أفرزت ثورة 25 يناير 2011 طاقات شبابية ومجتمعية من النشطاء والمثقفين والسياسيين، صعدت مباشرة من الميدان لتشكل قلب الحراك الاجتماعي والسياسي والثقافي في البلاد، وأسهمت في توسيع آفاق المشاركة المدنية والسياسية بشكل غير مسبوق.
غير أن المشهد تغير بشكل جذري بعد عام 2013، حين تعرض هؤلاء الفاعلون لموجة ممنهجة من التهميش والإقصاء، شملت السجن والقيود القانونية الجديدة والرقابة الأمنية وتجميد الموارد الاقتصادية ومنع الظهور في الإعلام، وفصل كثير منهم من الوظائف الحكومية. وقد قلصت هذه الإجراءات تأثيرهم المباشر وحولتهم من قلب الحدث إلى هامش المشهد في أفضل الحالات، بينما اضطر آخرون إلى الهجرة واللجوء إلى الخارج.
في الوقت نفسه، شهدت مصر تحولات مفاجئة في مصير رموز النظام السابق، فقد أُفرج عن معظم أركان نظام الرئيس المعزول حسني مبارك، وعاد بعضهم لتولي مواقع مؤثرة خاصة في المشهد الاقتصادي، مستفيدين من نفوذهم السابق وشبكاتهم القائمة، بينما ظل الشباب والثوار الذين حملوا مطالب التغيير مهمشين ومضطهدين.
لقد أسفرت سياسات النظام بعد 2013 عن تجريف منهجي للكفاءات والطاقات الشبابية والسياسية التي أفرزتها الثورة، وأصبح النشطاء والمثقفون غير قادرين على تنظيم المجتمع أو صياغة برامج إصلاحية، مما أحدث فراغًا كبيرًا في الخبرات والقدرات، وركودًا في الحراك المدني والسياسي والثقافي، في حين استمر النظام في فرض سيطرته على المجال العام وإعادة إنتاج هيمنته على المشهد.
انفجار التعبير بعد ثورة 25 يناير
فتحت ثورة 25 يناير 2011 المجال العام بشكل غير مسبوق، وأتاحت انفجارًا واسعًا لمساحات التعبير السياسي والاجتماعي والثقافي، فانخرطت قطاعات كبيرة من المجتمع في المشاركة السياسية والمجتمعية، وبرز جيل جديد من النشطاء والمثقفين والسياسيين على رأس المشهد.
تبع ذلك طفرة سياسية ملحوظة تمثلت في تأسيس كيانات وحركات وأحزاب جديدة، إذ ارتفع عدد الأحزاب من 24 حزبًا قبل الثورة إلى 68 حزبًا بعدها، أي أن 44 حزبًا تأسست خلال فترة قصيرة، ما يعكس اتساع المجال السياسي وانفتاحه.
كما صدرت صحف جديدة بلغ عددها 25 صحيفة، إلى جانب دخول الإعلام المرئي المستقل إلى المشهد مع تأسيس 25 قناة تليفزيونية جديدة، وظهور صحف مثل الوادي والتحرير والبديل، فضلًا عن مجلات وشبكات إلكترونية جديدة ولدت من رحم يناير، ما مكن جمهورًا واسعًا من متابعة الأحداث والتحليل السياسي بحرية.
وعلى الصعيد السياسي والفكري، شهدت الساحة تنوعًا واسعًا في التوجهات، إذ ظهرت تيارات إسلامية متعددة خرجت من رحم يناير، وأحزاب ليبرالية ويسارية، وحركات ثورية شبابية، وتمثيلات مسيحية، وهو ما عبر عن تحول حقيقي في بنية الفعل السياسي والمجتمعي.
ولعبت الحركات الشبابية دورًا محوريًا في تشكيل المشهد، من بينها حركة 6 أبريل، وحركة أحرار، والاشتراكيون الثوريون. وبلغ النشاط الطلابي ذروته، إذ انقسمت الحركة بين تيارات يسارية وإسلامية، وتحولت الجامعات إلى ساحات للنقاش والتنظيم السياسي.
