في لحظة دولية تبحث فيها العواصم الغربية عن ملامح نظام أمني جديد لمرحلة ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية، أعاد اجتماع قادة “ائتلاف المتطوعين“ في باريس، مطلع يناير الجاري، تسليط الضوء على البحر الأسود بوصفه إحدى أكثر الساحات حساسية في ترتيبات ما بعد النزاع.
وفي قلب هذا النقاش، برز الدور التركي باعتباره ركيزة لا غنى عنها لضبط التوازنات البحرية ومنع انزلاق المنطقة إلى فراغ أمني جديد، فقد أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن أنقرة، بوصفها عضواً في حلف شمال الأطلسي وتمتلك أكبر قوة بحرية بين دوله المطلة على البحر الأسود، مرشحة لتحمّل مسؤوليات محورية تشمل مراقبة وقف إطلاق النار وضمان أمن الملاحة.
بالتوازي، أعلنت وزارة الدفاع التركية أنها تقود بالفعل التخطيط العسكري اللازم لحفظ الاستقرار البحري، مؤكدة التزامها الصارم بتطبيق اتفاقية مونترو لعام 1936 بوصفها الإطار القانوني الناظم لأمن المضائق والتوازن في البحر الأسود، وبما يكرّس دور تركيا كضامن إقليمي للأمن والحياد في واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً.
تفوق تركي
يستند إسناد مهمة تأمين البحر الأسود إلى تركيا إلى مزيج متداخل من الاعتبارات الجيوسياسية والعسكرية، يجعل من الدور التركي خيارًا شبه بديهي في حسابات ما بعد الحرب.
فأنقرة تمتلك أكبر قوة بحرية بين دول حلف شمال الأطلسي المطلة على البحر الأسود، وهو ما يمنحها ثقلًا عمليًا يفتقر إليه سواها من الحلفاء، ويجعل قيادتها لأي ترتيبات أمنية بحرية أمرًا أقرب إلى الواقع منه إلى الطموح. وقد عكس وزير الخارجية هاكان فيدان هذا الإدراك حين تحدث عن تقدم فعلي نحو إسناد المهمة لبلاده عقب اجتماع باريس، في ظل توافق أوكرانيا وشركائها الغربيين على مركزية الدور التركي.
فوجود قوة إقليمية مطلة تقود هذه المهمة يحدّ من مخاطر الفراغ الأمني، ويجنّب في الوقت ذاته إدخال قوات أطلسية غير مطلة قد تُفسَّر من موسكو باعتبارها استفزازًا مباشرًا.
إلى جانب ذلك، تمتلك تركيا قدرات بحرية ولوجستية نوعية تعزز أهليتها لهذا الدور، فالأصول البحرية والجوية التركية تؤمّن ما يقارب ثلثي صورة المشهد البحري الذي يعتمد عليه الناتو في مراقبة البحر الأسود، ما يضع أنقرة في موقع العمود الفقري لأي منظومة أمن بحري فاعلة في المنطقة.
كما أن التحولات التي فرضتها الحرب، ولا سيما تآكل قدرات الأسطول الروسي بعد خسائر كبيرة أجبرته على الانكفاء إلى قواعد أبعد، أسهمت في تعديل ميزان القوى البحرية لصالح تركيا. وفي هذا السياق، يظهر الدور التركي بوصفه تسوية مقبولة للأطراف كافة، فالغرب يرى فيه حليفًا قادرًا على الاضطلاع بالمسؤولية بكفاءة، فيما تجد موسكو في الدور الإقليمي التركي خيارًا أقل كلفة سياسية وأمنية من انتشار مباشر لقوات غربية في واحدة من أكثر ساحاتها البحرية حساسية.
