“يا صهيوني لِم جيوشك، بكرة شبابر الثورة يدوسك. بنرددها جيل ورا جيل، بنعاديكي يا إسرائيل”. بهذه الكلمات صدحت أصوات المتظاهرين في قلب ميدان التحرير في يناير/ كانون الثاني 2011، عندما كسر المصريون حاجز الخوف، وعلت هتافاتهم دعمًا لفلسطين حتى وصل صداها تل أبيب، بعد أن كانت أصواتهم مكتومة تحت نظام مبارك، ليؤكدوا صحة ما توافق عليه العقل الجمعي المصري من أن العدو الأول لهم هو “إسرائيل”.
بعد 15 عامًا من الثورة التي أعادت للمصريين كبريائهم المفقود، ومنحتهم الحرية لأول مرة منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد في التعبير عن غضبهم من الاحتلال الإسرائيلي دون أن يكلفهم ذلك عناء الاعتقال أو المطاردة الأمنية، تحظى دولة الاحتلال اليوم بكنز استراتيجي جديد أعادت من خلاله كل ما أفقدته إياها الثورة بل وأكثر، لكنها حتى اليوم لا زالت تفقد التطبيع الشعبي ما يشكل خطرًا عليها، إذا سقط حليفها من الكرسي يومًا ما.
الثورة التي أرعبت “إسرائيل”
على مدار 30 عامًا، وجدت “إسرائيل” في الرئيس المخلوع حسني مبارك كنزًا استراتيجيًا، وتدرجت علاقاتها في عهده من تطبيع خلف الأبواب المغلقة وفي دوائر ضيقة، إلى تطبيع اقتصادي قاده رجل الأعمال حسين سالم، المالك لشركة غاز شرق المتوسط، عبر مشروع تصدير الغاز المصري لـ”إسرائيل” بسعر زهيد، فضلاً عن منح الاحتلال استقرارًا أمنيًا، وتخاذل مبارك تجاه القضية الفلسطينية.
لذلك، لم تكن الثورة المصرية صدمة ثقيلة على مبارك ونظامه فقط، لكنها أيضًا وعلى نفس المسافة، كانت صادمة للمجتمع الإسرائيلي ودولة الاحتلال، التي فقدت بسقوط مبارك حارس أمنها وحامي مصالحها الاستراتيجية، فسارعت لإقناع أمريكا والدول الغربية بعدم التخلي عنه ودعمه حتى آخر لحظة، عبر الترويج لسيناريو الفوضى والنموذج الإيراني.

في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، وُصفت الثورة بأنها “كابوس للاستخبارات الإسرائيلية”، بعدما جاءت خارج حسابات الموساد والشاباك وأمان، ما عزّز اطمئنان الطبقة السياسية في تل أبيب على معاهدتها للسلام مع القاهرة. واستدلت الصحيفة على ذلك بحديث رئيس الاستخبارات العسكرية الجديد آنذاك، اللواء أفيف كوخافي، أمام لجنة الخارجية والدفاع في الكنيست عن استقرار النظام المصري، مشيرًا إلى عدم استعداد جماعة الإخوان المسلمين لتولي السلطة لافتقارها إلى التنظيم الكافي لتوحيد صفوفها.
لكن الشارع المصري خان نبوءة الجنرال الإسرائيلي، ونجح في فرض إرادة التغيير، فكان الاحتلال أول المتضررين من احتمالية تشكل نظام ديمقراطي في أكبر دولة عربية، حيث فشلت الدولة العبرية على مدار نحو 50 عامًا في اختراق المجتمع المصري وفرض التطبيع، فهي تعرف جيدًا أن أي رئيس منتخب سيحرص على الابتعاد عنها إرضاء لشعبه.
ولم يغفل شباب الثورة – الذين وُلدوا وتشكَّل وعيهم في مرحلة ما سمي بـ”السلام مع اسرائيل” – عن القضية الفلسطينية يومًا، إذ بقيت حاضرة في وجدانهم وشعاراتهم، لترى “إسرائيل” سريعًا أن الثورة في مصر تستهدف إقامة نظام حكم يعكس إرادة شعبية لا تنسجم مع سياساتها تجاه العرب.
