ما بدأ في إيران بإضراب تجّار البازار على خلفية التدهور الحاد في قيمة العملة الوطنية، سرعان ما تحوّل إلى شرارة احتجاجات أوسع على الأوضاع الاقتصادية المتردّية، في دولة خرجت لتوّها من حرب هدفت، في أحد أبعادها المركزية، إلى زلزلة ركائز السيطرة الأمنية والعسكرية للنظام، وضرب مشاريعه الاستراتيجية، ولا سيما البرنامج النووي ومنظومة التصنيع العسكري الصاروخي.
هذه الاحتجاجات، التي حظيت بمتابعة دولية غير مسبوقة، أعادت فتح باب التكهنات على مصراعيه حول مستقبل نظام شكّل، على مدى عقود، أحد أعمدة التوازن والاختلال معًا في معادلات الشرق الأوسط؛ لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه، وممرًا رئيسيًا للتوتر حينًا، وللتهدئة حينًا آخر، وفق حسابات المصالح، والنفوذ، ولعبة المحاور التي حكمت الإقليم طويلًا وما تزال.
تأتي هذه التطورات في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، يشهد فيها الشرق الأوسط انتقالًا إلى مستويات جديدة من عدم اليقين، في ظل اندفاعة هجومية إسرائيلية باتت تتصرف بمنطق القوة العارية خارج أي ضوابط سياسية أو قانونية، وإدارة أمريكية تضرب أسس السياسة الخارجية التقليدية عرض الحائط، وتتحرك لإعادة تشكيل ملامح النظام الدولي، دون تردّد في انتهاك الأعراف الدبلوماسية، وصولًا إلى اختطاف رئيس دولة ذات سيادة في سابقة تعكس عمق التحول الجاري.
ضمن هذا المشهد المركّب، تصاعدت الأسئلة حول المصير المحتمل للنظام القائم في إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979، لا سيما مع إصرار أمريكي متزايد على خيار الضربة العسكرية بوصفها أداة لإحداث “زلزال” في بنية الجمهورية الإسلامية، يتقاطع مع دفع إسرائيلي نحو مسار مشابه، وهي فرضيات أعادت إنتاج حالة قلق واضحة داخل الدوائر السياسية في دول الإقليم، خشية أن يفضي أي مسار غير محسوب الكلفة إلى ارتدادات أمنية وجيوسياسية واسعة، لن تكون أي من عواصم المنطقة بمنأى عن تداعياتها.
إطروحات جدية لإسقاط النظام
رغم أن موجات الاحتجاج في إيران ليست جديدة، بل شكّلت سمة متكررة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، فإن النظام الإيراني سبق أن واجه احتجاجات أوسع وأكثر زخمًا وتأثيرًا، دون أن تتحول أيٌّ منها إلى طرحٍ جدي لإسقاطه. من “الحركة الخضراء” عام 2009، مرورًا بـ”نوفمبر الدامي” عام 2019، وصولًا إلى احتجاجات “امرأة، حياة، حرية” عام 2022، نجحت السلطات في احتواء تلك الهزّات، رغم كلفتها السياسية والأمنية، دون بلوغ مستوى التهديد الوجودي.
الجديد في الموجة الراهنة لا يكمن في حجم الاحتجاجات وحدها، بل في السياق المركّب الذي نشأت فيه، والمتشابك مع تصعيد عسكري وسياسي خارجي غير مسبوق، فقد تزامن الحراك الداخلي مع حشد إسرائيلي متواصل لإمكانية توجيه ضربة جديدة لإيران، تستهدف منعها من استكمال تطوير برنامجها الصاروخي البالستي وإعادة ترميم منشآتها النووية التي تضررت خلال حرب “الاثني عشر يومًا”، وهو تهديد لم يبقَ في الإطار الإسرائيلي، بل حظي بدعم علني من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مواقف مشتركة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

تعزّز هذا المناخ بحدثٍ نوعي سبق ذروة الاحتجاجات بأيام، تمثّل في العملية الأمريكية التي أفضت إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، في سابقة شكّلت خرقًا صارخًا لمفاهيم السيادة والحصانة، وأنتجت تغييرًا سريعًا في موازين التدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية، مما أسهم في ترسيخ قناعة داخل الإدارة الأمريكية بإمكانية فرض وقائع سياسية وأمنية بالقوة، دون التقيد بالضوابط التقليدية للعلاقات الدولية.