إدارة الاستقرار
تتجاوز المسؤوليات البحرية المنتظرة من تركيا بعد تثبيت وقف إطلاق النار حدود الدور الرقابي التقليدي، لتشمل إدارة منظومة أمن بحري متكاملة في واحدة من أكثر البحار توتراً في العالم، فبحسب وزارة الدفاع التركية، ستتولى أنقرة قيادة الجهود الرامية إلى حفظ الأمن والاستقرار في البحر الأسود، مع إعطاء أولوية قصوى لضمان حرية وأمان الملاحة التجارية.
ويعني ذلك عملياً أن البحرية التركية ستكون في طليعة القوات المكلفة بمراقبة الالتزام ببنود وقف إطلاق النار في المجال البحري، من خلال تسيير دوريات منتظمة ورصد تحركات القطع الروسية والأوكرانية، والتدخل لمنع أي خروقات قد تهدد هشاشة الهدنة.
إلى جانب البعد الرقابي، سيقع على عاتق تركيا عبء إعادة تأمين الممرات البحرية التي تضررت بفعل الحرب، سواء عبر مواجهة مخاطر الألغام التي زُرعت على نطاق واسع، أو التصدي لتهديدات الطائرات المسيّرة التي استُخدمت لاستهداف السفن والموانئ.
وقد أظهرت سنوات الصراع حجم هذه المخاطر، مع تسجيل هجمات بطائرات مسيّرة طالت سفناً روسية وتركية وألحقت أضراراً بالبنية التحتية للموانئ الأوكرانية، فضلاً عن انجراف ألغام بحرية إلى سواحل تركيا ورومانيا، ما فرض عمليات إزالة عاجلة. وفي هذا السياق، يُنتظر أن تقود أنقرة جهود تطهير الألغام وتعزيز أمن الممرات الحيوية، وفي مقدمتها طرق تصدير الحبوب، بما يضمن عودة حركة السفن المدنية والتجارية بصورة آمنة ومستقرة.
ولا يقتصر الدور التركي على العمل المنفرد، إذ يُرجَّح أن تضطلع أنقرة بدور المنسق الإقليمي بين قوات خفر السواحل والبحريات التابعة للدول المشاطئة للبحر الأسود، ولا سيما رومانيا وبلغاريا وأوكرانيا، عبر آليات تعاون مشتركة. وقد سبق لتركيا أن طرحت فكرة إنشاء مركز تنسيق إقليمي لتبادل بيانات الرادار والمراقبة البحرية، بما يتيح الإنذار المبكر ورصد أي نشاط غير مشروع أو تهديد محتمل للملاحة.
كما قد تُكلَّف أنقرة بمهام القيادة والسيطرة على أي قوة بحرية متعددة الجنسيات تُنشر لضمان احترام الهدنة، على أن تظل هذه القوة محدودة وتحترم القيود الصارمة التي تفرضها اتفاقية مونترو. وفي المحصلة، تهدف هذه المسؤوليات إلى ترسيخ بيئة بحرية آمنة ومستقرة، تمنع عودة التصعيد العسكري وتمنح الدول المطلة وشركاءها ضمانات عملية لحماية مصالحهم البحرية في مرحلة ما بعد الحرب.
معادلة صعبة
اعتمدت أنقرة، منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، مقاربة توازن دقيقة جمعت بين التزاماتها الصلبة كعضو في حلف شمال الأطلسي، وحرصها في الوقت نفسه على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع موسكو. فمن جهة، لم تتردد تركيا في تقديم دعم عسكري مؤثر لأوكرانيا، كان من أبرز رموزه تزويد كييف بالمسيّرات القتالية “بيرقدار”، لكنها في المقابل امتنعت عن الانخراط في منظومة العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، مفضّلة الحفاظ على هامش حركة دبلوماسي واقتصادي مستقل.
وفي هذا الإطار، واصلت أنقرة التواصل المباشر مع القيادتين الروسية والأوكرانية على أعلى المستويات، وعرضت نفسها وسيطًا محتملًا بين الطرفين، بالتوازي مع تحذيرهما مرارًا من مخاطر توسيع دائرة الصراع، ولا سيما في البحر الأسود، بعد تكرار الهجمات على السفن والمنشآت الحيوية. هذا التوازن المدروس منح تركيا موقعًا فريدًا كقناة تواصل موثوقة، وفسّر إلى حد كبير تقاطع القبول الغربي والروسي بدورها الأمني المحتمل في مرحلة ما بعد الحرب.
