لا تمر تجارة العالم فحسب عبر الممرات المائية للشرق الأوسط، بل تتحدد أيضًا موازين النفوذ السياسي والأمني فيه بمن يسيطر على الموانئ الإستراتيجية.
تمثل هذه الموانئ نقاط ارتكاز للقوى الإقليمية والدولية – فمن خلالها تُدار طرق التجارة العالمية (إذ يمر عبر البحر الأحمر وحده أكثر من 10% من التجارة البحرية الدولية)، ومنها تنطلق الأساطيل وتحشد التحالفات العسكرية.
وقد تجلّت أهمية الموانئ في حروب العقد الأخير؛ فمثلاً شكّلت السيطرة على ميناء الحُديدة اليمني مسألة حاسمة خلال حرب اليمن، وتحولت موانئ البحر الأحمر إلى ساحة تنافس إقليمي على النفوذ.
وعلى البحر المتوسط أيضًا كان بقاء روسيا في ميناء طرطوس السوري رمزًا لثقل نفوذها – وهو وضع بات مهدّدًا عقب التطورات الأخيرة في سوريا. باختصار، ترسم خريطة الموانئ ملامح خريطة الصراعات والتحالفات في الشرق الأوسط اليوم.
البحر الأحمر.. سباق إقليمي على المضائق والموانئ
يمثل البحر الأحمر شريانًا حيويًا يربط المتوسط بالمحيط الهندي، وقد أصبح ميدانًا لتنافس حاد على ضفتيه. بعد اندلاع حرب اليمن عام 2015، تكثفت التحركات العسكرية حول مضيق باب المندب الإستراتيجي.
الإمارات: أنشأت قاعدة بميناء عصب بإريتريا عام 2015 وسعت لبناء موطئ قدم بميناء بربرة بأرض الصومال قبل أن تتخلى عن الخطة في 2020.
السعودية: سيطرت مع الإمارات على موانئ الساحل الغربي مثل المخا والخَوخة عام 2019، مما عزّز الحضور البحري السعودي هناك.
تركيا: وقّعت اتفاقًا مع السودان في 2017 لترميم ميناء سواكن على البحر الأحمر، ضمن تطلعها إلى موطئ قدم قرب الممرات المائية الحيوية.
إيران: سعت إلى إيجاد وجود بحري دائم في البحر الأحمر لموازنة خصومها الخليجيين، وإن لم تُحقق نجاحًا يُذكر في ذلك.
قوى الخليج: تسابقت على إبرام صفقات تشغيل وإدارة موانئ على الساحل الأفريقي للبحر الأحمر في دول مثل السودان وجيبوتي والصومال.
روسيا: أعلنت عام 2020 خططًا لإقامة قاعدة بحرية في ميناء بورتسودان بالسودان، سعيًا لأول موطئ قدم لها في أفريقيا على البحر الأحمر.
الصين: أنشأت بالفعل أول قاعدة عسكرية لها بالخارج في جيبوتي عام 2017، ضمن ميناء دوراليه الذي تديره شركات صينية.
الولايات المتحدة: عززت حضورها عبر قوة مهام بحرية مشتركة جديدة أُطلقت عام 2022 لتأمين الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
“إسرائيل” والهند والإمارات: بدأت في إطار تحالفات جديدة، التعاون مع واشنطن تحت مظلة مجموعة I2U2 لتعزيز التنسيق الاقتصادي والأمني.

الخليج وبحر العرب.. موانئ القوة والنفوذ
في منطقة الخليج العربي، تمتلك الولايات المتحدة حضورًا بحريًا راسخًا منذ عقود عبر قواعد وموانئ الحلفاء، أبرزها:
- استضافة ميناء المنامة في البحرين مقر الأسطول الخامس الأمريكي منذ 1995، وهو مركز ثقله لتأمين الخليج ومضيق هرمز.
- اعتماد البحرية الأمريكية على ميناء جبل علي في الإمارات كمحطة لوجستية رئيسية.
- قواعد أخرى في قطر والكويت جاءت في إطار مظلة أمنية ضمنت حرية الملاحة وحماية تدفقات النفط لعقود.
