حين دخلت الإمارات ضمن التحالف العربي في مطلع 2015، بدا حضورها العسكري والسياسي مكمّلًا لدور السعودية في دعم الشرعية اليمنية ضد انقلاب الحوثيين، لكن سرعان ما اتضح أن لأبو ظبي أجندة تتجاوز أهداف التحالف المعلنة.
على الأرض، شرعت الإمارات في بناء تشكيلات عسكرية موازية للقوات الحكومية، مثل “الحزام الأمني” في عدن و”النخبة الشبوانية” في شبوة، و”النخبة الحضرمية” في حضرموت، وهي تشكيلات لم تكن خاضعة لوزارة الدفاع اليمنية وكلها تلقت أوامرها وتمويلها من أبو ظبي مباشرة.
وفي سقطرى، ظهرت ملامح السيطرة الإماراتية بشكل فج، إذ رفعت أعلامها على المباني الحكومية وسيطرت قواتها على المطار والميناء، ما أثار غضب الشعب اليمني.
كما دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يتبنى مشروع الانفصال وسيطر على عدن في أغسطس 2019، في انقلاب واضح على الحكومة الشرعية، وهو الدعم الذي جعل الانتقالي قوة موازية تنازع الدولة سلطتها.
وتراكمت الشكوك حول نوايا الإمارات، خاصة مع تقارير عن سجون سرية، وانتهاكات حقوقية، وتدخلات في المناهج التعليمية والإدارة المحلية، ما جعل كثيرين يرون أن أبو ظبي تسعى لتقسيم اليمن لا دعمه.
View this post on Instagram
الشارع اليمني: أسباب التأييد الشعبي لقرار الطرد
طردت دولة الإمارات في وقت ازدادت فيه ذروة الغضب الشعبي اليمني المتراكم منذ سنوات والذي كان ينفجر على شكل مظاهرات ووقفات احتجاجية داخل البلاد وخارجها، فالدور الإماراتي، الذي بدأ بشعارات الدعم والمساندة، سرعان ما انكشف عن أجندة موازية، قوضت مؤسسات الدولة، ورعت تشكيلات مسلحة خارجة عن القانون، وأسهمت في تفتيت النسيج الوطني.
في وعي الشارع اليمني، لم تعد الإمارات إلا كقوة تخريبية مارست نفوذها عبر أدوات محلية، وفرضت واقعًا أمنيًا مشوهًا في مدن الجنوب، خصوصًا عدن. ومع كل انتهاك موثق وكل سجن سري يكتشف كانت صورة الإمارات تتآكل وتتحول من شريك معلن إلى خصم فعلي في معركة استعادة الدولة.
ابن عدن، المواطن ناصر السقاف يرى أن: “الإمارات استغلت الحرب لتأسيس نفوذ دائم في الجنوب اليمني، مستخدمة أدوات محلية لتمرير أجندتها”، بينما تؤكد نجلاء قاسم أن “القرار تأخر كثيرًا، لكنه يعكس أخيرًا استجابة الشرعية لصوت الشارع الغاضب”.
وعبر السكان اليمنيين عن ارتياحهم بعد انسحاب القوات الإماراتية، معتبرين أن بلادهم استعادت جزءًا من سيادتها، بعد سنوات من تدخلات أبو ظبي التي عطلت التنمية وأثارت التوترات
الوقائع الميدانية
الوجود الإماراتي في اليمن لم يقتصر على الدعم العسكري وامتد إلى تشكيل واقع ميداني جديد قائم على تفكيك مؤسسات الدولة وبناء قوى موازية لها الولاء لأبوظبي.
وبرزت التشكيلات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة كأحد أبرز التحديات التي تواجه مسار استعادة المؤسسات الشرعية، وقد نشأت بدعم خارجي مباشر، وأسهمت في خلق واقع أمني مواز قائم على مراكز نفوذ منفلتة، وسجون سرية، وانتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان. وقد انعكس هذا الوضع الميداني على صورة الدولة اليمنية في المحافل الدولية، وأضعف قدرتها على فرض سيادة القانون ومحاسبة الجناة.
وفي هذا السياق، تتزايد منذ سنوات الدعوات الحقوقية المطالبة بكشف الحقائق ومحاسبة المتورطين، خاصة بعد أن كشفت عدد من المنظمات بينها منظمة سام للحقوق والحريات عن شبكة سجون سرية تديرها تشكيلات محلية مدعومة من دولة الإمارات.
