أعلنت القيادة المركزية للجيش الأمريكي أن قواتها بدأت عملية جديدة في سوريا لنقل معتقلي تنظيم “داعش” من شمال شرق البلاد إلى العراق، في خطوة أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت حلًا أمنيًا ضروريًا أم مجرد نقل لقنبلة موقوتة.
وبحسب البيان الأمريكي في 21 يناير/كانون الثاني 2026، جرى بالفعل نقل 150 مقاتلًا من عناصر التنظيم المحتجزين في منشأة اعتقال بمدينة الحسكة السورية إلى موقع احتجاز “آمن” في العراق، متحدثًا عن احتمال نقل ما يصل إلى 7 آلاف معتقل من سوريا إلى مرافق تخضع لسيطرة السلطات العراقية في نهاية المطاف.
تأتي هذه الخطوة على وقع تطورات عسكرية وسياسية كبرى في سوريا، تزامنت مع انهيار سريع لسيطرة مليشيات سوريا الديمقراطية (قسد) في بعض مناطق الشمال الشرقي نتيجة صدامها الأخير مع القوات الحكومية في دمشق.
وبينما تؤكد واشنطن أن ترحيل السجناء يهدف إلى ضمان بقائهم في مراكز احتجاز آمنة ومنع أي تهديد أمني مباشر للمنطقة وللولايات المتحدة، يتساءل مراقبون عمّا إذا كان نقلهم سيعالج المشكلة جذريًا أم أنه مجرد ترحيل للخطر إلى بلد آخر دون حل جذوره.
شبكة السجون ومعسكرات الاحتجاز
على مدى سنوات ما بعد دحر تنظيم الدولة عام 2019، تشكّلت في مناطق سيطرة قسد شبكة واسعة من السجون والمعسكرات لاحتجاز عناصر التنظيم وعائلاتهم.
فوفق مصادر صحفية، كانت قسد تحتجز نحو 9 آلاف من مقاتلي التنظيم في أكثر من اثني عشر مركز اعتقال بشمال وشرق سوريا، من بينهم مئات المقاتلين الأجانب الذين رفضت دولهم استعادتهم.
أكبر هذه المنشآت هو سجن غويران في مدينة الحسكة الذي يأوي حوالي 4,500 من معتقلي التنظيم. وبالتوازي، استضاف مخيم الهول الشهير عشرات الآلاف من أفراد عائلات مقاتلي التنظيم، معظمهم نساء وأطفال يعيشون في ظروف صعبة.
بلغ تعداد سكان الهول مؤخرًا نحو 24 ألف شخص – أغلبهم سوريون وعراقيون – بينهم حوالي 6,500 من رعايا أكثر من 40 دولة أخرى يُعتبرون من الموالين المتشددين لتنظيم الدولة ويقبعون في قسم خاص شديد الحراسة داخل المخيم.

هذه السجون والمعسكرات توصف بأنها قنبلة موقوتة تهدد بأزمة أمنية وإنسانية؛ إذ شهدت حوادث عنف متكررة وجرائم قتل داخل المخيمات، فضلًا عن اكتظاظ وظروف معيشية كارثية تنذر بتحولها إلى حاضنة للتطرف إذا استمر احتجاز الآلاف فيها دون حل.
ولم يكن قرار نقل آلاف المعتقلين إلى العراق ليمر دون تفاهمات سياسية وأمنية دقيقة بين بغداد وواشنطن، نظرًا لحساسية العملية وتبعاتها، فمن الجانب العراقي، جاء الموقف الرسمي مؤيدًا بحذر لهذه الخطوة بعد تقييم مستجدات المشهد السوري.
وأعلن مجلس الأمن الوطني العراقي أنه وافق على استقبال “المعتقلين الإرهابيين من حملة الجنسية العراقية وجنسيات أخرى ممن كانوا محتجزين في سجون خاضعة سابقًا لسيطرة قسد”.
وأكد المتحدث باسم القوات المسلحة العراقية صباح النعمان أن هؤلاء المعتقلين من العراقيين والأجانب ممن “تورطوا في إراقة دماء الأبرياء من العراقيين” سيودعون في مؤسسات إصلاحية حكومية (سجون عراقية رسمية).