إلا أن قوى دولية أخرى سعت في الأعوام الأخيرة لتأمين موطئ قدم لها في الموانئ الخليجية، مستفيدة من الواجهة التجارية لتنفيذ أجندات إستراتيجية.
الصين على وجه الخصوص كثّفت استثماراتها البحرية في الخليج ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، وحاولت ترجمة بعض حضورها الاقتصادي إلى وجود عسكري.
في ميناء خليفة بأبوظبي كشفت معلومات استخبارية أميركية عام 2021 عن أعمال إنشاء سرية داخل منطقة تشغّلها شركة صينية، اشتبهت واشنطن بأنه مشروع قاعدة عسكرية صينية تحت غطاء تجاري.
سارعت الإدارة الأميركية للضغط مباشرة على حكومة الإمارات لوقف البناء، وتم تعليق المشروع بالفعل بعد تدخلات رفيعة المستوى.
وقد جاء هذا التطور بعد أربع سنوات من افتتاح الصين قاعدتها العسكرية في جيبوتي عام 2017 داخل ميناء تجاري تديره شركاتها، مما أكد أن بكين تسير على خطى تحويل مواضعها التجارية إلى نقاط ارتكاز إستراتيجية.
تُقدم سلطنة عمان نموذجًا مختلفًا عبر سياسة الحياد الإيجابي وموازنة العلاقات بين جميع الأطراف.
- وقّعت مسقط في 2019 اتفاقية إطار إستراتيجي مع واشنطن تتيح للقوات الأمريكية وصولًا منتظمًا إلى ميناءي الدقم على بحر العرب وصلالة على المحيط الهندي وهو ما يوفر للولايات المتحدة خيارات إستراتيجية بالقرب من مضيق هرمز ومناطق التوتر مثل اليمن.
- في المقابل، اجتذبت عمان استثمارات ضخمة من الصين ودول أخرى، فقد منحت في 2016 شركة صينية حق تطوير منطقة صناعية ضخمة في ميناء الدقم بعقد امتياز لخمسين عامًا، باستثمارات تُقدّر بأكثر من 10 مليارات دولار.
- تعاونت مع بريطانيا لافتتاح مركز دعم لوجستي للبحرية الملكية في الدقم عام 2018، وسمحت للهند باستخدام تسهيلات الميناء لدعم عملياتها البحرية في المحيط الهندي.
ضمن المشهد ذاته، برز أيضًا ميناء تشابهار الإيراني الواقع على بحر العرب كمشروع إستراتيجي ذو أبعاد إقليمية. فقد عملت طهران بدعم من الهند على تطويره ليكون منفذًا يربط إيران بالأسواق الآسيوية دون المرور بمنافذ يسيطر عليها خصومها.
وهو ما يمكّن نيودلهي من الوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى عبر البحر متجاوزةً الأراضي الباكستانية، حيث يُنظر إليه كخطوة لموازنة نفوذ الصين في ميناء غوادر الباكستاني المجاور.
ورغم العقوبات والتحديات، استمر العمل في تشابهار بصفته ورقة جيوسياسية مهمة لكل من إيران والهند. إنها مثال إضافي على كيفية تداخل مشاريع البنية التحتية مع التنافس الإقليمي على طرق التجارة والنفوذ.
شرق المتوسط.. قواعد بحرية وبوابات نفوذ
في شرق البحر المتوسط، تشكّل الموانئ هي الأخرى ساحات نفوذ تتلاقى عندها مصالح عدة قوى إقليمية ودولية.
في سوريا، حافظت روسيا لعقود على وجود عسكري في ميناء طرطوس الذي يعد منفذها البحري الوحيد إلى المتوسط، وعززت ذلك باتفاق وقعته في 2019 مع حكومة النظام البائد لتشغيله لمدة 49 عامًا، مع استثمار شركات روسية مبالغ كبيرة في توسعته.
لكن سقوط نظام بشار الأسد المفاجئ في ديسمبر/كانون الأول 2024 شكّل صدمة للاستراتيجية الروسية، بعد أن بادرت السلطات السورية الجديدة إلى إلغاء عقد إدارة ميناء طرطوس مع الشركة الروسية في يناير/كانون الأول 2025، لتضيق الخناق أكثر على الوجود الروسي.