هذه الوقائع، التي وثقتها تقارير أممية ومنظمات دولية سلطت الضوء على الأثر العميق لهذا التدخل على النسيج المؤسسي والأمني في اليمن، ما دفع المنظمة إلى إصدار تصريح حاد اللهجة يدعو لاتخاذ خطوات سيادية حاسمة تجاه هذا الملف، وتحويله إلى ورقة ضغط سياسية ودبلوماسية فاعلة.
View this post on Instagram
وأكد رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، توفيق الحميدي في تصريحه لـ”نون بوست”، على التأثيرات القانونية والسياسية للقضية على المستوى الوطني والدولي وأن الحكومة اليمنية مطالبة بالتحرك بشكل واضح وشفاف لمعالجة الانتهاكات ومساءلة المسؤولين.
وقال رئيس منظمة سام إن كشف المنظمة لشبكة السجون السرية التابعة لقوات محلية مدعومة من دولة الإمارات أدى إلى تأثر صورة الإمارات بشكل كبير محليًا ودوليًا، لافتًا إلى أن تبنّي المنظمات الدولية ولجان التحقيق الأممية لهذا الملف، وإصدارها تقارير متعددة بشأنه، أسهم في تشقق الصورة الأخلاقية للإمارات، وأضعف صورتها كشريك أمني وسياسي في اليمن.
وأضاف أن المجتمع الدولي يتعامل مع هذه الانتهاكات بجدية عالية، استنادًا إلى مبدأ سيادة القانون والمساءلة، خاصة مع تكرار الادعاءات من مصادر متعددة، في ظل مؤشرات على وجود سيطرة فعلية أو دعم أو إشراف أو علم من قبل الإمارات.
وأوضح أن هذا الإرث السيئ منح الحكومة اليمنية ورقة شرعية قوية لاتخاذ قرار طرد الإمارات من اليمن، كما عزز الخطاب الإعلامي والسياسي المناهض لانتهاكاتها، وفتح مسارًا لتوثيق الانتهاكات والتحقيق والمساءلة وإصلاح المؤسسات.كما ذكر أن وقوف الحكومة مع الضحايا، بعد إنهاء النفوذ الإماراتي، يجب أن يُنظر إليه كجزء من استعادة الدولة واحتكارها للقوة، لا كحملة موجهة ضد دولة بعينها.
وفيما يتعلق بآليات تحويل الملف إلى ورقة ضغط سياسية ودبلوماسية فعّالة، شدد رئيس منظمة سام على ضرورة أن تبدأ الحكومة اليمنية بقرار سيادي لتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بصلاحيات دولية، تتولى حصر جميع أماكن الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية ضمن جدول زمني للإغلاق أو التسليم، وإنشاء سجل موحّد للمحتجزين يمنع أي احتجاز خارج الأطر القانونية.
ودعا إلى منح اللجنة صلاحيات الوصول والاستدعاء وحماية الشهود، والعمل على مسارين متوازيين: مساءلة جنائية داخلية للمسؤولين المحليين، وبناء ملف متكامل يثبت مسؤولية الدعم الخارجي عبر أدلة السيطرة والتوجيه والتمويل.
وختم بالقول إن الانتقال من حزمة اتهامات إلى حزمة أدلة موثقة، تشمل النمط وخط القيادة والوثائق والتقارير الطبية والشهادات والقرائن الرقمية، من شأنه تعزيز التحرك الدبلوماسي أمام آليات الأمم المتحدة، وضمان حق أسر الضحايا في المعرفة وجبر الضرر.
ما بعد الطرد: مخاطر الفراغ وإعادة إنتاج النفوذ
قرار طرد الإمارات أعاد الأمل لدى كثير من اليمنيين بإمكانية استعادة الدولة، وبسط سيادتها على كامل التراب الوطني، خاصة في المحافظات الجنوبية والشرقية.
على الأرض، بدأت قوات “درع الوطن” المدعومة من السعودية بالانتشار في مناطق كانت خاضعة للنفوذ الإماراتي، مثل المكلا وسيئون، وصولاً إلى عدن في محاولة لإعادة ترتيب المشهد الأمني.