في هذا السياق، برز لأول مرة خطاب أمريكي يجمع بوضوح بين تشجيع المتظاهرين الإيرانيين والتهديد المباشر للحكومة في طهران، حيث لوّح ترامب باستهداف البرنامج النووي والمنشآت الصاروخية إذا رأت واشنطن أن إيران تمضي في مسار يهدد الأمن الإقليمي والدولي. ومع مرور الوقت، تدحرج هذا الخطاب من إطار الردع إلى التعبير الصريح عن الرغبة في تغيير القيادة، إذ قال ترامب في تصريحات لمجلة بوليتيكو إن “الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران”.
وعلى الأرضية ذاتها، نقلت وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين أن الرئيس يضغط لتقديم خيارات عسكرية “حاسمة” ضد إيران، بالتزامن مع إرسال تعزيزات عسكرية إلى الشرق الأوسط، في مسار يتجاوز الردع التقليدي إلى التفكير الجدي بإسقاط النظام.
في “إسرائيل”، لم يكن هذا التوجه بعيدًا، إذ صدرت مواقف علنية داعمة لتغيير النظام، عبّر فيها نتنياهو عن أمله في “تحرر الشعب الفارسي من الاستبداد”، فيما أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر دعم بلاده لما وصفه بـ”نضال الشعب الإيراني من أجل الحرية”، معتبرًا أن المشكلة تكمن في النظام لا في الشعب.
وبينما يُعدّ الموقف الإسرائيلي امتدادًا طبيعيًا لعداء تاريخي ومعادلات اشتباك قائمة، فإن التحول الأخطر يتمثّل في وضوح الموقف الأمريكي وإقرانه بخيارات عسكرية عملية. وهو ما ينقل مسألة إسقاط النظام الإيراني من خانة الاحتمال النظري أو الرغبة السياسية، إلى خانة الطرح الجدي المطروح على طاولة القرار الدولي، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر وتداعيات إقليمية مفتوحة.
حساسية إقليمية غير مسبوقة
في المقابل، لم تتلقَّ دول الإقليم هذه التطورات على قاعدة الارتياح، ولا حتى وفق سياسة النأي بالنفس التقليدية، بل تعاملت معها بدرجة عالية من الحساسية واليقظة، دفعت كلًّا من دول الخليج وتركيا إلى رفع مستوى الانتباه تجاه ما يجري، سواء على مستوى الاحتجاجات داخل إيران نفسها، أو إزاء التهديدات والحشود العسكرية الأمريكية المتزايدة في المنطقة.
في هذا السياق، عبّرت تركيا عن موقف حذر ومتوازن، إذ قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في تصريحات صحفية إن الاحتجاجات القائمة “نابعة من أسباب حقيقية ومشكلات هيكلية”، لكنه حذّر في الوقت ذاته من أن “خصوم إيران في الخارج يتلاعبون بها”، مضيفًا أن بلاده تسعى إلى دعم مسار تفاهم مع طهران “يفيد الطرفين”، مشددًا على أن استقرار المنطقة يعتمد، في جوهره، على هذا المسار. كما أكد فيدان أن أنقرة “لا تتهاون مع احتمال استخدام العنف ضد إيران”، وفق ما نقلته رويترز.
ولم يخرج موقف الحزب الحاكم التركي عن هذا الإطار، إذ قال عمر جليك، المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم، إن تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، لا ترغب في رؤية تفشي الفوضى في إيران، رغم وجود “مشكلات داخل المجتمع والحكومة”. وأضاف أن هذه المشكلات، كما أشار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ينبغي أن تُحل عبر التفاعلات الداخلية والإرادة الوطنية الإيرانية، محذرًا من أن أي تدخل أجنبي، ولا سيما التدخل الإسرائيلي، سيقود إلى عواقب أسوأ وأزمات أوسع نطاقًا.
غير أن اللافت على نحو أكبر، كان المنحى الذي اتخذته المواقف الخليجية، والتي تجاوزت في حدّتها ووضوحها الأطر المعتادة، سواء في العلن أو خلف الكواليس، رغم تاريخ طويل من الشحن السلبي والتوتر المتبادل مع طهران، فوفق مصادر صحفية غربية، لعب الموقف الخليجي دورًا محوريًا في تأجيل ضربة أمريكية كانت، بحسب التقديرات، قاب قوسين أو أدنى، قبل أن تُرجأ لاعتبارات متعددة شكّل هذا الموقف أحد عناصرها الأساسية.
