ترجمة وتحرير: نون بوست
أصبح اللوبي الإسرائيلي، أو لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك”، مكشوفًا هذه الأيام على نحو غير مسبوق. فقد أصبح اسم “أيباك” كلمة سيئة السمعة بين الديمقراطيين لأنه يرفض انتقاد حكومة بنيامين نتنياهو.
ويرفض كل من حاكم ولاية كاليفورنيا غافين نيوسوم والمرشح لمجلس الشيوخ عن ولاية مين غراهام بلاتنر تلقي تبرعات من “أيباك”. وفي مدينة نيويورك، يخوض مرشحون ديمقراطيون تقدميون الانتخابات التمهيدية ضد عضوين حاليين في الكونغرس، ريتشي توريس ودان غولدمان، ويجعلون من التبرعات التي تلقوها من “أيباك” قضية رئيسية في حملاتهم.
وليس الديمقراطيون وحدهم؛ ففي إعلانها عن الاستقالة من الكونغرس، غرّدت الجمهورية المثيرة للجدل مارجوري تايلور غرين بأنها لا تتلقى أي أموال من “أيباك”، وأنها “تدين الإبادة الجماعية الإسرائيلية”، وذلك على النقيض من دونالد ترامب، الذي تلقّى أكثر من 230 مليون دولار من الأموال المؤيدة لإسرائيل، ويؤيد الإبادة الإسرائيلية بلا حدود.
وتبدو منظمة “جي ستريت” الصهيونية الليبرالية المستفيد الأكبر من هذا التحول. فقد كانت “جي ستريت” تمثل في السابق جناحًا يساريًا أو ليبراليًا داخل المؤسسة الديمقراطية، لكنها اليوم تمثل التيار الوسطي إلى اليميني.
ومع ذلك، تمارس “جي ستريت” ضغوطًا مكثفة لصالح إسرائيل؛ فهي لا تريد للولايات المتحدة أن تخفّض مساعداتها العسكرية لإسرائيل، وتقول إنها تسعى إلى أن “يقع اليهود الشباب في حب إسرائيل” من جديد.
ويُعدّ هذا التموضع محفوفًا بالمخاطر، فهناك اليوم ما يمكن وصف بأنه “حرب داخلية” داخل الحزب الديمقراطي حول إسرائيل، على حدّ تعبير اثنين من الصهاينة الليبراليَّين الذين أقرا بذلك في حلقة حديثة من بودكاست “جي ستريت”.
وتحدث هذه الحرب الداخلية لسبب بسيط: فقاعدة الحزب الديمقراطي تتعاطف مع الفلسطينيين بدرجة تفوق تعاطفها مع الإسرائيليين، بنسبة صادمة تبلغ 60 بالمئة مقابل 12 بالمئة. وبين فئة الشباب ترتفع هذه النسب أكثر، في حين تواصل نخب الحزب التعاطف مع إسرائيل.
ومع ذلك، لا يزال الصهاينة الليبراليون وقيادة الحزب ينظرون إلى الأمور من المنظور الإسرائيلي.
وقد وصف جيريمي بن عامي، زعيم “جي ستريت”، هذه الحرب الداخلية مع القاعدة في البودكاست نفسه. فـ”جي ستريت” ترى غزة من منظور إسرائيلي؛ إذ تختزل ما جرى في غزة بما فعلته حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول. لكن القاعدة الديمقراطية تنظر إلى أفعال إسرائيل خلال الأشهر الـ27 الماضية.
وقال بن عامي: “تعتقد قاعدة الحزب الديمقراطي أن ما حدث للتو في غزة أمر خاطئ، وسواء كان 7 أكتوبر/ تشرين الأول هو أسوأ حدث وقع في حياتنا على الإطلاق أم لا – وهذا صحيح بالنسبة لنا، فهذا هو موقفنا من 7 أكتوبر/ تشرين الأول – فإن كثيرًا من الناخبين الديمقراطيين، وبالتأكيد كثيرًا من أبنائنا من اليهود الشباب، يرون أن ما حدث خلال العامين الماضيين هو أسوأ ما شهدوه من حليف للولايات المتحدة ضد شعب آخر”.