وشكّلت اتفاقية مونترو حجر الزاوية في إدارة هذا التوازن الحساس، فمع اندلاع الحرب في فبراير 2022، سارعت أنقرة إلى تفعيل بنود الاتفاقية، فأغلقت مضيقي البوسفور والدردنيل أمام السفن الحربية التابعة لطرفي النزاع، ودعت الدول غير المطلة على البحر الأسود إلى الامتناع عن إرسال قطعها البحرية إلى المنطقة. وبهذا القرار، منعت تركيا روسيا من تعزيز أسطولها البحري، وفي الوقت ذاته كبحت التدخل الأطلسي المباشر، محافظةً على توازن دقيق للقوى في البحر الأسود.
وقد واظبت أنقرة على التأكيد أن هذا النهج يندرج ضمن مبدأ “المسؤولية الإقليمية”، متعهدة بتطبيق مونترو بحياد وحزم ودون استثناء. وفي المقابل، أتاح هذا الموقف المتزن لتركيا استثمار الثقة النسبية التي حظيت بها لدى موسكو لتحقيق اختراقات دبلوماسية لافتة، من استضافة مفاوضات إسطنبول التي أفضت إلى عمليات تبادل أسرى، إلى لعب دور محوري، بالتعاون مع الأمم المتحدة، في إبرام مبادرة حبوب البحر الأسود. وبذلك رسّخت أنقرة صورتها طرفًا قادرًا على إدارة التوازن بين المعسكرين الغربي والروسي، وضبط إيقاع التوتر في واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية.
تحفّظ محسوب
تتعامل أنقرة بحذر محسوب مع فكرة نشر قوات برية في أوكرانيا، رغم إبدائها انفتاحًا مبدئيًا على المساهمة في أي قوة دولية لحفظ السلام قد تُنشأ لضمان تنفيذ اتفاق سلام أو هدنة محتملة، غير أن هذا الانفتاح يبقى مشروطًا، إذ تشدد تركيا على أن أي انتشار بري لا يمكن أن يتم إلا بعد تثبيت وقف إطلاق نار فعلي، وصياغة مهمة سلام واضحة المعالم بتفويض محدد، تُعرَّف فيها بدقة أدوار ومساهمات كل دولة مشاركة.
ويعكس هذا الموقف رغبة أنقرة في تجنّب الانزلاق إلى انتشار عسكري مكلف سياسياً وأمنياً، في ساحة ما زالت روسيا طرفًا مباشرًا وفاعلاً فيها. فوجود جنود أتراك على الأرض الأوكرانية قد يُفسَّر في موسكو بوصفه خطوة تصعيدية، على خلاف الدور البحري المحدود والمتفق عليه دوليًا في البحر الأسود، والذي تراه أنقرة أقل استفزازًا وأكثر قابلية للإدارة. ومن هذا المنطلق، تفضّل تركيا في المرحلة الراهنة تركيز مساهمتها في المجال البحري، حيث تمتلك تفوقًا نسبيًا وأدوات ردع واضحة، مع تقليص مخاطر الاحتكاك المباشر مع القوات الروسية.
ولا يقتصر هذا التحفظ على تركيا وحدها، إذ تتقاطع حساباتها مع مواقف عدد من الدول الغربية التي أبدت بدورها ترددًا إزاء فكرة نشر قوات برية في أوكرانيا. فبينما وقّعت كل من بريطانيا وفرنسا مع كييف إعلان نوايا يفتح الباب نظريًا أمام إرسال قوات دولية إذا اقتضت الترتيبات الأمنية ذلك، فضّلت دول أخرى تبني مقاربة أكثر تحفظًا. فقد أعلنت ألمانيا استعدادها للمساهمة في تأمين أي وقف لإطلاق النار، لكنها استبعدت بشكل قاطع نشر جنود ألمان على الأراضي الأوكرانية، في حين رفضت إيطاليا بدورها خيار المشاركة بقوات برية ضمن ترتيبات ما بعد الحرب. أما رومانيا، الجارة المباشرة لأوكرانيا، فقد أكدت أنها لن ترسل قوات برية، لكنها أبدت استعدادها لتعزيز أمن البحر الأسود ضمن منظومة الضمانات الإقليمية.