في المقابل كانت قوات الانتقالي المدعوم إماراتيًا قد انسحبت من المحافظات الشرقية، مقابل ممر آمن، وتسليم السلاح الثقيل، ما اعتبر خطوة أولى نحو تفكيك التشكيلات الموازية.
الصحفي والناشط السياسي عبدالله دوبله والذي تحدث لـ”نون بوست” يرى أن طرد الإمارات من بعض المناطق اليمنية أصبح واقعًا لا رجعة فيه، وأن الكيانات المرتبطة بها صارت جزءًا من الماضي.
وأشار دوبله إلى أن السعودية، بوصفها دولة عظمى، وبفضل التحالفات الإقليمية، قادرة على ملء الفراغ الذي تركته الإمارات، مؤكدًا إمكانية الحصول على دعم إضافي من دول مثل مصر وتركيا وباكستان، والتي تشترك جميعها في هدف الحفاظ على الاستقرار ومنع انزلاق المنطقة نحو الانقسامات وتغلغل النفوذ الإسرائيلي.
وأضاف دوبله مطمئنًا، أنه لا توجد مخاوف من حدوث انفلات أمني، مشيرًا إلى أن الأجهزة الأمنية والعسكرية اليمنية اكتسبت خبرة كافية، وأن الدعم السعودي سيكون كافيًا لإدارة أي تحديات محتملة.
الاختبار الداخلي
تعيش الشرعية اليمنية اليوم لحظة مفصلية، تضعها أمام اختبار حقيقي وبإمكانها أن تنجح في تحويل قرار طرد الإمارات إلى نقطة انطلاق نحو استعادة الدولة.
سياسيًا، قد يعزز القرار من موقع الحكومة أمام المجتمع الدولي، باعتبارها استعادت زمام المبادرة ولبّت مطلبًا شعبيًا طال انتظاره. أما اقتصاديًا، فيتوقع أن يسهم في استعادة السيطرة على الموانئ والمطارات، ما يفتح الباب أمام تحسين الإيرادات وتفعيل مؤسسات الدولة خاصة مع انتزاع المواني والمطارات وخضوعها لسيطرتها مجددا
غير أن هذا التحول لن يكتمل دون مشروع وطني جامع يعيد الثقة بالمؤسسات، ويتجاوز الانقسامات، ويضمن عدم تكرار تجربة التبعية لأي طرف خارجي. فبحسب مواطنين فإن “الشرعية أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف دورها، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية، وخطاب جامع، وشراكة حقيقية مع الشارع”. في المقابل، تلتزم الإمارات الصمت حيال الاتهامات، مكتفية بتأكيد انسحابها “بالتنسيق مع الشركاء”، دون تقديم توضيحات حول مستقبل علاقتها باليمن.
وفي هذا السياق، يرى الصحفي عبدالباسط الشجاع في حديثه لـ”نون بوست” إن هذه المرحلة تمثل نقطة تحول مفصلية ينبغي استثمارها على كافة الأصعدة، مشددًا على أن الفرصة مواتية لإعادة بناء الثقة مع الشارع، الذي فقد الكثير من إيمانه بالمؤسسات نتيجة ضعف الأداء والصراعات داخل مجلس القيادة.
ويضيف الشجاع إن استغلال هذا الزخم الشعبي لا يجب أن يقتصر على الخطابات، بل يجب أن يترجم إلى خطوات عملية ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. ويشمل ذلك، بحسب تصريحه، تحسين الأوضاع الاقتصادية، وعودة كافة أعضاء الحكومة إلى العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، إلى جانب إعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية على أسس وطنية ومهنية خالصة، وإنهاء أي تشكيلات أو ولاءات لا تخضع لوزارتي الدفاع والداخلية.
كما يؤكد أن إصلاح الإطار القانوني المنظم للعلاقات الخارجية يُعد ضرورة ملحة، بما يضمن إخضاع أي اتفاقيات أو شراكات أمنية وعسكرية للرقابة الدستورية والمؤسسية، ويمنع تكرار التجاوزات السابقة.
ويختم الشجاع تصريحه بالتنبيه إلى أن استعادة السيطرة على الموارد السيادية تمثل عنصرًا حاسمًا في تحصين القرار الوطني، مشددًا على أن هذا المسار لا يكتمل دون إصلاح الشرعية من الداخل ومكافحة الفساد، الذي يظل البوابة الأخطر لاختراق السيادة الوطنية.