ترجمة وتحرير: نون بوست
عندما تقدم الثوار السوريون نحو دمشق في أواخر عام 2024، فتحوا أبواب السجون الصدئة في كل المدن والبلدات لإطلاق سراح آلاف المعتقلين السياسيين الذين كانت تحتجزهم أجهزة بشار الأسد الأمنية.
لكن على الجانب الآخر من الحدود في لبنان، تُرك عشرات السوريين المسجونين بسبب دعمهم للثورة، ليتابعوا المشهد من خلف جدران سجن رومية، أكثر سجون البلاد شهرة.
يقول عمر (اسم مستعار)، أحد المعتقلين في سجن رومية، متذكرًا كيف احتشد السجناء حول هاتف مهرّب وحيد لمتابعة سقوط الأسد: “بكى الكثير منا فرحًا”.
وأضاف: “عندما سقطت دمشق، اتصل كل معتقل بوالدته وأخبرها أن تجهز الحلويات لأن الإفراج عنه أصبح قريبا”.
لكن بعد أكثر من عام، لا يزال عمر ورفاقه السجناء يقبعون في لبنان، رهائن لمفاوضات شاقة بين بيروت ودمشق الساعية إلى تطبيع العلاقات بعد نصف قرن من العداء.
ورغم تحسن العلاقات بين الجانبين، إلا أن مشاعر العداء ما زالت قائمة. احتلت سوريا لبنان لثلاثة عقود، وهيمنت على سياسته وأمنه، كما امتد عنف الحرب الأهلية السورية إلى داخل الحدود اللبنانية. ومن الجانب المقابل، يُنظر إلى حزب الله اللبناني في سوريا بعين السخط بسبب تدخله المسلح دعمًا للنظام المخلوع.
ومنذ سبتمبر/ أيلول، يُجري الطرفان مفاوضات للتوصل إلى اتفاق بشأن إعادة السجناء السوريين إلى بلادهم. إلا أن هذه المفاوضات تعثرت بسبب خلاف حول تعريف “السجين السياسي” في مرحلة ما بعد الأسد.
بدأ صبر دمشق ينفد إزاء بيروت، إذ أبلغ مسؤولون سوريون نظراءهم اللبنانيين بأن جميع المحادثات السياسية والأمنية – بما في ذلك ملف ترسيم الحدود البرية الحساسة وملف إعادة مئات الآلاف من اللاجئين – ستتوقف حتى يتم التوصل إلى اتفاق بشأن السجناء.
وقال طارق متري، نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني الذي يقود المفاوضات، معبّرًا عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق قريب: “نحن عازمون على العمل من أجل إيجاد حل”.

وفقاً لتقديرات لبنانية وسورية، يوجد نحو 2,500 محتجز سوري في لبنان، معظمهم بتهم جنائية. لكن هناك نحو 200 معتقل محتجزين بتهم مرتبطة بالثورة السورية، مثل الانتماء إلى فصائل متمردة أو معارضة الأسد، بحسب مسؤولين ومعتقلين ومحامين معنيين بقضاياهم.
من بين بعض هؤلاء موقوفون بتهم تتعلق بالإرهاب، بما في ذلك تنفيذ هجمات وقتل عناصر من الجيش اللبناني، ما يجعل الإفراج عنهم قضية حساسة سياسيًا في لبنان، وفق ما ذكره المسؤولون. لكنهم أضافوا أن هذه ليست غالبية الحالات المعنية.
وقد أعطت حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع، الحريصة على ألّا تنظر إليها القاعدة الشعبية كأنها تخلّت عن رفاق الثورة، أولوية لإعادتهم إلى الوطن. بحسب المسؤولين، ينطبق ذلك بشكل خاص على عدد صغير من المقاتلين السابقين في جبهة النصرة، الفرع التابع لتنظيم القاعدة الذي أسسه الشرع عام 2011.
تحوّلت النصرة لاحقًا إلى هيئة تحرير الشام، وأصبحت أكثر اعتدالاً، ويشغل قادتها اليوم مناصب عديدة في الحكومة الجديدة.
لكن في عام 2014، اشتبك مقاتلو النصرة مع الجيش اللبناني في شمال لبنان، ما أسفر عن مقتل أكثر من عشرة جنود وعدد أكبر من المدنيين. وفي النهاية انسحبوا ومعهم أسرى لبنانيون قاموا لاحقًا بإعدامهم.
وقال أحد المسؤولين اللبنانيين المطلعين على المفاوضات: “لم يعد الشرع ورفاقه يُعتبرون إرهابيين في نظر العالم، لكن من الصعب علينا أن ننسى الماضي. لقد أرهبتنا جبهة النصرة وقتلت أبناء شعبنا، والآن يطلبون منا إطلاق سراحهم ليعيشوا أحراراً”.