كما ظهرت عشرات الائتلافات السياسية والفئوية التي سعت لتمثيل قوى الثورة أو فئات اجتماعية محددة، مثل ائتلاف شباب الثورة، ائتلاف شباب حقوق الإنسان، الائتلاف الإسلامي المصري، ائتلاف الأقباط، إلى جانب ائتلافات مهنية مثل ائتلاف شباب الأطباء، ائتلاف أنا صيدلي، والائتلاف العام للمعلمين الشرفاء.
وامتد تأثير الفاعلين الذين أفرزتهم ثورة يناير إلى مجالات التعليم والتنمية المجتمعية، حيث أسس بعضهم مؤسسات تعليمية وثقافية تهدف إلى تنمية الوعي والمعرفة بين الشباب، ومن أبرز هذه المبادرات مؤسسة شيخ العمود التي أسسها الشيخ عماد عفت، والتي هدفت إلى نشر التعليم الديني والتربوي بشكل منفتح ومستقل.
وللأسف، تعرض الشيخ عماد عفت للقتل على يد الأجهزة العسكرية في عام 2011، لكنه ترك أثرًا مستمرًا في روح التعليم المدني والتربوي الذي بدأت ثورة يناير تشجعه.
خلال هذه المرحلة، تمكن العديد من الفاعلين الذين أفرزتهم ثورة يناير من التأثير المباشر في النقاشات العامة، وأسس كثير منهم أحزابًا جديدة، ووصل بعضهم إلى مواقع سياسية محدودة عبر الانتخابات البرلمانية، في حين فضل آخرون البقاء في الشارع مراهنين على استمرار الزخم الثوري.
التحولات بعد الثورة: من النفوذ إلى الهامش
بعد عام 2013، دخل المشهد العام في مصر مرحلة جديدة انتهت إلى تهميش واسع للفاعلين الذين خرجوا من رحم ثورة 25 يناير، لم يعد المجال العام فضاءً مفتوحًا، بل خضع لسياسات منهجية لإعادة الضبط والسيطرة، هدفت إلى إغلاق اللحظة الثورية ومنع إعادة إنتاجها سياسيًا أو اجتماعيًا.
في المرحلة الأولى من هذا التحول، اتجهت السلطة إلى إعادة هندسة المجال الإعلامي، عبر تحجيم الإعلام المستقل الذي خرج بالأساس من رحم يناير، فعلى عكس ما بعد ثورة يناير حين تمتعت جميع وسائل الإعلام بقدر واسع من الاستقلال والخصومة مع السلطة، أصبحت علاقتها لاحقًا قائمة على التبعية.
وفي هذا السياق، وبعد بيان 3 يوليو/تموز 2013، حاصرت قوات الأمن مقرات 14 قناة فضائية إسلامية، وصادرت معداتها وأغلقتها، وكان من أبرزها قناة مصر 25، في سابقة لم تشهدها مرحلة ما بعد ثورة يناير التي لم تُغلق فيها أي قناة.
بالتوازي مع ذلك، فُرضت قيود صارمة على الأنشطة العامة والتجمعات، بما في ذلك المظاهرات والندوات السياسية، ما أفقد الفاعلين الشباب والمنصات الثورية أدواتهم الأساسية للتواصل مع المجتمع والتأثير في الرأي العام. وأسهم هذا التضييق في إقصاء الفعل السياسي من الفضاء العام، وتحويله إلى نشاط محفوف بالمخاطر القانونية والأمنية.
ومع اتساع هذا النهج، امتدت سياسات السيطرة لتشمل الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، التي كانت تمثل إحدى أبرز ساحات النقاش والتعبئة والتنظيم خلال الثورة، ففُرضت رقابة مشددة على الفضاء الرقمي، وتعرض عدد من النشطاء المؤثرين للملاحقة، كما جرى إغلاق العديد من المنصات والمؤسسات الإعلامية الرقمية التي وُلدت من رحم يناير وشكلت حاضنة للفاعلين الشباب، مثل موقع مصر العربية وشبكة يقين وغيرها.
