تزايدت التقارير أخيرا عن احتمال انضمام تركيا إلى اتفاقية دفاع مشترك تجمع المملكة العربية السعودية وباكستان، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تعيد تشكيل موازين القوى الأمنيّة في الشرق الأوسط وخارجه.
وبحسب تقرير لوكالة بلومبرغ، فإن المحادثات بين أنقرة والرياض وإسلام آباد بلغت مراحل متقدمة، والاتفاق النهائي “مرجح جدًا” في ظل توافق متزايد في المصالح الاستراتيجية بين الدول الثلاث.
ووقعت السعودية وباكستان الاتفاقية الدفاعية في سبتمبر/أيلول 2025، وتنص على أن أي عدوان على إحدى الدولتين يُعدّ اعتداءً على الأخرى، في التزام دفاعي جماعي شبيه بتحالفات كبرى كحلف الناتو، وتمهّد الطريق لاصطفاف أمني جديد قد يُغيّر الحسابات الإقليمية التقليدية.
هذا التعهد الدفاعي المتبادل، جاء في سياق إقليمي مضطرب. فقبلها بأيام، نفّذت “إسرائيل” ضربات جوية مفاجئة على الدوحة استهدفت قادة من حركة حماس. كما شهد عام 2025 مواجهة عسكرية خاطفة بين باكستان والهند استمرت أربعة أيام في مايو/أيار، مما أجج المخاوف من تصعيد أوسع بين الجارين النوويين.
ضمن هذه الأجواء، تصاعد قلق دول الخليج حيال موثوقية الولايات المتحدة كحليف أمني، خاصة بعد تردد واشنطن في الرد على هجمات طالت مصالح خليجية في السنوات الأخيرة.
الدوافع المحتملة لتركيا
سعي أنقرة للانضمام إلى هذا التحالف الدفاعي ينبع من جملة اعتبارات إستراتيجية. فتركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة، تشعر بضرورة تحصين أمنها القومي في مرحلة تتزايد فيها الشكوك حول التزام الحلفاء التقليديين.
ويرى محللون أن أنقرة تعتبر الاتفاق منصة لتعزيز قدراتها الردعية في وقت تُثار فيه تساؤلات حول موثوقية الدعم الأمريكي، لا سيما مع وجود إدارة أمريكية تُظهر ترددًا إزاء التزاماتها الأطلسية، وفق بلومبرغ.
كما أن التقارب الدفاعي مع الرياض وإسلام آباد يمنح أنقرة عمقًا استراتيجيًا في محيطها الإسلامي، ويشكل لها ركيزة أمان إضافية إلى جانب مظلة الناتو. كما يتلاقى ذلك مع طموحها في لعب دور قيادي بالعالم الإسلامي.
فالرئيس رجب طيب أردوغان سعى خلال السنوات الأخيرة لترميم علاقات بلاده مع القوى الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها السعودية، بهدف تنويع شراكات تركيا وتعزيز نفوذها الإقليمي.
وبناءً عليه، ترى أنقرة أن الانضمام للتحالف السعودي الباكستاني يحقق مكسبًا مزدوجًا: توثيق العلاقات مع قوتين إسلاميتين كبيرتين، وتوجيه رسالة ضمنية للغرب بأنها تملك بدائل لتعزيز أمنها إذا تراخت الضمانات التقليدية.
من زاوية أخرى، تلتقي مصالح تركيا مع السعودية وباكستان في عدة ملفات إقليمية.
- الحرص على استقرار أفغانستان وعدم انفلات الأوضاع فيها من جديد.
- يشترك الثلاثي في الحذر من تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة.
- موقف سياسي متقارب حيال قضايا مثل دعم حقوق الشعب الفلسطيني.

ماذا تضيف تركيا؟
بالنسبة للسعودية وباكستان، يُمثل انضمام تركيا المحتمل مكسبًا إستراتيجيًا كبيرًا يعزز ثقل تحالفهما الناشئ، فأنقرة تمتلك قدرات عسكرية معتبرة وخبرة عملياتية واسعة ضمن الناتو، إلى جانب قاعدة صناعية دفاعية متطورة باتت تنتج كل شيء من المسيّرات إلى السفن الحربية، وفق تقدير الباحث الإستراتيجي نهاد علي أوزجان، من مركز أبحاث “تيباف” في أنقرة.
ويرى خبراء أن إدخال الجيش التركي المدرب وفق معايير غربية والمتفوّق تقنيًا، سيرفع جاهزية التحالف المشترك ويزيد قدرته على الردع والمناورة.
