعادة ضبط سياساتها أو القبول بقواعد اللعبة الإقليمية الجديدة.
خلال المرحلة المقبلة، يمن المرجّح أن يستمر التصعيد العسكري في اليمن، مع احتمال تحوّله إلى مواجهة إقليمية أوسع، بما يهدد أمن الملاحة في البحر الأحمر، ويدفع مصر إلى انخراط أعمق في حماية الممرات الحيوية وقناة السويس.
بالتوازي، قد تتحرك إسرائيل لتعزيز حضورها في الصومال والقرن الأفريقي، بهدف إحكام السيطرة على مضيق باب المندب، وربط البحر الأحمر بمنظومة التحالفات الخليجية، بما يضع المنطقة تحت إشراف إسرائيلي شبه كامل ويقوّض هامش الاستقلالية العربية.
وفي المقابل، ستواصل إيران توظيف الحوثيين وساحات القرن الأفريقي كورقة ضغط على الخليج ومصر، بما يعيد رسم موازين القوة البحرية، ويفرض على الدول العربية إعادة ترتيب تحالفاتها والدخول في مفاوضات حول ترتيبات أمنية إقليمية شاملة. ولا يُستبعد أن تدخل تركيا بدورها هذا المسرح بشكل مباشر، عبر شراكات مع السودان أو الصومال، ما يضيف المزيد من التعقيد إلى المشهد الاستراتيجي.
أما مصر، فتواجه حزمة مركّبة من التحديات، في مقدمتها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وانقسام السودان، وتراجع الاستقرار في ليبيا. وتحدّ هذه العوامل من قدرتها على تأمين الممرات الاستراتيجية، ما يدفعها إما إلى بناء تحالفات جديدة أو إلى تعزيز الحضور الأمني الدولي للحفاظ على أمن البحر الأحمر.
تحتل مصر اليوم الموقع الإقليمي الأكثر هشاشة، لأنها الأقل قدرة على المناورة. لم يكن التخلي عن تيران وصنافير مجرد خسارة جزيرتين، بل فقدان رمز السيطرة على المدخل الشمالي للبحر الأحمر. وفي الوقت ذاته، أدى السماح بتفكك السودان إلى استنزاف عمقها الاستراتيجي، كما أن إدارة الملف الليبي من منظور أمني بحت ودون مشروع سياسي طويل الأمد، فتحت المجال أمام التدخلات الخارجية.
والنتيجة هي تآكل تدريجي في قدرتها على الردع، يوازيه سؤال وجودي مفتوح: هل تسعى القاهرة إلى استعادة مناعتها، أم تقبل بأن تُدار بوصفها “مساحة مستقرة” داخل محيط إقليمي شديد الاضطراب؟
ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في أزمة عابرة، بل يعكس تحوّلًا تاريخيًا عميقًا: انتقال من شرق أوسط تُدار فيه الأزمات، إلى شرق أوسط تُدار فيه الخرائط. الصراع لم يعد بين الدول فقط، بل يدور حول فراغ السيادة وصنع القرار والقدرة على الردع. وفي هذه اللحظة من تاريخ المنطقة، لا يُعاقَب من يخطئ في تقديراته، بل من يترك فراغًا بلا حراسة.
ومن لا يملأ الفراغ بنفسه، سيجد أن غيره قد ملأه. هذا هو القانون الصارم الذي بات يحكم المنطقة اليوم.
المصدر: ميدل إيست آي