في الوقت ذاته، تعرضت الجمعيات والمؤسسات المدنية التي نشأت بعد يناير لضغوط متصاعدة، شملت الحجب، والملاحقات القضائية بتهم فضفاضة مثل نشر أخبار كاذبة، وبالطبع أسهم ذلك في إضعاف دور المجتمع المدني وتحويله إلى فضاء مراقَب ومقيد.
بين الغياب والحضور وبين انتظار لا ينتهى وأسئلة لا تجد مجيباً، تظل قصة مصطفى النجار جرحاً مفتوحاً في وجدان الكثيرين. هي ليست مجرد قصة سياسي اختفى، بل هي حكاية إنسان، ابن، وشقيق، وزوج، وأب، وطبيب، وصديق غاب وجهه وبقي أثره يطارد الصمت
في زاويةٍ ما من ذاكرة ميدان التحرير، وفي ركنٍ… pic.twitter.com/RILbTx0x6x
— Khaled Ali (@Khaledali251) January 16, 2026
كذلك اعتمدت السلطة على توظيف الأدوات القانونية لملاحقة نشطاء يناير وتحجيم دورهم على التأثير في الشارع، فصدرت سلسلة من القوانين المقيدة، من بينها قوانين التظاهر، ومكافحة الإرهاب، والجمعيات الأهلية، وتنظيم الإعلام، والتي حاصرت عمليًا كل الأنشطة التي خرجت من رحم يناير.
كما أعاقت قوانين الجمعيات الأهلية عمل المؤسسات الحقوقية والثقافية المستقلة، من خلال فرض شروط تسجيل معقدة ورقابة دائمة، ما أدى إلى خنق المجال المدني، والحد من قدرة هذه المؤسسات على الوصول إلى جمهورها أو التأثير في السياسات العامة.
ولم تسلم حتى المؤسسات التعليمية التي خرجت من رحم ثورة يناير من هذا المسار، رغم محاولاتها المتكررة الابتعاد عن العمل السياسي المباشر بعد 2013، فقد أُغلقت مؤسسة شيخ العمود التي كانت تُعنى بالتعليم والتربية ونشر الوعي، وتعرض مديرها الشيخ أنس السلطان للاعتقال، ولا يزال رهن الاحتجاز حتى اليوم.
في الواقع، سياسة التضييق التي مارسها النظام بعد 2013 لم تفرق بين النشاط السياسي الصريح والمبادرات التعليمية المستقلة، ما حال دون قدرة هذه المؤسسات على الصمود أو الاستمرار، رغم طابعها المجتمعي والتربوي.
أما على المستوى الحزبي، تعرضت الأحزاب التي نشأت بعد يناير، وخصوصًا تلك التي عارضت مسار ما بعد 30 يونيو، لموجات متتالية من القمع والتهميش. اعتُقل معظم قادة الأحزاب الإسلامية، بينما تراجع حضور غالبية الأحزاب اليسارية والليبرالية التي خرجت من رحم الثورة، وعجزت عن أداء دور سياسي مؤثر.
وانتهت أحزاب يناير إلى مسارات متعددة، تراوحت بين الاحتواء من قبل النظام، أو التفكك والتهميش، أو المطاردة والسجن، أو الهجرة إلى الخارج، فيما أعلنت بعض هذه الأحزاب انسحابها من الحياة السياسية، في تعبير صريح عن اليأس وانسداد الأفق السياسي، وتحول الفعل الثوري إلى هامش محاصر داخل المشهد العام.
كيف أقصى السيسي فاعلي يناير من المشهد
السجن والملاحقة الأمنية
بعد عام 2013، اعتمدت السلطة على الاعتقال المباشر بوصفه أداة مركزية لإعادة ضبط المجال العام وتحييد الفاعلين السياسيين الذين برزوا خلال ثورة يناير. لم يعد السجن إجراءً أمنيًا استثنائيًا، بل تحول إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر قدرة النشطاء على التنظيم والتأثير، وإقصائهم عن الحياة السياسية.