وقد لخّص أوزجان هذه المعادلة بقوله إن السعودية ستقدّم القوة المالية، وباكستان ستوفّر القدرات النووية والصواريخ والقوات البريّة، في حين تضيف تركيا خبرتها العسكرية وصناعتها الدفاعية المحلية المتطورة.
وبهذا التكامل، يصبح لدى التحالف الثلاثي مزيج نادر يجمع التمويل والردع النووي والتفوق العسكري التقليدي في منظومة واحدة.
على الصعيد السياسي، يحصد السعوديون والباكستانيون أيضًا فوائد مهمة من إشراك تركيا. بالنسبة للرياض:
- يعكس الاتفاق المحتمل صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين اللذان تنافسا لعقود على زعامة العالم السني.
- يدعم الاتفاق المحتمل انخراط السعودية بشكل أكبر في الاستثمار بتركيا ومواصلة التعاون العسكري رفيع المستوى.
- انضمام تركيا للتحالف الدفاعي سيعطي الرياض شريكًا إقليميًا ثقيل الوزن خارج المظلة الأمريكية التقليدية.
- يشكّل التحالف فرصة لتسريع خطط توطين الصناعات العسكرية ضمن رؤية 2030، عبر نقل التقنية وبناء مصانع السلاح محليًا.
أما إسلام آباد، فستستفيد كالتالي:
- تعزيز شرعيتها الدولية عبر التحالف مع تركيا العضو في الناتو، وهو ما قد يكبح أي ضغوط غربية محتملة.
- سيُظهر هذا التحالف مع تركيا أن باكستان ليست منعزلة في ترتيباتها الأمنية.
- وجود تركيا قد يردع الهند عن أي مغامرة عسكرية، إذ ستعلم نيودلهي أن إسلام آباد ليست وحدها بالمواجهة.
- سيعزز التحالف توريد السلاح، حيث أصبحت أنقرة ثاني أكبر مورد لإسلام أباد بحصة 11% من واردات باكستان العسكرية بالسنوات الأخيرة.

تبديل للحلفاء أم تنويع للشراكات؟
يثير هذا التحالف الناشئ تساؤلات حول ما إذا كان بمثابة تنويع لمصادر الدعم الأمني أم مقدمة لاستبدال التحالفات القديمة.
في الواقع، يبدو أنه أقرب إلى استراتيجية تنويع وحشد الشركاء منه إلى فك الارتباط مع الحلفاء التاريخيين، فالسعودية مثلًا ما زالت تُعتبر شريكًا رئيسيًا لواشنطن – وقد بلغت قيمة صفقات التسليح بينها وبين الولايات المتحدة رقمًا قياسيًا عند 142 مليار دولار في مايو 2025.
لكن في الوقت ذاته، تبدي الرياض حرصًا على بناء ترتيبات أمنية موازية تقلل اعتمادها المطلق على المظلة الأمريكية.
لقد أدى تراجع الثقة في رد فعل الولايات المتحدة خلال بعض الأزمات الإقليمية (كالهجمات على منشآت نفطية سعودية عام 2019) إلى قناعة لدى قادة الخليج بأن “الأصدقاء الجدد” قد يكونون ضرورة لضمان الأمن الوطني.
من هنا، يُفسَّر التحالف مع باكستان وتركيا على أنه سعي للتأمين الذاتي وتوزيع الرهانات بدل الارتهان الكامل لحليف خارجي واحد.
تركيا من جهتها تنظر إلى التحالف بثلاثيّة الرياض-إسلام آباد كنقلة نوعية في سياستها الخارجية، لكنها لا تُلوّح به بديلاً لحلف الناتو، فعضوية أنقرة في الناتو حجر الزاوية في استراتيجيتها منذ عقود، بيد أن سياسات واشنطن الأخيرة – وخاصة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب – أظهرت برودًا في الالتزام تجاه الحلف. لذا انتهجت أنقرة نهجًا براغماتيًا بتعزيز علاقاتها الأمنية في فضائها الإقليمي دون أن يعني ذلك التخلي عن الغرب.
ويمكن القول إن تركيا تسعى إلى “أفضل ما في العالمين”: تحالف غربي يربطها بأوروبا وأمريكا عبر الناتو، وتحالف إقليمي إسلامي جديد يربطها بأكبر دولتين إسلاميتين نفوذًا.
وهي مقاربة تمنح صانعي القرار في أنقرة خيارات أوسع وهوامش مناورة أكبر في تعاطيهم مع الأزمات، وتبعث رسالة ضمنية لحلفائها التقليديين بأن تركيا تملك بدائل استراتيجية إذا شعرت بالتهميش داخل المنظومة الغربية.