يُقال في الأمثال الفلسطينية القديمة: “إذا غاب العكوب، العبي يا خبيزة”، ويُقال أيضًا: “الخُبيزة سِت الطناجر، والعكوب شوكه مَلّى الحَناجر”، في إشارة لتوالي المنافسة بين العكوب والخبيزة على المائدة الفلسطينية، وهناك أيضًا البقلة والزعتر البري والميرمية واللوف والقريص والسلق والهندباء وغيرها من النباتات البرية التي تُخرجها الأرض، فتلون بها حياة الفلسطينيين وأذواقهم.
لا يقتصر ذلك على الفلسطينيين وحدهم، بل إن دراسات البستنة العلمية تُشير إلى أن منطقة وادي الشام تتميز بوجود أكثر من 400 نوع من النباتات البرية، التي تُستخدم جذورها وثمارها وأوراقها غذاءً وطبابة من قبل السكان المحليين، وتعود استخداماتها لآلاف السنين، وترتبط بمهنٍ رئيسية كالعطارة والطب البديل والصيد النباتي التقليدي.
وهو ما لم يتوقف رغم التطور والحداثة، بل إن عامي الإبادة الأخيرين في قطاع غزة، أثبتا أن النباتات المنبعثة بين ركام البيوت وفصول الحر والبرد أصبحت بالنسبة للفلسطينيين مصدرًا غذائيًا أساسيًا وربما وحيدًا، في ظل التجويع “الإسرائيلي” الممنهج على سُكان قطاع غزة، ما دفعهم للقول إن “الخبيزة وقفت بجانبهم” خلال الإبادة، بأكثر مما فعلت الدول العربية قاطبة.
مؤخرًا، عادت أخبار هذه الأعشاب والنباتات للتصدر، تحديدًا في الضفة الغربية، لا لاكتشافٍ علمي جديد ارتبط بها، ولكن لتوافق موسمها الأخير مع تصاعد الاستيطان والتغول الاستعماري في جميع جنبات حياة الفلسطيني، بهدف حرمانه من كل شيء وأي شيء.
رغم ذلك، فهذا التغول ليس جديدًا بل تعود ممارسته إلى عقود سابقة، حين وجد الاحتلال أن النباتات البرية جزء من صمود الفلسطينيين ومصدر دخلٍ جيدٍ لهم، فأنتج سلسلة إجراءات وقوانين، بحجة حماية الحياة الطبيعية، تُعاقب وتجرم من يجمع هذه الأعشاب، من يستخدمها، من يبيعها ويتاجر بها، بينما تركت لمصانعها وملوثاتها أن تقتلها، في تكرارٍ لسياسة استعمارية غربية تقليدية، ارتأت أن التحضر يعني حرمان الأرض من أصحابها، وتركها بورًا فقط.
ضبط ضمة زعتر في طريقها للمطبخ الفلسطيني
بعد عقدٍ من الزمن على احتلال الضفة الغربية، وإطلاق الاستيطان بين سفوحها وتلالها، تنبه الاحتلال إلى طبيعة علاقة الفلسطيني بأرضه، وعدم اقتصارها على الزيتون أو مواسم الحصاد، وإنما من خلال اعتبار نباتاتها أساسية دائمًا في الموروث والمطبخ الفلسطيني، ومرتبطة بفصول السنة ومواسمها، وبالهوية الوطنية الفلسطينية التي تحفل قصائدها وأهازيجها وأمثالها بالتغني بالأرض ونباتاتها.
فأطلق عام 1977 سلسلة تشريعات تمنع قطف النباتات البرية، خصت بالذكر الميرمية والزعتر البري وشقائق النعمان والبرقوق، وحدد وزير الزراعة الإسرائيلي حينها، أرئيل شارون، عقوبات تصل للسجن لثلاث سنوات، وغرامات مالية بحق من يخالف التشريعات، فيما امتدت سيطرته على مناطق أوسع منشآً محميات طبيعية يُمنع دخولها، بحجة حماية النباتات البرية من اليد الفلسطينية.
لتتصل جهوده مع سعيٍ سابق للصندوق القومي اليهودي “كيرن كييمت ليسرائيل”، بدأه منذ عام 1901، لإعادة هندسة الطبيعة الفلسطينية، وتغيير وجهها الأخضر، وتهيئتها لتكون أقرب إلى الطبيعة الأوروبية منها إلى الطبيعة الشرقية، بما يلبي رغبة المهاجرين المستوطنين اليهود في بيئة بمواصفات غربية على أرضٍ عربية.
وفقًا لهذه التشريعات فإن “كلّ من يقطف أو يحوز أيّ كمّيّة كانت من النباتات البرية، تقع عليه عقوبات وغرامات كبيرة”، وكان ذلك بالنسبة للفلسطينيين بمثابة نكبة أخرى، لا سيما وأن اعتبار الزعتر البريّ (البلدي) نباتًا محميًا، حرم الفلسطينيين منه، لأن الجبال والوديان كانت المصدر الوحيد له حينها.