وقال مجلس القضاء الأعلى في العراق إن جميع المتهمين الذين سينقلون من سوريا خاضعون لسلطة القضاء العراقي، مضيفًا: “سنتخذ إجراءات قضائية بحقهم”.
ويعكس التعاون الحالي تحولًا مهمًا في توازنات العلاقة بين بغداد وواشنطن، إذ يأتي بعد سنوات من المفاوضات والممانعة العراقية في استقبال هذا الكم من عناصر التنظيم، بل والمطالبة برسوم مالية بمليارات الدولارات لتحمل هذه المسؤولية.
أعباء الحراسة وتكاليف الاحتجاز
شكلت تكاليف حراسة وإدارة هذه المرافق عبئًا ثقيلًا على كاهل قسد والداعمين لها. فقد اعتمدت ما تسمى الإدارة الذاتية الكردية كثيرًا على دعم التحالف الدولي في تأمين المخيمات والسجون، سواء بالتمويل أو بالتدريب والمساندة اللوجستية.
وقد صرحت الولايات المتحدة في أكثر من مناسبة أنها لن تستمر في تحمل العبء المالي إلى ما لا نهاية كان آخرها في جلسة لمجلس الأمن مطلع عام 2025.
وقالت القائمة بأعمال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة دوروثي شيا وقتها: “لقد تحملت الولايات المتحدة هذا العبء لفترة طويلة جدًا… في النهاية لا يمكن أن تبقى تلك المخيمات مسؤولية مالية أمريكية مباشرة”، في إشارة إلى مخيمي الهول وروج.
دعت شيا الدول إلى تحمل مسؤولياتها عبر إعادة مواطنيها المحتجزين في تلك المخيمات والسجون.
وكان العراق من أكثر الدول استجابةً لهذا النداء، حيث أعاد أكثر من 10 آلاف من رعاياه من مخيمي الهول وروج خلال السنوات الأخيرة، ضمن برنامج إعادة تأهيل وإدماج تدريجي.
ورغم ذلك، ظل عشرات الآلاف من المعتقلين الأجانب من جنسيات أخرى عالقين في سوريا، في ظل إحجام معظم الحكومات الغربية عن استعادتهم ومحاكمتهم على أراضيها.
وأمام هذا الوضع، استمرت تكاليف الإبقاء على هؤلاء المعتقلين في ازدياد، سواء من حيث الموارد المالية أو المخاطر الأمنية، ما جعل إيجاد مخرج – كاتفاق الترحيل إلى العراق – أمرًا ملحًا من وجهة النظر الأمريكية.
مصير المعسكرات بعد انسحاب قسد
أدت التطورات الميدانية الأخيرة في سوريا إلى تغيير جذري في مصير المعسكرات التي كانت تحت سيطرة قسد، وعلى رأسها مخيم الهول.
فبعد معارك امتدت لأسبوعين بين الجيش السوري وقوات قسد في محافظتي حلب والحسكة، توصّل الطرفان إلى اتفاق هدنة مؤقتة رعته واشنطن أواخر يناير 2026.
وعلى إثره، انسحبت قوات قسد من مخيم الهول وسلمت مهام تأمينه للحكومة السورية. وبالفعل، في 21 يناير أعلنت دمشق دخول وحدات من الجيش والأمن السوري إلى المخيم لتولي المسؤولية بشكل كامل.
هذه الخطوة أنهت سنوات من إدارة المخيم من جانب الإدارة الذاتية الكردية بدعم دولي، لتنقل الملف إلى كنف الدولة السورية التي أكدت نيتها فرض الأمن ومنع الفوضى داخل المخيم.
وقد وصف مسؤولون سوريون مخيم الهول بأنه كان “ورقة ضغط” بيد قسد، متهمين الأخيرة باستغلال وجود عوائل داعش كورقة تفاوض.