يعبّر المسؤولون السوريون بدورهم عن شكواهم التي لا تقل حساسية. يقول أحدهم: “قتل حزب الله من السوريين أكثر بكثير مما قتل السوريون من اللبنانيين. لكننا مستعدون لنتجاهل أن لبنان لن يحاكمهم أبدًا على قتل شعبنا”.
تؤكد دمشق أن القضاء اللبناني خاضع لتدخلات سياسية، وتشير إلى أن بعض السجناء اعتُقلوا تعسفيا بتهم ملفقة.
كما تردد السلطات السورية ما ورد في شهادات المعتقلين، مؤكدة أن حزب الله – الذي لطالما كان القوة العسكرية والسياسية الأكثر نفوذًا في لبنان – ساعد في اعتقال وتعذيب نشطاء معارضين للأسد قبل تسليمهم للمحكمة العسكرية، وهي مؤسسة كان له تأثير واسع عليها حتى وقت قريب.
لطالما انتقدت منظمات حقوقية دولية، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، محكامة المدنيين في لبنان أمام المحاكم العسكرية في قضايا الإرهاب. كما أدانت نمط الانتهاكات بحق المعتقلين، مثل انتزاع الاعترافات تحت التعذيب وفترات الحبس الاحتياطي الطويلة.
وقال المحامي اللبناني المتخصص في حقوق الإنسان محمد صبلوح: “التعذيب، والتهديدات، وسوء المعاملة، وسنوات من عدم اليقين… هذه كلها ممارسات معتادة يتعامل بها لبنان مع هذه الفئة من المعتقلين”.
وتنفي السلطات اللبنانية ووزارة العدل في العلن مزاعم التعذيب والتدخل في الإجراءات القضائية، لكن في الخفاء لا ينكر بعض كبار المسؤولين هذه الادعاءات.

يقول عمر، الذي تحدث إلى صحيفة “فاينانشال تايمز” عبر هاتف مهرّب، إنه اعتُقل لأول مرة عام 2023 وتعرض للتعذيب لإجباره على الاعتراف بانتمائه سابقا إلى فصيل متمرد لم يعد له وجود، قبل أن يُفرج عنه بعد خمسة أشهر.
وأضاف أنه اعتُقل مرة أخرى عام 2024 بسبب توثيقه لانتهاكات بحق اللاجئين السوريين في لبنان، بما في ذلك عمليات الترحيل التعسفي، ولا يزال محتجزًا من دون محاكمة منذ ما يقارب عامين.
وقال متري عند سؤاله عن أوجه القصور في المؤسسة القضائية ونظام والسجون في لبنان: “علينا أن نمارس النقد الذاتي وأن نعترف بوجود إخفاقات، وأن هذا وضع غير طبيعي”.
تعمل بيروت على القيام بإصلاحات. يحاول رئيس المحكمة العسكرية الذي عُيّن مؤخرًا تسريع وتيرة الإفراج عن المحتجزين لفترات طويلة قبل المحاكمة استنادًا إلى أدلة مشكوك فيها. وقد أكد متري أن 109 معتقلين سوريين أُفرج عنهم منذ سبتمبر/ أيلول، بينهم 22 سجينًا سياسيًا.
سيُسهم ذلك في التخفيف من الاكتظاظ الشديد في السجون اللبنانية، حيث يشكّل السوريون نحو 30 بالمئة من إجمالي عدد السجناء.
لكن الأوضاع مازالت مأساوية: توفي ما لا يقل عن 46 سجينًا منذ عام 2022 بسبب الإهمال الطبي والانتحار، وفقًا لمحامين مطلعين على القضايا، وهو ما أكدته “فاينانشال تايمز” عبر سجلات طبية من السجون. لكن متري قال إن حالات الإهمال الطبي لم تثبت بعد.
كما تحدث سجناء عن عدم كفاية الغذاء، وانتشار الفئران والصراصير، وتفشي الجرب، وهي شهادات أكدتها الصور ومقاطع الفيديو التي أرسلها المعتقلون إلى “فاينانشال تايمز” من داخل السجن.
في ديسمبر/ كانون الأول، توجه وفد إلى دمشق لعرض أحدث مقترح لبناني يقضي بعودة معظم السوريين إلى بلادهم لقضاء ما تبقى من عقوباتهم، وضمان الإفراج عن المحتجزين بلا محاكمة لفترات طويلة، وتقليص فترات العقوبة.
لكن مسؤولين سوريين ولبنانيين قالوا إن بيروت أدخلت تعديلات في اللحظة الأخيرة أثارت غضب دمشق، وأبرزها أن سوريا لا يمكنها إعادة محاكمة السجناء أو إصدار أحكام جديدة دون موافقة لبنان.
بالنسبة لعمر وبقية المعتقلين، مازال عليهم الانتظار. يقول عمر: “اعتُقلنا لأننا دعمنا الثورة السورية، لكن الثوار باتوا اليوم في السلطة، فلماذا ما زلنا هنا؟ لقد حان الوقت لنعود إلى وطننا”.
المصدر: فاينانشال تايمز