اللافت أن المحامي ربيع إغبارية، يذكر في بحثٍ له أن زئيف بن حيروت، ضابط الزراعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة (الضفة والقطاع) استثمر في هذا التشريع، فبدأ بزراعة وتسويق الزعتر في مستوطنة زراعية أقيمت على أراضي قرية صفورية المهجرة في الجليل الفلسطيني، على مساحة بلغت أكثر من 550 دونم، مصرحًا للتلفزيون الإسرائيلي أنه في طريقه لجعل الزعتر “فخرًا قوميًا اسرائيليًا”.
ما يؤكد أن المستهدف في التشريع لم يكن حماية النبات، وإنما إقصاء الفلسطيني ووأد علاقته بأرضه، في الضفة والداخل المحتل، فخلال الفترة ما بين 2004 و2016، وصلت إلى المحاكم الإسرائيلية 40 قضية تتناول قطف وحيازة الزعتر وقضيتي حيازة ميرمية -كأنها حيازة مخدر! -، جميع المتهمين والمتهمات فيها عرب، وهي جزء من حالات ضبط أخرى انتهت بمخالفة مالية دون تقديم لائحة اتهام.
كما أشارت معطيات السلطات الإسرائيلية خلال الفترة ما بين 2010-2016، لمخالفتها 780 شخصًا، تركز معظمهم في منطقة وادي عارة في الضفة الغربية، وحُررت بحقهم غرامات مالية مرتفعة من 750 شيكل -10 آلاف شيكل (ما بين 240 دولار-1800 دولار)، ما يشي بحجم الاستهداف الدقيق لجامعيه من الفلسطينيين.
لم يتوقف ذلك عند حدود الزعتر والميرمية، ففي عام 2005 أدرج نبات العكوب الشوكي ضمن منظومة النباتات المحمية، بالإضافة إلى 257 نوعًا آخر من النباتات البرية، وأُطلقت يد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لملاحقة الفلسطينيين في مواسم القطاف، واعتقالهم، وهي الملاحقة التي اتسع مداها خلال العقد الثاني من الألفية الحديثة.
المثير، أن حظر نبتة العكوب لم يقتصر فقط على الفلسطينيين، بل امتد للسوريين من سُكان الجولان المحتل، الذين اعتادوا تصنيف العكوب باعتباره “نبتة الجولان الأشهى والأشهر”، وأطلقوا له طقوسًا تتناسب مع موسمه الخاص في شهر آذار من كل عام، فيما لم يشمل الحظر مناطق الاستيطان اليهودي، حيث حثت وزارة الزراعة على رعايته لأغراضٍ تجارية.
ثم دعمت جهودها بتنصيب المدارس والتجمعات اليهودية، ومنها مدرستي سديه جولان وحيرمون، حارسة على العكوب، الذي تعتبر استخدام العرب له إهدارًا “لإعداد الأطعمة”، بينما تُروج له وزارة الزراعة كمعالجٍ للكوليسترول، والقولون العصبي، والإمساك المزمن، وكمصدر غني بالألياف والفيتامينات والبوتاس.
لاحقًا، وخلال عام 2007، أصدرت وزارة الزراعة “الكتاب الأحمر” الذي يحوي قائمة حمراء للأنواع النباتية المهددة بالانقراض، وصل تعدادها إلى 414 نوعًا، يتهددها التوسع العمراني والبناء السكاني في المناطق الجبلية والحرجية تحديدًا، وهي السمة المميزة لمواقع البناء الاستيطاني وهندسته.

تشير بيانات سلطة الطبيعة الإسرائيلية إلى أنه في الفترة الواقعة بين 2016 إلى 2018، تم تقديم 26 لائحة اتهام تتعلق بقطف وحيازة أعشاب برية فيمن ينتهك قانون الأعشاب، وتم فرض 151 غرامة، تقدر قيمتها بآلاف الشواكل فيما ترتفع لتصل أحيانًا لعشرات الألوف.
من بين هذه الحالات مرافعة تولاها مركز عدالة الحقوقي عام 2019، للائحة اتهام وُجهت لرجلٍ يبلغ من العمر 70 عامًا، تم القبض عليه وبحوزته 5 كغ من نبات العكوب، حيث أُدين بحيازة قيمة طبيعية محمية، وغُرم بمبلغ 5 آلاف شيكل، رغم استئنافه مؤكدًا أن قطف العكوب عادة تراثية قديمة لم تؤد يومًا إلى تهديد النبات.
لكن الثابت والمؤكد في هذه الممارسة الاستعمارية أنها استهدفت قطع العلاقة بين الفلسطيني وأرضه بالأساس، خاصة عندما اعتمدت المحكمة على أقوال “المتهمين” واستخدمتها أدلة لإدانتهم، مثل قول أحدهم إنه “متمرس على قطف الزعتر منذ طفولته”، وقول الآخر أن “بإمكانه تعبئة كيس كامل بالزعتر خلال 3 دقائق”.