– سجلت أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا مع صعود خام برنت بنسبة 0.7% ليصل إلى 62.42 دولارًا، بينما ارتفع خام غرب تكساس إلى 58.17 دولارًا للبرميل.
– تسيطر المخاوف الجيوسياسية على الأسواق مع قلق المستثمرين من تعطل الإمدادات الإيرانية نتيجة تصاعد الاحتجاجات، تزامناً مع استمرار حالة… pic.twitter.com/2JC7xvBobf
— نون بوست (@NoonPost) January 10, 2026
وفي هذا الإطار، كشفت وول ستريت جورنال أن السعودية تقود جبهة خليجية تضم قطر وسلطنة عُمان، بهدف ثني البيت الأبيض عن توجيه ضربة لإيران. ووفق الصحيفة، أبلغت هذه الدول الإدارة الأمريكية أن أي محاولة للإطاحة بالنظام الإيراني ستقود إلى زعزعة أسواق النفط العالمية، وستنعكس في نهاية المطاف سلبًا على الاقتصاد الأمريكي نفسه.
كما نقلت الصحيفة عن مسؤولين سعوديين أنهم أبلغوا طهران اعتزامهم النأي بأنفسهم عن أي صراع محتمل، ورفضهم السماح باستخدام مجالهم الجوي لشن هجمات أمريكية، في مسعى واضح لتجنّب التورط في مواجهة مفتوحة. وبحسب التقرير، حذّرت دول خليجية واشنطن من مغبة الذهاب نحو تغيير النظام في إيران، فيما أكد مسؤول سعودي أن الاستقرار الإقليمي يشكّل أولوية قصوى لولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
من جانبه، ردّ رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني على التقارير الغربية، على هامش مشاركته في منتدى دافوس، مؤكدًا أن المنطقة تمر بمرحلة توتر عالية، وأن بلاده لا ترغب في رؤية مزيد من التصعيد، مشيرًا إلى أن الدوحة نصحت واشنطن بالعودة إلى المسار الدبلوماسي في التعامل مع الملف النووي الإيراني.
ورغم التزام بقية الدول الخليجية الصمت العلني، إلا أن المؤشرات كافة توحي بأنها لا تبدي حماسة تجاه المخاطرة الأمريكية بتوجيه ضربة واسعة النطاق، تهدف عمليًا إلى دفع مؤسسات النظام الإيراني نحو الانهيار، دون وجود تصور واضح لمرحلة ما بعده، أو إجابة مقنعة عن مآلات الفوضى المحتملة، وانعكاساتها المباشرة على أمن واستقرار الإقليم برمّته.
زلزال جيوسياسي في الإقليم
يمثّل احتمال سقوط النظام الإيراني تحوّلًا جيواستراتيجيًا بالغ العمق، لا يقل في تأثيره عن لحظة تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، حين غادرت إيران المظلّة الأمريكية وانتقلت من موقع “الحليف الركني” للغرب إلى لاعب ثوري مناهض لمنظومة الهيمنة الغربية في الشرق الأوسط.
ذلك التحول أعاد حينها تشكيل الخريطة السياسية والأمنية للإقليم، وأنتج منظومة اصطفافات جديدة، وحروبًا ممتدة، وصراعات غير متماثلة، اعتمدت فيها طهران على أداة “تصدير الثورة” بوصفها رافعة نفوذ إقليمي، من خلال بناء شبكات سياسية عسكرية داخل عدد من الدول العربية، مكّنتها لاحقًا من التأثير المباشر، وأحيانًا التحكم، في مسارات القرار داخل عواصم عربية عدّة.