لكن تحديات جسيمة تظل ماثلة أمام دمشق في إدارة هذا المخيم المترامي الأطراف، والذي يُعتبره خبراء أحد أخطر التحديات الأمنية في المنطقة نظرًا لتكرار حالات القتل والاختفاء القسري داخله خلال الفترة الماضية.
وتشير تقارير أممية إلى ظروف إنسانية بالغة السوء داخل المخيم، من نقص الخدمات والرعاية الصحية وتعليم الأطفال، مما يجعله بؤرة محتملة لتفريخ جيل جديد من المتطرفين إن لم يُعالج الوضع عبر حلول جذرية.
وليس مخيم الهول وحده ما ينتظر وضوح الرؤية؛ فهناك أيضًا مخيمات أصغر مثل مخيم روج لا تزال تضم مئات العوائل الأجنبية ونحو 2400 – 2600 مقاتل، ويتوقع أن تتعامل معها دمشق بالتنسيق مع الدول المعنية لنقل رعاياها أو إدماجهم محليًا.
أما سجون مقاتلي التنظيم داخل سوريا، فلا تزال غالبيتها تحت سيطرة قسد حتى الآن، وفق تفاهم مؤقت يُبقي المقاتلين رهن احتجاز الأكراد لحين البت في نقلهم تباعًا إلى العراق أو تسليمهم للجيش السوري بموجب اتفاقات لاحقة.
مخاطر الهروب وتجدد التهديد
شهدت الأعوام الأخيرة محاولات خطيرة لهروب جماعي نفذها مقاتلو تنظيم الدولة المحتجزون، مما رسّخ القناعة بأن إبقاءهم في منشآت محدودة الحماية يشكل تهديدًا أمنيًا إقليميًا ودوليًا.
أبرز تلك المحاولات وقع في يناير 2022 عندما شنّ التنظيم هجومًا واسعًا ومنسقًا على سجن غويران بالحسكة في أكبر عملية له منذ انهيار سيطرته الميدانية.
بدأ الهجوم بتفجير سيارة مفخخة وتمرّد من داخل السجن، مما أدى إلى معارك ضارية استمرت عشرة أيام بين مقاتلي التنظيم وحراس السجن تدعمهم قوات قسد بمؤازرة جوية وبرية من التحالف.
أسفرت المعركة عن مقتل ما لا يقل عن 500 شخص من مقاتلي التنظيم والحراس والمدنيين، واستطاع عدة مئات من السجناء الفرار خلال الفوضى.
وعلى الرغم من تمكن قسد لاحقًا من إعادة اعتقال معظم الفارين بدعم أمريكي، فقد دقت الحادثة ناقوس الخطر بشأن قدرة التنظيم على استغلال نقاط الضعف في مراكز الاحتجاز.

يتكرر المشهد مع كل توتر أمني جديد؛ فخلال المواجهات الأخيرة بين الجيش السوري وقسد شمال شرق سوريا مطلع 2026، أفادت مصادر أمريكية بهروب نحو 200 عنصر من مقاتلي داعش من سجن الشدادي مستغلين حالة الفوضى، قبل أن تتمكن القوات الحكومية السورية من إلقاء القبض على العديد منهم مجددًا.
هذه التطورات عززت المخاوف من أن أي انهيار أمني في مناطق الاحتجاز قد يمنح فلول داعش فرصة لإطلاق سراح الآلاف من رفاقهم، تمامًا كما حصل في العراق سابقًا عامي 2012-2013 عندما اقتحم التنظيم سجون أبو غريب والتاجي وأطلق مئات المتطرفين الذين أعادوا إحياء التمرد.
من هذا المنطلق، اعتبر القائد الجديد للقيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر أن نقل معتقلي داعش بشكل منظم وآمن أمر “حاسم لمنع وقوع عملية اختراق أو فرار جماعي من شأنها أن تشكل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة وأمن المنطقة”.
ويبقى السؤال الأهم: هل يحقق ترحيل معتقلي داعش إلى العراق الهدف المنشود في تعزيز الأمن والقضاء على خطر التنظيم المتبقي، أم أنه ينقل المشكلة إلى ساحة جديدة ويؤجل انفجارها لا أكثر؟