في مرحلتها الأولى، استهدفت موجات الاعتقال جماعة الإخوان المسلمين ومؤيديهم، لكنها سرعان ما توسعت لتشمل طيفًا واسعًا من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين الذين شاركوا في ثورة يناير، من نشطاء اللجان الشبابية، والصحفيين المستقلين، والحقوقيين، وصولًا إلى أعضاء البرلمان المنتخبين بعد يناير. هذا الاتساع في الاستهداف كشف أن القمع لم يكن مرتبطًا بانتماء أيديولوجي محدد، بقدر ما كان موجهًا ضد كل من مثل ذاكرة الثورة أو إمكان تجددها.
محمد عادل تعرض لاعتداء في السجن
مراته رفيدة كتبت اللي عرفته بعد زيارته وقدمت بلاغ
دومة اتخض على عادل وكتب عنه وحاول ينقل وضعه وخطورة اننا نتماهي مع حاجة كدةصفحة الداخلية كتبت انهم كدابين
والفجر دومة اتاخد من بيتهجسمي كله غضب!
لحد امتى هتفضل السجون بتبلع الناس مننا؟ لحد…
— Mona Seif (@Monasosh) January 20, 2026
ومن أبرز الأمثلة على ذلك أحمد ماهر مؤسس حركة 6 أبريل، الذي تعرض للاعتقال عدة مرات، إلى جانب عشرات من نشطاء شباب التحرير وحركة الاشتراكيين الثوريين الذين واجهوا الحبس الاحتياطي المطول، أو فُرضت عليهم تدابير مثل المنع من السفر، وعقوبة المراقبة التكميلية.
وقد أدى هذا النمط من القمع إلى شل النشاط السياسي لفاعلي يناير بشكل مباشر، وأرسل رسالة ردع واضحة إلى بقية النشطاء، ما أسهم في خلق مناخ عام من الخوف، انعكس في تراجع واسع لمشاركة الشباب في العمل السياسي والاحتجاجي.
كما صدرت أحكام غيابية بحق عدد من نشطاء يناير أثناء وجودهم في المنفى، ما جعل عودتهم إلى البلاد شبه مستحيلة، في حين ظل من أُفرج عنهم خاضعين لرقابة أمنية مشددة للحد من قدرتهم على استئناف أي نشاط عام.
وبالتوازي مع ذلك، تعرض القطاع الأول من الثوار، أي من بقوا داخل السجون وأماكن الاحتجاز، إلى تنكيل منهجي شمل التعذيب وسوء المعاملة، إلى جانب تدويرهم على قضايا جديدة فور انتهاء مدد حبسهم أو صدور قرارات بالإفراج عنهم.
ويضم هذا القطاع فاعلين من مختلف التيارات السياسية والفكرية، إسلامية، ويسارية، وليبرالية، ومستقلة، ما يؤكد أن الاستهداف كان شاملًا ومقصودًا، يستهدف تصفية المجال العام من كل من ارتبط بلحظة يناير.
وخلال السنوات اللاحقة، دُفع عدد كبير من نشطاء يناير إلى الانزواء والصمت أو إلى الهجرة واللجوء خارج البلاد، تزامنًا مع توسع غير مسبوق في البنية العقابية للدولة، إذ صدرت قرارات بإنشاء أكثر من خمسة وأربعين سجنًا جديدًا خلال عقد واحد، ما مثل تحولًا جوهريًا في بنية الدولة بعد 2013.