في المقابل، فإن انهيار هذا النظام، إذا ما تم بصورة مفاجئة أو عنيفة، لا يُنتج بالضرورة فراغًا سياسيًا قابلًا للإدارة، بل يُرجّح أن يفتح الباب أمام حالة فوضى مركّبة ذات أبعاد أمنية وإثنية ومذهبية شديدة التعقيد، إذ يبرز خطر تفكك السلطة المركزية، وانتشار السلاح، واحتمالات تسرّب مواد حسّاسة، بما في ذلك اليورانيوم المخصّب، إلى جهات غير دولية، في سيناريو يُعيد إلى الأذهان نماذج انهيار الدولة في العراق وليبيا، ولكن على نطاق أشد خطورة بحكم الموقع الجغرافي لإيران وثقلها الديمغرافي والعسكري.
يندرج تفضيل العواصم الخليجية لبقاء النظام الإيراني ضمن منطق “إدارة المخاطر”، فالنظام القائم، بقدر ما هو إشكالي ومُزعزع في سلوكه، يظل قابلًا للفهم والتوقع، وقادرًا – ولو جزئيًا – على ضبط سلوك وكلائه الإقليميين ضمن معادلات معروفة
إقليميًا، ستكون التداعيات فورية ومتشابكة، فتركيا ستتعامل مع أي حراك كردي داخل إيران بوصفه تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، خشية انتقال العدوى القومية إلى جنوب شرقها، بما يعيد إشعال ملف الأكراد على طول الحدود التركية الإيرانية. وفي الاتجاه الجنوبي، ستراقب دول الخليج تطورات الأوضاع في إقليم خوزستان الغني بالطاقة، والذي يضم جالية عربية واسعة عانت تاريخيًا من التهميش، حيث قد تتحول أي مطالب بالحكم الذاتي أو الانفصال إلى فرصة جيوسياسية محفوفة بالمخاطر، لما قد تجرّه من صراعات حدودية وتدخلات خارجية.
أما باكستان، فستجد نفسها أمام تحديات متفاقمة في إقليم بلوشستان، حيث يمتد البلوش عبر الحدود الإيرانية الباكستانية، ما يجعل أي انهيار في طهران عاملًا محفّزًا للقومية البلوشية، ويزيد من حدة التمرد القائم أصلًا. وعلى الضفة الشمالية، قد تسعى أذربيجان إلى توسيع نفوذها، استنادًا إلى وجود كتلة سكانية أذرية كبيرة داخل إيران، بما ينذر بتوترات عرقية عابرة للحدود، في حال غياب عملية انتقال سياسي مُدارة.
دوليًا، سيُحدث انهيار النظام الإيراني اختلالًا واضحًا في توازنات القوى الكبرى، فروسيا ستفقد شريكًا وظيفيًا أسهم لسنوات في موازنة النفوذ الغربي في الشرق الأوسط، بينما ستواجه الصين مأزقًا استراتيجيًا حقيقيًا، نظرًا إلى موقع إيران المحوري في مبادرة “الحزام والطريق” وأهميتها في معادلة أمن الطاقة الصينية. وأي فوضى طويلة الأمد ستجبر بكين على إعادة حساباتها بسرعة، وربما البحث عن بدائل أقل استقرارًا وأكثر كلفة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الرعاية الصينية للمصالحة السعودية الإيرانية عام 2023 عن الحاجة الصينية الملحّة إلى بيئة إقليمية أكثر انسجامًا واستقرارًا، بما يحفظ مشروعها الاستراتيجي الهادف إلى إحداث انتقال نوعي في موقع الصين ضمن موازين النفوذ العالمية، ويؤمّن مسارات الطاقة والتجارة بعيدًا عن نقاط الاختناق والصراع.
بالتوازي، تتضح مقاربة دول الخليج القائمة على الحذر الشديد، فعلى مدار العقدين الماضيين، استثمرت هذه الدول في بناء نماذج اقتصادية متنوّعة تتجاوز الاعتماد على النفط، وسعت إلى ترسيخ أدوارها كوسطاء إقليميين ودوليين، وهي استثمارات تبقى هشّة أمام أي اهتزاز كبير في الاستقرار الإقليمي.
وبالتالي، لا يُنظر إلى سقوط النظام الإيراني بوصفه “فرصة”، بقدر ما يُنظر إليه كخطر استراتيجي غير محسوب، قد يدفع طهران، في لحظات شعورها بالتهديد الوجودي، إلى خيارات يمكن وصفها بالانتحارية، مثل إغلاق مضيق هرمز، بما يحمله ذلك من تداعيات كارثية على أسواق الطاقة العالمية.