أما الحراك الجماهيري في دول عربية أخرى الذي أفقد “إسرائيل” شيئًا من عمقها الاستراتيجي المبني على خلافات العرب وغياب وحدة الصف والقرار، فرأت فيه خطرًا قادمًا من كل الاتجاهات قد يقود إلى تراجع رهانها التقليدي على تشرذم الصف العربي في تمرير سياساتها والتأثير في القرار الدولي.
وكان للثورة المصرية أبعادًا اقتصادية مقلقة أيضًا لـ”إسرائيل”، في ظل مخاوف من تغيّر سياسات القاهرة، سواء بإعادة تقييد مرور السفن الإسرائيلية المحملة بالصواريخ عبر قناة السويس، أو بتقارب محتمل بين أي سلطة جديدة في مصر وحركة حماس في قطاع غزة، وهي سيناريوهات لم تتخيل “إسرائيل” نفسها أن تكون مضطرة يومًا للإجابة عنها.
هذه المخاوف تجَّت بوضوح في حالة الهستيريا التي أصابت حكومة الاحتلال، وما انفكت تلازم قادتها، حيث كان وصف نتنياهو الثورة بأنها “زلزال يهزّ أنظمة الحكم القائمة، ويهدّد بنشوء واقع مغاير وشرق أوسط جديد”، يُلْمح إلى قلق إسرائيلي متنامٍ من أن تعود مصر إلى دورها الريادي كمحرك سياسي وثقافي للعالم العربي بعد أن كانت أسيرة اتفاقية كامب ديفيد التي أخرجتها من معادلة الصراع، وهو ما يفسر التحريض الإسرائيلي على الثورة، وتعليق مخاوفها على فزاعة استيلاء الإخوان المسلمين على السلطة.
مثل هذه الفرضيات انعكست على اجتماعات قادة الاحتلال التي أفضت إلى إعادة النظر في تشكيل ألوية فُككت بعد اتفاقية كامب ديفيد وانتشاره الجيش على الحدود، لا سيما مع مصر وغزة، وهو موقف وجد ترجمته بطلب وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك زيادة حجم المساعدات الأمريكية بنحو 20 مليار دولار للتعامل مع هذه المتغيرات، لكنه عاد وأبدى ارتياحه عقب تلقي تطمينات من المؤسسة العسكرية المصرية، عبر قنوات التواصل المتمثلة في المخابرات الحربية التي كان يرأسها آنذاك عبد الفتاح السيسي.
منذ هذه اللحظة، شرعت “إسرائيل” في البحث عن سبل لوقف التحول الذي هدد سنوات طويلة من البناء مع نظام مبارك، لكنها ارتكبت خطًأ لم تحسب عواقبه جيدًا عندما قتلت طائرات إسرائيلية 5 عسكريين مصريين في سيناء في خريف عام الثورة، زاعمةً أن الحادثة لم تكن مقصودة. ومع ذلك، كانت هذه الحادثة بالنسبة لجماهير ثورة يناير تحديًا سافرًا لسيادة مصر وكرامتها، وتستوجب ردًا عاجلاً وحازمًا.
لا يمكن فهم رد الفعل المصري رسميًا وشعبيًا على هذه الحادثة التي انفجرت على حين غرة على الحدود إلا في سياق مرحلة مصر ما بعد الثورة، التي سعى أصحابها لتكون بمثابة قطيعة مع الماضي في الداخل والخارج، لذا شكَّلت هذه الحادثة فرصة لمعرفة مدى التغيير الذي أحدثته الثورة، وأخرى لفهم مدى استعاب “إسرائيل” أن مصر لم تعد كما كانت قبل رحيل مبارك.