ومع تخوّفها من خسارة موطئ قدمها البحري، سارعت روسيا إلى إجلاء معداتها وقواتها من طرطوس ونقلها إلى خارج سوريا – وسط تقارير تفيد بنقل بعض الأصول إلى قواعد بديلة في ليبيا المجاورة، وفق المونيتور الأمريكي.
ورغم استمرار عمل قاعدة طرطوس كمرفأ للأسطول الروسي مؤقتًا، فإن إلغاء الامتياز الروسي وجلاء جزء كبير من قواته يضع قدرة موسكو على البقاء في شرق المتوسط أمام علامة استفهام كبرى.
بالنسبة لإيران، كان الميناء السوري الآخر في اللاذقية يمثل شريانًا لوجستيًا مهمًا لتهريب مكونات برنامج تصنيع المخدرات (الكبتاغون) الذي موّل به النظام السوري نفسه وأيضا نقل الأسلحة الإيرانية إلى سوريا ثم إلى لبنان.
لكن مع التغيير الكبير في سوريا بعد 2024، تضاءلت قدرة طهران على إيصال الإمدادات عبر سوريا مع فقدانها الغطاء السياسي في دمشق، مما يعني خسارة أحد أبرز طرق نفوذها الإقليمي.
على الضفة المقابلة من شرق المتوسط، تسعى “إسرائيل” لتعزيز دور موانئها في الاقتصاد والأمن الإقليمي. فقد اكتسب ميناء حيفا خصوصًا أهمية إضافية بعد افتتاح محطة حاويات حديثة فيه عام 2021 تُشغّلها شركة شنغهاي الدولية للموانئ الصينية بعقد امتياز لـ25 عامًا.
وترى “إسرائيل” في تطوير موانئها فرصة لتعزيز مكانتها كمركز تجاري إقليمي، خاصة بعد اتفاقيات التطبيع مع دول الخليج التي فتحت آفاق تجارة بحرية جديدة.

وفي مطلع 2023، فاز تحالف تقوده شركة موانئ أداني الهندية وشركة إسرائيلية بصفقة خصخصة ميناء حيفا بقيمة 1.2 مليار دولار، متفوقًا على منافسين من ضمنهم موانئ دبي العالمية التي كانت قد أبدت اهتمامًا بالاستثمار في حيفا.
دخول رؤوس الأموال الهندية والخليجية إلى الموانئ الإسرائيلية يبرز تبلور تحالفات اقتصادية جديدة تربط شرق المتوسط بالخليج والهند، ما يمنح موانئ “إسرائيل” بُعدًا جيوسياسيًا إضافيًا يتجاوز دورها التقليدي.
وفي لبنان المجاور، ورغم أن مرفأ بيروت كان تاريخيًا بوابة الشرق الأوسط البحرية إلى أوروبا، فإن انفجار 2020 المدمر أخرج جزءًا كبيرًا من طاقته عن الخدمة وفتح الباب لتساؤلات حول إعادة إعماره.
قد تسعى قوى إقليمية ودولية إلى المشاركة في إعادة بناء وتشغيل المرفأ، لما له من موقع محوري على شرق المتوسط، لكن ذلك يرتبط باستقرار لبنان السياسي والاقتصادي.
أما تركيا، فهي تركز نفوذها البحري عبر أسطولها وقواعدها المحلية، مع اهتمام خاص بليبيا حيث تدعم أنقرة حكومة طرابلس وتدير معها تعاونًا بحريًا في موانئ غرب ليبيا.
رغم ذلك، تظل منافسة الموانئ في شرق المتوسط أقل اشتعالًا مما هي عليه في البحر الأحمر والخليج، نظرًا لأن معظم سواحل شرق المتوسط (سوريا ولبنان) تأثرت بالحروب والأزمات الداخلية في العقد الماضي، مما حدّ من دورها البحري لصالح قوى خارجية كروسيا وإيران و”إسرائيل”.
وفي ظل تزاحم الدول على مناطق النفوذ البحرية، باتت خريطة الشرق الأوسط أشبه بلوحة شطرنج بحرية حيث تشكّل الموانئ أهم قطعها. كل ميناء رئيسي أصبح نقطة نفوذ: من يسيطر عليه يكتسب ورقة إستراتيجية ومن يُحرم منه يفقد منفذًا حيويًا.