في الواقع، تعكس “جي ستريت” هنا المؤسسة اليهودية اليمينية. فبالنسبة لها لم تكن إبادة جماعية، بل “حرب دفاعية“.
وفيما يلي بعض مواقف “جي ستريت” كما وردت في تصريحات قيادتها:
- ما جرى في غزة كان سيئًا، لكن لا داعي للحديث عنه. غزة أصبحت من الماضي، ويتم تجاهلها ببساطة من مذكرة السياسات الموجهة للرئيس الأمريكي.
- يجب أن تستمر المساعدات العسكرية لإسرائيل، مع الاستعداد لتقليص التمويل المرتبط بانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها المستوطنون في الضفة الغربية.
- الضفة الغربية هي جوهر المشكلة ، لأن احتلالها يشكل عائقًا أمام حل الدولتين، وهو ما يريده المجتمع الدولي، وجوهر رسالة “جي ستريت”.
- عمدة نيويورك زهران ممداني يمثل نسمة هواء جديدة، لكن تصريحاته المناهضة لإسرائيل تذهب بعيدًا أكثر مما ينبغي.
هذا الخطاب يقوم على توازن دقيق؛ فقاعدة الحزب الديمقراطي تريد قطع المساعدات العسكرية عن إسرائيل لأنها ارتكبت إبادة جماعية؛ حيث قُتل عشرات الآلاف من الأطفال وغيرهم من المدنيين، وتحول القطاع بأكمله إلى مكان غير صالح للحياة، وتم تدمير معظم التراث التاريخي والثقافي لغزة تقريبًا.
ويعتقد بن عامي أن المرشحين الديمقراطيين يمكنهم إيجاد صيغة وسطية، وأن الشباب الديمقراطيين واليهود سيتجاوزون شعورهم بالصدمة. فبرأيه، على الديمقراطيين أن يجدوا لغة “تُعبّر عن التعاطف بشكل متساوٍ مع كلا الطرفين”. كما عليهم أن يتراجعوا عن الدعم التلقائي لإسرائيل، وكل تلك البرامج الحزبية التي لم تقل شيئًا عن حق الفلسطينيين في التحرر من الاحتلال.
غير أنه مع ضرورة الابتعاد عن اليسار، فـ”لا تذهبوا بعيدًا إلى القاع”، على حد تعبير إيلان غولدنبرغ من “جي ستريت”، في إشارة إلى معاداة الصهيونية.
وأعتقد أن “جي ستريت” ستنجح على المدى القصير؛ إذ ستفتح مسارًا يتيح للسياسيين الديمقراطيين تلقي تبرعات من اللوبي الإسرائيلي الثري عبر تبني خطاب يقول: أريد قطع المساعدات التي تذهب إلى المستوطنين العنيفين، وأنا أشعر بأسف شديد لما حدث في غزة، ويدعم تشاك شومر وكوري بوكر هذا التوجه.
غير ن خطاب “جي ستريت” هذا شديد الانتهازية بالنسبة لأي يؤمن فعلًا بحقوق الإنسان.
ونشر بن عامي مقالًا الشهر الماضي بعنوان: ماذا علينا أن نفعل لكي نعيد الشباب يحبون إسرائيل من جديد؟ نعم، قرأت ذلك على نحو صحيح. ويقول بن عامي المقال إن علينا التحدث عن “عيوب” إسرائيل، تمامًا كما للولايات المتحدة عيوبًا. ويجب “الإقرار بغزة”، لا بوصف ما جرى فيها إبادة جماعية، بل باعتبار أن إسرائيل تسببت في “معاناة” كبيرة، وأن “عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين قُتلوا”.
