التطور التاريخي لمفهوم “إرهاب المخدرات”
إرهاصات هذا المفهوم تسبق ثمانينيات القرن الماضي بعقود كثيرة، ففي حديثه لـ”نون بوست”، أوضح خالد مونة، الباحث في الأنثروبولوجيا والمتخصص في قضايا المخدرات، أن تاريخ المخدرات ليس مجرد قضية جنائية، بل هو في جوهره تاريخ سياسي.
يرى الباحث مونة أن تجارة المخدرات ارتبطت بأنظمة سياسية مثل بريطانيا التي اعتمدت على تجارة الأفيون في الصين، وفرنسا التي لجأت إلى اقتصاد المخدرات خلال حرب الهند الصينية، وصولا إلى استغلال النظام السوري السابق مخدر الكبتاغون كمصدر قوة ونفوذ.
وارتبط هذا المفهوم بشكل وثيق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن الماضي، ففي عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، ظهر مصطلح “الحرب على المخدرات” كخطاب سياسي سنة 1971، وتُرجم لاحقاً إلى إنشاء إدارة مكافحة المخدرات (DEA) في يوليو/تموز 1973 كوكالة فيدرالية متخصصة لمواجهة تهريب المخدرات.
الرئيس الفنزويلي مادورو يمثل أمام المحكمة اليوم، ونائبته تقود البلاد خلفًا له.. فمن هي ديلسي رودريغيز؟ pic.twitter.com/3hHEpqGUOP
— نون بوست (@NoonPost) January 5, 2026
وعن تطور هذا المفهوم في أمريكا اللاتينية، يستطرد الباحث مونة: ”ظهر الاتجار بالمخدرات بقوة خلال ثمانينيات القرن الماضي، ليس كنشاط إجرامي فقط، بل كنظام اقتصادي متكامل داخل دول تعاني من هشاشة سياسية. ومع تصاعد العنف، بدأ الحديث عن إرهاب المخدرات، خاصة عندما لجأت “الكارتلات” إلى التفجيرات واغتيال السياسيين وترهيب المجتمع”.
وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، برز قانون يجرم تمويل الإرهاب عبر المخدرات الذي صدر في الولايات المتحدة عام 2006، ومن أهدافه الرئيسية كان مكافحة تجارة الأفيون والمخدرات القادمة من أفغانستان، لأنه يدر حسب واشنطن عائدات مالية كبيرة لحركة طالبان.
وقد جاء هذا القانون لسد فراغ قانوني كان قائماً في التشريع الأمريكي فيما يتعلق بالصلة بين الإرهاب وتجارة المخدرات، مما أتاح للسلطات الأمريكية أداة قانونية جديدة لتجفيف مصادر تمويل الجماعات التي تصنفها كإرهابية.
لكن رغم الاستعمال المتواتر للإدارات الأمريكية لعبارة “إرهاب المخدرات”، إلا أن العديد من الباحثين يشككون في مصداقيتها الجنائية، ومن بينهم جان جاك كولياندسكي، الباحث المتخصص في أمريكا اللاتينية، الذي انتقد الاستخدام السياسي المبالغ فيه للمصطلح من قبل إدارة ترامب لتبرير التدخل العسكري في فنزويلا.
في هذا الصدد، أوضح محمد فهمي، الخبير في قضايا الإرهاب، في حديثه لـ”نون بوست”، أن الترسانة القانونية الأمريكية واسعة وكافية في معظم الحالات لملاحقة الأشخاص المتورطين في أنشطة إرهابية أو جرائم منظمة دون الحاجة إلى قانون خاص بالإرهاب المرتبط بالمخدرات.
وأضاف فهمي: “الأوساط الإجرامية تعمل عادة بشكل مستقل عن الأوساط الإرهابية، إذ نادراً ما توجد علاقة تبعية أو ولاء مباشر بين المجموعتين، وهو ما يجعل إثبات الصلة بين المنظمتين أمراً معقداً”.
الحالة الفنزويلية.. منعطف تاريخي؟
طاردت الإدارة الأمريكية نيكولاس مادورو سنين قبل اعتقاله، ففي مارس 2020، وجهت وزارة العدل الأمريكية تهماً لمادورو و14 مسؤولاً فنزويليا، تتعلق بالإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات، والتآمر لاستيراد الكوكايين، وجرائم أسلحة.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، صدرت لائحة اتهام معدّلة تضمّ زوجته سيليا فلوريس وابنه، قبل أن يتم القبض على مادورو في عملية عسكرية أمريكية في كاراكاس، وينُقل إلى نيويورك لمواجهة تهم يمكن أن تصل عقوبتها إلى السجن مدى الحياة.
واعتبر محمد جاسم، رئيس المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب، في حديثه لـ”نون بوست”، أن العملية الأمريكية ليست استثنائية إذ يحفل تاريخ الولايات المتحدة بتدخلات في أمريكا اللاتينية في دول مثل بنما وكولومبيا و نيكاراغوا وتشيلي.
واستدرك الباحث: ”لكن القبض على رئيس دولة ونقله للولايات المتحدة يُعتبر سابقة جديدة تتضمن التفافاً على القوانين والدساتير، وخرقاً للقانون الدولي، وانتهاكاً لسيادة فنزويلا، و قد تستخدم الولايات المتحدة هذه العملية كأداة تهديد لدول أمريكا اللاتينية الأخرى”.
الإرهاب والمخدرات.. بُعد جديد في العلاقات الدولية؟
عقب العملية الأمريكية في فنزويلا، انهالت ردود الفعل الدولية المندّدة بانتهاكها للقانون الدولي، إلا أن تصريحات ترامب حول جرينلاند سرقت الأضواء، ناقلةً التركيز من العملية ذاتها إلى التكهنات بشأن الخطوات الأمريكية المقبلة ومستقبل العلاقات الدولية.
ويرى الباحث محمد جاسم أن الاتجار بالمخدرات يقع في منطقة رمادية بين الإرهاب والجريمة المنظمة، لذلك قد يستثمر ترامب في تصنيف المخدرات كـ”تهديد قومي عابر للحدود” لتشكل ذريعة للتدخل في دول أمريكا اللاتينية، كما لوحظ في التهديدات الموجهة لكولومبيا ودول أخرى.
واستدرك الباحث: “لكن من المستبعد تكرار مثل هذه العمليات ضد رؤساء آخرين في العالم أو حتى في أمريكا اللاتينية، فالهدف هو الترهيب، كأداة ضغط لإجبار الرؤساء على التفاوض وقبول شروط ترامب، غير أن هذه الأداة ستتجاوز حدود الأمريكيتين، إذ من المتوقع حدوث فجوة كبيرة الآن بين أوروبا وإدارة ترامب، خاصة في ضوء التوترات حول قضايا مثل جرينلاند”.
أما في العالم العربي، فقد التزمت الدول المقربة من واشنطن الصمت، إذ لم تصدر دول مثل السعودية ومصر والإمارات والأردن والمغرب أي موقف رسمي، كما سلكت الجزائر نفس النهج رغم قربها من فنزويلا.
واستبعد الخبير محمد فهمي أن تُقدم الولايات المتحدة على أي عملية عسكرية مثل عملية فنزويلا في الدول العربية لمحاربة ما تصفه بـ”إرهاب المخدرات”، موضحًا أن واشنطن تنتقي مفاهيم معينة لكل نوع من التدخلات العسكرية، إذ ”ستحتفظ بمصطلح الإرهاب المرتبط بالمخدرات لأمريكا اللاتينية، والإرهاب المرتبط بالتطرف الإسلامي للعالم العربي والإسلامي”، على حد قوله.