وعليه، فإن الموقف الخليجي الساعي إلى منع التصعيد العسكري، بالتوازي مع الحفاظ على قنوات التواصل مع طهران، يعكس إدراكًا عميقًا بأن الأوضاع التي جرى رسم ملامح إدارة التوتر فيها، رغم هشاشتها، تظل أقل خطورة من فوضى نظام جديد غير واضح المعالم. وفي الوقت ذاته، تحافظ هذه العواصم على تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن، مع إدراكها أن أي صدام مباشر مع إيران، أو انهيار غير مُدار للنظام فيها، قد يُغرق الإقليم بأسره في أزمة تاريخية تتجاوز حدود القدرة على الاحتواء.
إسرائيل في الخلفية
لا يمكن فصل المواقف الإقليمية الراهنة عن التطورات المتحركة والمتسارعة في بنية الإقليم، أو اختزالها في أبعادها الجيوسياسية التاريخية وحدها، خصوصًا في ظل مسار تصاعدي لم يتوقف عند حدود حرب الإبادة في قطاع غزة، بكل ما حملته من مؤشرات خطيرة على مستوى قواعد الاشتباك وحدود استخدام القوة.
فالعدوان الإسرائيلي لم يعد محصورًا في كونه موجهًا ضد الشعب الفلسطيني، بل أخذ يتدحرج باتجاه عدوان إقليمي واسع، شمل لبنان ضمن سياق تصعيد مستمر لم يتوقف، وامتد إلى سوريا، وصولًا إلى حرب الأيام الاثني عشر مع إيران. هذا المسار التصاعدي ترافق مع إعادة احتلال إسرائيل لأراضٍ عربية في الجنوبين اللبناني والسوري، واستثمار سياسي وأمني واضح في ملف الأقليات، عبر إثارة النزعات الانفصالية، التي لم تتوقف عند الدروز، بل شملت تعزيز قنوات الاتصال مع الأكراد في سوريا.
وفي بعدٍ جيوسياسي أكثر اتساعًا، برز الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال كخطوة تحمل دلالات استراتيجية خطيرة، تتجاوز بعدها الرمزي، إلى محاولة تطويق خليج عدن عند تخوم الممر المؤدي إلى باب المندب والبحر الأحمر؛ وهي جغرافيا تتقاطع فيها الحرب في اليمن، واضطرابات السودان، والتنافس الإثيوبي الصومالي، إلى جانب تهديدات عابرة للحدود، ما يجعل الحضور الإسرائيلي فيها عامل تفجير إضافي لتوازنات هشة أصلًا.
View this post on Instagram
غير أن ذروة القلق الخليجي تجلّت مع الغارة الإسرائيلية على الدوحة، التي مثّلت، في تقدير عواصم المنطقة، لحظة كاشفة لانفلات غير مسبوق في السلوك الإسرائيلي، فقد بدا الهجوم بمثابة إعلان عملي لتجاوز كل محددات الاشتباك المعروفة، وصولًا إلى استهداف مباشر لعاصمة دولة خليجية تُعد حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة وشريكًا أمنيًا غير عضو في حلف شمال الأطلسي.
في هذا السياق، نشرت الغارديان مقالًا لمديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، الباحثة سنام فاكيل، بعنوان لافت: “حلّت إسرائيل محل إيران كأكبر تهديد أمني لدول الخليج”. وفي خلاصته، تشير فاكيل إلى أن جرأة التصرفات الإسرائيلية تتزايد في ظل وقوف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي، معتبرة أن الهجوم على الدوحة شكّل علامة فارقة في هذا المسار.
وتوضح الكاتبة أن استهداف عاصمة قطر لم يكن مجرد عملية اغتيال لقيادات في حركة حماس، بل مثّل تحوّلًا نوعيًا في إدراك التهديد، إذ لم تعد الدول العربية ترى إيران بوصفها العامل الوحيد لزعزعة الاستقرار، بل باتت تنظر إلى إسرائيل باعتبارها مصدرًا مباشرًا لعدم الاستقرار الإقليمي.
وعلى مدى عقود، عرّفت دول الخليج أمنها الإقليمي من منظور الخطر الإيراني، المرتبط بالبرنامج النووي، ودعم الحلفاء الإقليميين، والقدرة على توجيه ضربات مباشرة، كما حدث في هجمات 2019 على منشآت أرامكو السعودية.