غير أنه حتى لو شكك الشباب في “استخدامات القوة” من قبل الدولة اليهودية، يبقى الأمر الحاسم، بحسب بن عامي، هو ألّا يحدث “شرخ” بين اليهود الشباب وإسرائيل.
وهذا موقف شديد الانتهازية، لأن بن عامي لا يستطيع أن يأتي على ذكر الفصل العنصري. فجميع منظمات حقوق الإنسان المرموقة تقول إن إسرائيل تمارس نظام فصل عنصري، أي حرمانًا منهجيًا لغير اليهود من حقوقهم. وحتى لو اعتبر المرء أن أفعال حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول كانت خاطئة على نحو فادح (كما أرى أنا)، فإن المذبحة الجماعية للمدنيين لم تأتِ من فراغ، بل نشأت في سياق نظام الفصل العنصري.
وتحاول “جي ستريت” اليوم إحياء موقفها المؤيد لإسرائيل الذي دأبت عليه طويلًا: “الوضع القائم غير قابل للاستمرار”. ولسنوات، كانت “جي ستريت” تهمس بهذه العبارة كلما وُجه نقد حاد لإسرائيل. نعم، نعلم، الوضع القائم غير قابل للاستمرار، كان هذا ردها المعتاد على قتل المتظاهرين في غزة، أو الرعاة والصحفيين في الضفة الغربية.
إنه موقف انتهازي لأن “جي ستريت” ترفض تمامًا أن تفعل أي شيء حقيقي لتغيير الوضع الراهن سوى التباكي عليه. وقد كانت “جي ستريت” دائمًا ضد حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، وهي الوسيلة السلمية البسيطة التي دعت إليها روزا باركس في مونتغومري عام 1955 لإنهاء الفصل العنصري ضد السود، والتي تبناها نشطاء مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا عام 1959، والتي دعا إليها النشطاء الفلسطينيون قبل 20 عامًا لإنهاء الهيمنة اليهودية في إسرائيل وفلسطين. وقد وصفت “جي ستريت” حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات بأنها معاداة للسامية. وهذا يشبه القول إن روزا باركس تحتج فقط لأنها تكره البيض.
لقد كان الفشل الأخلاقي والسياسي للموقف الصهيوني الليبرالي هو 7 أكتوبر/ تشرين الأول نفسه. فإذا كان شعب ما يتعرض للاضطهاد، وأنت ترفض دعم أي وسائل سلمية لتخفيف معاناته… وإذا كان جيل جديد كامل من جماعة عرقية يُحكم عليه من قبل حكومته بأن يعيش بلا حقوق ولا آفاق… وفي الوقت نفسه تفعل كل ما بوسعك لتطبيع هذا الاضطهاد عبر التهليل لاتفاقيات أبراهام، كما تفعل “جي ستريت”، في تجاهل صارخ للتطلعات الفلسطينية، فما الخيار الذي تتركه للمضطهدين غير العنف؟
الحقيقة أن الصهاينة الليبراليين أسهموا في تهيئة الظروف التي قادت إلى 7 أكتوبر/ تشرين الأول، من خلال إغلاقهم الدائم لأي مقاطعات سلمية بوصفها “معاداة للسامية”، وإظهارهم لامبالاة كاملة تجاه الفلسطينيين الشباب الذين كانت أحلامهم تُخنق يومًا بعد يوم.
لكن… علينا أن نحب إسرائيل من جديد! وعلى جيل آخر من السياسيين أن يدعم إسرائيل دعمًا شبه غير مشروط! وأن “الديمقراطية قيمة يهودية”، كما يقول ملصق “جي ستريت”. في حين أن أي شخص، من زهران ممداني إلى تاكر كارلسون، قادر على رؤية أن هذا الادعاء غير صحيح في الدولة اليهودية.
ويبدو أن “جي ستريت” تُشبه “أيباك” أكثر فأكثر، ولن تتمكّن من إنهاء الحرب الداخلية الدائرة داخل الحزب الديمقراطي.
المصدر: موندويس