“ألِأنّ الزعتر يقوّي الذاكرة يمنعه المحتلّ عنّا كي نحترف النسيان؟” – سلمان ناطور
منتصف عام 2019، وبعد جهدٍ حقوقي فلسطيني لتأكيد أحقية الفلسطينيين في استخدام النباتات البرية كغذاء ودواء، وتاريخية هذه الممارسة وعدم اقترانها بأي أضرار آنية أو مستقبلية بحق النباتات، أعلنت سلطة حماية البيئة “الإسرائيلية” عن سماحها بقطف العكوب والزعتر والميرمية للاستعمار الذاتي.
وبينما أعلنت أيضًا سلطة حماية الحدائق في وسائل الإعلام عن هذا الاستثناء، إلا أن إلغاء سياسية التجريم أو محو الغرامات السابقة المفروضة لم يتحقق، فيما أقدمت بعدها بشهرين وبإشارة من وزير البيئة لإصدار تعليمات جديدة تسمح بقطف 5 -50 كج، من العكوب ما بين المناطق المحمية والمفتوحة، و200 غم -1.5 كغم للزعتر في المناطق نفسها.
المفارقة أن حالة الابتهاج والحبور التي تلقى بها الفلسطينيون العرب التحديثات الجديدة على سياسة سلطة البيئة، لم تكتمل، فمن ناحية، شهدت مناطق شاسعة من الضفة الغربية خلال الأعوام 2016-2018 انخفاضًا في المساحات التي ينبت بها العكوب والزعتر، بسبب الاستيطان والمصانع “الإسرائيلية”.
حيث أدى توسيع المستوطنات الكبرى، وعمليات التجريف والبناء، وزيادة مساحة المصانع في مناطق متعددة مثل عزبة أبو بصل والمطير وبطن الحمام والمناطق المحيطة بكلٍ من مستوطنة أرئيل، وعوفر، وألون موريه إلى تلاشي المناطق الغنية بنبتة العكوب، وتراجع وجودها في الأودية والجبال الفلسطينية.

مع العلم، أن سياسة السلطات الإسرائيلية تنص على حرمان الفلسطينيين الكامل من دخول مناطق ج التي تمثل 60% من مساحة الضفة الغربية، وتعتبرها مناطق خاضعة لسيادتها يتم إطلاق النار على من يدخلها، بينما يتم التضييق على الفلسطينيين في المناطق “أ” و”ب” بحرمانهم من القطاف.
ومن ناحية أخرى، فما إن أطل موسم القطاف -أو التحويش كما يصفه الفلسطينيون- في آذار 2020، حتى عاد “حُراس الطبيعة الإسرائيليين” لنشاطهم في ملاحقة الفلسطينيين وتجريمهم وتغريمهم واعتقالهم، بل إن إجراءات المنع زادت حدة عامًا بعد آخر، وشملت أشكالًا من العنف الممنهج التي استهدفت وجود الفلسطينيين نفسه.
فخلال الأعوام الأربعة الماضية تكاتف كل من الشرطة والمخابرات وأذرع المستوطنين في محاربة القطاف الفلسطيني، بدءًا باستهداف الأطفال الفلسطينيين وترويعهم وضربهم ومن ثم اعتقالهم خلال قطافهم العكوب في قرى الخليل وبيت لحم عام 2021، ثم استهداف المستوطنين للنسوة والفتيات الفلسطينيات عام 2022 ورشهم برذاذ الفلفل.
خلال العام نفسه أيضًا، استهدف الاحتلال مواطنين لبنانيين خلال انتشارهم لقطاف العكوب في المناطق الشمالية المتاخمة لمزارع شبعا، وفي عام 2024 أطلقت قوات الاحتلال النار على ثلاثة شبان يقطفون العكوب فقتلت واحدًا وأصابت الآخران قبل أن تقوم باعتقالهما، ثم دخلت المخابرات “الإسرائيلية” على الخط مؤخرًا بتوزيعها منشورات تهدد فيها سُكان قرى جنوب الخليل بالاعتقال الفوري إن قاموا بقطاف العكوب، ملوحة بعقوبات مشددة بحق المخالفين.
هذه الضريبة الباهظة على “تحويش” النباتات البرية دفعت الفلسطينيين لابتكار أساليب جديدة تلبي حاجتهم منها، عبر استزراعها في بيوتٍ بلاستيكية وفسائل، وبظروف بيئية مناسبة لإنباتها، فظهرت الميرمية المروية والزعتر المروي والعكوب المستنبت، والتي رغم اختلاف ذائقتها وتراجع لذوعتها مقارنة بالنباتات البرية، إلى أن الحصول عليها أكثر أمانًا وسلامة.
في الواقع، فإن المعضلة الحقيقية في حرب الزعتر والعكوب بين المحتل والفلسطينيين، لم تكن يومًا العلاقة بين مصادر الغذاء الفلسطينية وبين النباتات البرية، أو بين اعتبار الأخيرة مصدر دخلٍ ولو محدود لفلسطيني الأرض، بل كانت وستبقى سعيه المستمر لفصم الفلسطينيين عن أرضهم وتراثهم وثقافتهم، وإنتاج اغترابٍ عميقٍ لهم يوازي اغترابه عن بيئته الأصلية، وينزع أصحاب المكان من حيثما يُريد أن يكون.