شعبيًا، لم يكن ثمة وجود لرايات حزبية أو شعارات سياسية، فقط مشاعر عداء لـ”إسرائيل”، وفخر لا محدود بمصر الثورة. كان حجم الغضب الذي أخرج الناس للشارع ملفتًا، فللمرة الأولى وجد المتظاهرون أنفسهم وجهًا لوجه مع السفارة الإسرائيلية في القاهرة بعدما فشلت الجدران الإسمنتية في منعهم من اقتحامها ونثر أوراقها على مرأى ومسمع قوات الأمن وجنود القوات المسلحة الداعمين دون صخب أو ضجيج.
وفي مشهد اختزل كثيرًا مما يعتمل في نفوس المصريين ضد العدو التاريخي لمصر والعرب، أسقط المتظاهرون العلم الإسرائيلي من أعلى السفارة للمرة الأولى منذ افتتاحها، لكن غضبهم أخذ يتصاعد، فجاءت المطالبة بطرد السفير الإسرائيلي واستدعاء المصري من تل أبيب قبل أن يُضاف إليها إلغاء اتفاقية كامب ديفيد أو تعديلها.
رسميًا، اتسمت معالجة المجلس العسكري الحاكم والحكومة المؤقتة لتداعيات ما حدث بالكثير من التردد والارتباك، لكنها اتخذت موقفًا متقدمًا قياسًا إلى عهد مبارك، وكان لافتًا أيضًا رد فعل القيادة الانتقالية على مقتل الجنود، فهو وإن لم يرق لمطالب الغاضبين، فإنه جاء مغايرًا لما كانت عليه القاهرة قبل الثورة، حيث اُستدعي السفير الإسرائيلي، وصدر بيان حازم يطالب تل أبيب بالتحقيق العاجل في الحادثة.
على الجانب الاخر، لم يكن رد الفعل الإسرائيلي أقل غرابة، فتل أبيب التي اعتادت أن تتعامل مع مثل هذه القضايا بفوقية وتعالٍ كما هو الحال مع حادثة أسطول الحرية قبل الثورة بشهور قليلة، استخدمت هذه المرة لغة ناعمة بعيدة عن لغة الغطرسة التي لطالما طبعت مواقف “إسرائيل” طيلة العقود السابقة، وأيضًا حرص غير مسبوق لاحتواء التصعيد.
لم تقدِّم “إسرائيل” اعتذارًا لكنها أبدت أسفها الصريح على ما فعل جنودها، كما أكد قادتها أكثر من مرة على متانة العلاقات الاستراتيجية التي تجمعهم بالقاهرة، غير أن محاولات الالتفاف الواضحة في ردود الفعل الإسرائيلية كان يمكن قبولها قبل الثورة، لكن بعدها لم يكن ليمر دون رد، ما مهَّد الطريق أكثر للحديث عن إمكانية تعديل اتفاقية كامب ديفيد، التي تفرض على مصر نشر أعداد محدودة من الجنود في سيناء.
بعد أشهر قليلة من هذه الحادثة، خسرت “إسرائيل” عقود الغاز طويلة الأجل التي وقعتها مع حكومة مبارك لتصبح العلاقات بين الطرفين في أسوأ حالاتها، لا سيما مع إجراء انتخابات الرئاسة التي نوقش خلالها مستقبل اتفاقية كامب ديفيد.
الانقلاب على الثورة
مع وصول الرئيس الراحل محمد مرسي إلى الحكم في العام التالي للثورة، تلقَت “إسرائيل” لطمة جديدة، خاصة مع غياب اسمها تمامًا عن خطاباته، ولم يكن التحدي الأبرز خلفيته المنتمية لجماعة ذات خصومة تاريخية معها، بقدر ما كان الخطر في أن صعوده قد ينسف عقودًا من البناء الذي أرسته في علاقتها بمصر، وربما يغلق أمامها باب الشراكة.