وفي ضوء هذه المواقف، يبرز الخيار البحري باعتباره أقل إثارة للجدل وأكثر قبولًا سياسيًا، إذ يتيح دعم أمن أوكرانيا عبر الدوريات البحرية وتأمين السواحل والممرات الحيوية، من دون الانخراط في وجود ميداني مباشر. وبالنسبة لأنقرة، ينسجم هذا النهج مع سياستها القائمة على الموازنة بين الإسهام في حفظ الاستقرار وتجنّب خطوات قد تعمّق التوتر مع موسكو أو تزجّ بالجيش التركي في مواجهة مفتوحة طويلة الأمد.
نموذج إقليمي
إذا ما جرى تكريس دور تركي قيادي في تأمين البحر الأسود ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام نموذج مختلف للأمن الإقليمي، تتولاه دولة مطلّة ذات ثقل ومصلحة مباشرة، بدل الارتهان الدائم لتدخلات القوى الكبرى من خارج الإقليم.
فهذا الطرح ينسجم مع الرؤية التي دافعت عنها أنقرة تاريخيًا، والقائمة على مبدأ “المسؤولية الإقليمية” في إدارة أمن البحر الأسود، وسعيها إلى تحييد القوى غير المطلة عن المعادلة الأمنية المباشرة، مقابل تشجيع صيغ تعاون جماعي بين الدول الساحلية المعنية. وقد وجدت هذه المقاربة تجسيدًا مبكرًا في مبادرة “بلاكسي فور“ التي أطلقتها تركيا أواخر تسعينيات القرن الماضي بمشاركة روسيا وأوكرانيا ودول أخرى، بهدف تنسيق الجهود البحرية المشتركة، قبل أن تتراجع تحت وطأة الخلافات السياسية والإقليمية.
اليوم، تعود هذه الفكرة إلى الواجهة في سياق مختلف، فرضته تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والحاجة إلى ترتيبات أكثر مرونة وأقل استفزازًا. فقد اقتصر مشروع تطهير الألغام الأخير في البحر الأسود على تعاون ثلاثي بين تركيا ورومانيا وبلغاريا، في خطوة عكست تفضيل الحلول الإقليمية العملية دون انتظار تدخل دولي واسع.

وبالمثل، يُنظر إلى إسناد مهمة حفظ أمن البحر الأسود لأنقرة بوصفه ترتيبًا تقوده دولة ساحلية تمتلك القدرة والمصلحة، ما قد يحدّ من الحاجة إلى وجود قوات دولية دائمة في منطقة شديدة الحساسية. وإذا ما نجحت هذه المقاربة في ترسيخ الاستقرار وضمان احترام قواعد السلامة البحرية بتوافق الأطراف المعنية، فقد يتحول البحر الأسود إلى نموذج يُحتذى به في مناطق أخرى تبحث عن صيغ أمنية تقودها قوى إقليمية.
غير أن ترسيخ هذا النموذج سيظل مرهونًا بقدرة تركيا على إدارة دورها بحياد وكفاءة، وباستمرار قبول كل من موسكو والعواصم الغربية الأساسية بهذا الدور، إذ إن أي منظومة أمن إقليمي لا يمكن أن تستقيم دون توازن دقيق في المصالح وضمان حدٍّ أدنى من توافق القوى الكبرى، وهو التحدي الأبرز الذي ستواجهه أنقرة في مرحلة ما بعد الحرب.