غير أن أحداث العامين الماضيين، وفق المقال، أعادت صياغة هذا الإدراك، فالحملات الإسرائيلية غير المنضبطة في غزة، وتصعيد العمليات في الضفة الغربية، والتصعيد المستمر في لبنان وسوريا، وصولًا إلى الدوحة، دفعت عواصم عربية إلى استنتاج مفاده أن إسرائيل باتت تشكّل التهديد الأكبر لاستقرار المنطقة، في حين أصبحت اعتداءات إيران، رغم خطورتها، مألوفة إلى حدّ كبير، ويمكن توقّعها وإدارتها ضمن معادلات معروفة، بل وربما جرى تضخيم تقدير نفوذها في بعض المراحل.
وتخلص فاكيل إلى أن حكّام الخليج يمضون قدمًا في مسار البحث عن استقلالية استراتيجية أكبر، والتحوّط من مخاطر الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. وقد يُثبت الهجوم على الدوحة، في هذا السياق، أنه لحظة فاصلة تُبلور الشعور بأن النظام الإقليمي التقليدي آخذ في التفكك، وأن سيادة الشركاء باتت تُضحّى بها، في كثير من الأحيان، تحت عنوان الأمن.
“إدارة المخاطر” أسلم من المجهول
وفقًا لهذه المعطيات، تتأسس المقاربة الإقليمية تجاه ما يجري على جملة اعتبارات جوهرية، في مقدمتها الحفاظ على المصالح الحيوية وضمان الحد الأدنى من الاستقرار، وتجنّب الانزلاق إلى مفاجآت استراتيجية قد تنتج عن حدث متدحرج وغير محسوب.
فسيناريو الضغط الأقصى أو الانهيار المفاجئ قد يدفع إيران إلى منطق “صفرية الحسابات”، واتخاذ إجراءات عدوانية يصعب تقدير دوائر تأثيرها، أو قد يُفضي، في حال السقوط غير المُدار، إلى فراغ سياسي وأمني يخلق طبقات جديدة من التوتر في إقليم يعاني أصلًا من هشاشة بنيوية وتراكُم أزمات مفتوحة.
تبعًا لذلك، يندرج تفضيل العواصم الخليجية لبقاء النظام الإيراني، رغم عدوانيته ومشكلاته البنيوية، ضمن منطق “إدارة المخاطر” لا منطق التحالف أو الرضا السياسي، فالنظام القائم، بقدر ما هو إشكالي ومُزعزع في سلوكه، يظل قابلًا للفهم والتوقع، وقادرًا – ولو جزئيًا – على ضبط سلوك وكلائه الإقليميين ضمن معادلات معروفة.
أما انهياره، فيحمل في طياته احتمال إطلاق العنان لميليشيات غير مركزية، تتحول من أدوات نفوذ إلى جماعات منفلتة، وتفتح الباب أمام كانتونات عرقية ومذهبية متصارعة، ونزوح واسع النطاق، وأزمات إنسانية وأمنية عابرة للحدود.
وفي بعدٍ آخر لا يقل أهمية، ورغم التوتر التاريخي العميق بين إيران وجيرانها، فإن إعادة توزيع النفوذ الإقليمي على أنقاض تراجع الدور الإيراني تظل مسألة شديدة التعقيد، فليس من المسلّم به أن سقوط النظام سيُنتج توازنًا بديلًا أكثر استقرارًا، بل قد يفضي، على العكس، إلى فراغ يسمح لـ”إسرائيل” بتكريس هيمنة شبه مطلقة على الإقليم، بما يقضي على أي شكل من أشكال التوازن النسبي، وهو سيناريو لا يخدم الطموحات الإقليمية لكلٍّ من تركيا والسعودية في وراثة جزء من مساحة النفوذ الإيراني، أو تعزيز أدوارهما كلاعبين مركزيين في الشرق الأوسط.
وعليه، فإن تفضيل إدارة التوتر، بكل ما يحمله من كلفة سياسية وأمنية، يبقى – في الحسابات الإقليمية – أقل خطورة من القفز في المجهول، حيث لا ضمانات لمسار الأحداث، ولا قدرة حقيقية على احتواء تداعيات انهيار دولة بحجم إيران وثقلها الجيوسياسي.