إلى جانب ذلك، كان موقف مرسي في الحرب على غزة هو الإنذار الذي سمعته “إسرائيل” جيدًا، فقد عبَّر عن رفض الشعب للعدوان الإسرائيلي، وأجبرها على وقفه، وفتح معبر رفح لدخول المساعدات وخروج المرضى على الفور، وحذَّر تل أبيب من غضب المصريين، وأرسل رئيس حكومته لمساندة الفلسطينيين داخل غزة، والذين كانوا ينظرون بتفاؤل إلى أن نجاح الثورة قد يشكل بداية الطريق الحقيقي لتأسيس الدولة التي طال انتظارهم لها.
في ظل هذا التخاذل العربي ذاته، أعلنها الرئيس مرسي (رحمه الله) مدوية:
– لن نترك غزة وحدها!
– أهل غزة منا ونحن منهم، ولن نخذلهم!
واتصل بأوباما وقال له: يجب أن يتوقف هذا العدوان على غزة فورا..
وأرسل رئيس وزرائه على رأس وفد إلى غزة والتقى رئيس الحكومة المنتخب اسماعيل هنية..
وزوّد… https://t.co/lZEfVxFmB1— أحمد عبد العزيز (@AAAzizMisr) December 6, 2023
ولم يكن الغضب المصري من دولة الاحتلال حينها حكرًا على فصيل أو تيار بعينه، وهو ما يفسر الرفض الشعبي للرسالة البروتوكولية التي تضمنت عبارة “عزيزي بيريز”، وسعت “إسرائيل” بتسريبها إلى إحراج مرسي، بإظهار التعامل العملي معها يتناقض مع معتقدات جماعة الإخوان، التي تعتبرها عدوًا بعد دعوة مرشدها للجهاد ضدها.
هذه المخاوف دفعت حكومة الاحتلال وأجهزته الأمنية إلى دعم الثورة المضادة بكل قوتها، لضمان عدم قدرة المصريين على التحرك، فسعت لإيجاد بديل يعطي على الأقل ما أعطاه مبارك، وجاءت الإشارة ممن رأى أن الخطر الحقيقي في المنطقة هو مرسي ومن على خطاه، ووضعت خطتها البديلة بعيدًا عن أعين الجميع بمن فيهم مرسي الذي قضى في السلطة عامًا واحدًا لم يكف لتأسيس نظام سياسي أو تحديد علاقته بـ”إسرائيل”.
لم يمر أكثر من عامين ونصف على الثورة حتى استولى السيسي على الحكم في 3 يوليو/ تموز 2013، وسجن الرئيس المنتخب، لتتتابع الإشارات القادمة من تل أبيب على استحياء حتى وصلت إلى وصف الانقلاب بأنه “معجزة لإسرائيل”، وأبدى إيهود باراك ارتياحه لهذا المشهد، داعيًا أمريكا علنًا لدعم السيسي في سباق الرئاسة، لأن ظهور “إسرائيل” كداعمة له قد يحرجه، في خطوة عززت ما بدا كمخطط استراتيجي مدروس للسيطرة على حكم مصر.
الأخطر من كل ما سبق، ما كشفه المحلل العسكري الإسرائيلي روني دانييل حول إبلاغ السيسي “إسرائيل” بالانقلاب قبل 3 أيام من وقوعه، وتحذيره من تدخل محتمل لحركة حماس في الشأن المصري، غير أن قراءة المشهد كاملاً تشير إلى أن تل أبيب لم تكتفِ بالعلم المسبق، بل كانت ضليعة في إعداد مخطط الانقلاب، من خلال جهود دبلوماسية في واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية لمنع تصعيد إدانتها للانقلاب، وما تلاه من مجازر فض الاعتصامات في القاهرة ومدن أخرى.
حميمية الانقلاب والاحتلال
مع وصول السيسي إلى الحكم ، مضت الاستحقاقات في شكل تنازلات قدمها مقابل خدمات إسرائيلية لتثبيت أركان حكمه، حتى بدت العلاقة بين الانقلاب والاحتلال أكثر حميمية مما كانت عليه في عهد مبارك.
هذه العلاقة وصفها الصحفي البريطاني المخضرم في شؤون الشرق الأوسط روبرت فيسك، بأنها “أهم عند السيسي من الديمقراطية في مصر”، وعنونت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية افتتاحيتها بوصف السيسي بـ”الكنز الاستراتيجي لإسرائيل”.
وعلى عكس مبارك الذي اختار اللعب مع “إسرائيل” بعيدًا عن الأعين وعبر سماسرته، وربما لإدراكه خطورة أن تقترب سفينته من شواطئ تل أبيب، لم تدر علاقة السيسي والاحتلال خلف الأبواب المغلقة، بعدما بلغ التنسيق الأمني والتعاون الاستراتيجي والتكامل الدبلوماسي أفاقًا غير مسبوقة، وتُوِّج ذلك بعودة السفير المصري إلى “إسرائيل” في يونيو/ حزيران 2015، وعادت سفارة الاحتلال بالقاهرة للعمل بحرية أكبر من الأول منذ سبتمبر/ أيلول من ذلك العام.
بعد أشهر قليلة، وفي زيارة هي الأولى منذ 2007، كان وزير الخارجية المصري سامح شكري واقفًا بجوار نتنياهو أسفل تمثال ثيودور هرتزل، واحتفلا معًا في السفارة المصرية في تل أبيب بثورة 23 يوليو/ تموز 1952، لكن تكرار الزيارة بعد شهرين فقط للمشاركة في جنازة رئيس الاحتلال السابق شمعون بيريز، أثار دهشة الجميع بمن فيهم “إسرائيل”، ودفع الصحفي الإسرائيلي دان مرغليت إلى القول “سنبكي دمًا لأجيال إذا سمحنا بفشل الانقلاب وعودة الإخوان”.
وللمرة الأولى منذ ثورة يناير، أقامت السفارة الإسرائيلية في القاهرة حفلاً بمناسبة قيام دولة الاحتلال، في قلب القاهرة وعلى بعد أمتار من ميدان التحرير الذي شهد ثورة المصريين الذين لم يتخيلوا يومَا أن يشكل انقضاض الانقلاب العسكري على ثورتهم وأهدافها رافعة لاستعادة نسق العلاقات مع الاحتلال، وبأسرع مما كان عليه في عهد مبارك.
وبعدما كان التطبيع من ضمن ضحايا ثورة يناير التي أسقطت واحدًا من أكثر الأنظمة تحالفًا مع “إسرائيل”، اخترق المطبعون جدار رفض التطبيع الذي شيَّده الشعب المصري منذ اتفاقيات كامب ديفيد، ووصل الأمر إلى عتبات البرلمان المصري، عندما استضاف النائب البرلماني المثير للجدل توفيق عكاشة السفير الاسرائيلي حاييم كورين في منزله، ضمن ما قيل إنها مشاورات حول فرص التعاون بين مصر و”إسرائيل”.
واقعة ما أتاها برلماني مصري قبل عكاشة، غير أن جانبًا كبيرًا من مشهد الهرولة نحو “إسرائيل” يظهر دائمًا في خلفيته السيسي نفسه، فهو الذي احتفى بوفد من قادة تنظيمات يهودية أمريكية في لقاء كال خلاله المديح والثناء لرئيس الوزراء الإسرائيلي، قائلاً إن “نتنياهو ذو قدرات قيادية عظيمة لا تؤهله فقط لقيادة إسرائيل، وإنما هي كفيلة بضمان تطور المنطقة وتقدم العالم بأسره”.
وإذا كانت القاهرة تفعل في هذا السياق أكثر مما تعلن، فإن الإسرائيليين لا يترددون في كشف المستور، إذ أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي السابق يوفال شتينيتز أن مصر أغرقت الأنفاق بين قطاع غزة وأراضيها، بناءً على طلب “إسرائيل” وبضغط منها.
صحفيون مصريون يحتجون أمام نقابة الصحفيين المصرية ضد اتفاقية كامبديفد واتفاقية الغاز مع الاحتلال pic.twitter.com/kQoTJ6S6G7
— نون بوست (@NoonPost) September 22, 2025
وليس هذا خافيًا، لا سيما في ضوء تسارع مستوى التنسيق الأمني والاستخباراتي بينهما في سيناء بذريعة مجابهة الإرهاب، حيث قدَّمت القاهرة تنازلات كبيرة على الحدود تخل حتى باتفاقية كامب ديفيد، فضلاً عن التطبيع الاقتصادي عبر صفقات الغاز والتعليم من خلال تغييرات في مناهج التعليم المصرية على هوى “إسرائيل”، وغيرها من الخطوات التي يراهن الاحتلال على أن تحقق ما لم يتسن تحقيقه خلال عشرات الأعوام من السلام البارد بين البلدين.
وفي سياق ألاعيب السياسة، أعلن السيسي أن مصر في طريقها لأن تكون أكثر حميمية في علاقتها مع “إسرائيل” إن تم حل القضية الفلسطينية، غير أن هذا الحل بدا – في نظره – إغلاق المعابر وحفر خنادق على حدود غزة وخنق المقاومة الفلسطينية، إضافة إلى تحركات دبلوماسية وصلت حد التصويت لصالح “إسرائيل” كلما كان هناك تصويت، لدرجة أن الصحفي الإسرائيلي أفي يسسخروف توقع رؤية السيسي يومًا ما داخل الكنيست.
كان هذا ربما أكبر بكثير مما حلمت به “إسرائيل”، وهو ما جعل السيسي نجم الصحافة الاسرائيلية، حيث نقلت صحيفة “معاريف” إشادة السياسي اليميني المتطرف أفيغدور ليبرمان بالسيسي باعتباره فرصة حقيقية لـ”إسرائيل”، ووصفه وزير الإسكان الإسرائيلي آنذاك يوآف غالانت بأنه “حسني مبارك بعد عملية تجميل”، بينما أشار السفير الأسبق في القاهرة تسيفي مزال إلى علاقة حميمة بين السيسي ونتنياهو مع اتصالات أسبوعية، ثم كان التصريح الأكثر فجاجة على لسان الناطق العسكري الأسبق آفي بنياهو، الذي أكَّد أن السيسي يعمل بالتنسيق مع “إسرائيل” لحماية مصالحها ومنع تهريب الأسلحة وعرقلة الأنفاق في غزة.
صورة من اقتحام السفارة الإسرائيلية بالقاهرة بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وعلم #فلسطين في الخلفية. اليوم للأسف، لا مظاهرات ولا حراك ولا إظهار أي نوع من الغضب، وينطبق على المصريين قول الله تعالى “ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين.” pic.twitter.com/fOekz0HAyK
— المجلس الثوري المصري (@ERC_egy) March 25, 2024
شكلت هذه المتغيرات واقعًا جديدًا فُرض على المصريين، و كان الخاسر الأكبر فيه هو القضية الفلسطينية، حيث تحولت الميادين العامرة بالجماهير إلى ثكنات عسكرية ممنوع التظاهر فيها، وفُتحت السجون للمتضامنين مع غزة بدلاً من فتح الحدود لهم للعبور إلى القطاع المحاصر، وتُرك معبر رفح لإرادة الاحتلال يفتحه متى شاء ويغلقه متى شاء، بعدما كانت السيادة عليه مصرية فلسطينية.
وهكذا، تحولت مصر من سلام بارد إلى سلام دافئ منح “إسرائيل” أكثر مما تمنى نتنياهو نفسه حين كتب في مذكراته “مكان تحت الشمس” في التسعينات، باحثًا عن مكان لـ”إسرائيل” بين الأمم، فإذا بالأيام تمنحها رجلاً يعفيها من مهمة البحث، ويضعهم في حالة الاستقرار، لكن التاريخ يذكر أن كل من أبحر إلى شواطئها طالبًا الأمان محكوم عليه بالموت، وإن بدا شراع سفينته عاليًا.