إفقار فاعلي يناير اقتصاديًا
بعد عام 2013، اتجهت السلطة إلى تبني مقاربة شاملة في التعامل مع فاعلي ثورة يناير، لم تقتصر على الإقصاء السياسي، بل امتدت إلى استهدافهم اقتصاديًا بشكل ممنهج وتجفيف مواردهم المالية. جرى توظيف السجن وأدوات القمع بوصفها وسائل ضغط مالي ومعنوي على النشطاء وعائلاتهم، من خلال الاعتقالات المتكررة للحقوقيين والصحفيين والشباب، وفرض كفالات مالية ضخمة مقابل الإفراج عنهم.
وفي هذا السياق، تبرز لجان التحفظ على أموال المعارضين ومنها لجنة التحفظ على أموال الإخوان كأداة مركزية لمصادرة الأموال والتحفظ على الممتلكات، قبل أن يتوسع نطاق عملها ليشمل أفرادًا وكيانات لا ينتمون تنظيميًا للإخوان، من نشطاء يناير، ورجال أعمال، ومؤسسات مدنية وإعلامية.
وترافقت هذه السياسة مع تجميد التمويل الداخلي لعدد كبير من المؤسسات المدنية والشبابية المستقلة التي خرجت من رحم الثورة، ما قوض قدرتها على الاستمرار وتنظيم أي نشاط اجتماعي أو سياسي.
كما لجأت السلطة إلى مصادرة أموال وشركات عدد من الفاعلين الذين شاركوا في الثورة أو دعموا مطالبها، بمن فيهم أصحاب شركات صغيرة ومتوسطة ونشطاء كانوا يمولون مبادرات شبابية. واستُخدمت تهم فضفاضة مثل “تمويل أنشطة معادية للدولة” لتبرير تجميد الحسابات البنكية، ومصادرة الممتلكات، بما قطع فعليًا أي قدرة لهؤلاء الفاعلين على مواصلة مشاريعهم الاقتصادية أو دعم العمل العام.
وقد أسهمت هذه السياسات مجتمعة في إفقار متعمد للفاعلين الذين أفرزتهم ثورة يناير، وتحويلهم من محركين محتملين للتغيير إلى طبقة منهكة اقتصاديًا ومعزولة سياسيًا، فضلًا عن توجيه رسالة ردع واضحة لكل من يفكر في الانخراط في أي نشاط خارج الإطار الذي ترسمه السلطة.
الفصل من الوظائف ومنع الحضور في الإعلام
بعد عام 2013، لجأت السلطة إلى منع الفاعلين الشباب الذين خرجوا من رحم ثورة يناير من الحضور في المجال الإعلامي، سواء في الوسائل الرسمية أو الخاصة، شمل هذا المنع استبعاد نشطاء الثورة من البرامج الحوارية، ووقف استضافتهم بوصفهم محللين أو شهودًا على الأحداث، إلى جانب إيقاف برامج كاملة كانت تفتح المجال لأصوات شبابية مستقلة.
كما استُهدف صحفيون شباب لعبوا دورًا بارزًا في تغطية المظاهرات والاحتجاجات الثورية، عبر فصلهم من مؤسساتهم، أو منعهم من الكتابة والظهور الإعلامي، أو إغلاق مؤسساتهم الإعلامية، مثلما حدث مع “أكسجين مصر”، أو دفعهم إلى العمل في الهامش أو خارج البلاد. وقد أدت هذه السياسات إلى قطع الصلة بين هؤلاء الفاعلين والجمهور، وتعطيل قدرتهم على التأثير في النقاش العام والمجالين الاجتماعي والسياسي.
كذلك بعد عام 2013، لجأت السلطة إلى فصل عدد كبير من فاعلي ثورة يناير من وظائفهم في الدولة، لا سيما من كانوا يشغلون مناصب تعليمية أو أكاديمية، بمن فيهم أساتذة الجامعات المنتمون إلى تيارات شبابية مرتبطة بالنشاط المدني والسياسي.
جاء هذا الإجراء ضمن سياسة أوسع لإقصاء القوى الناشطة التي لعبت دورًا في الثورة، ما أدى إلى حرمان الجامعات والمؤسسات الحكومية من خبرات وكفاءات علمية وتجريبية، وزاد من التهميش السياسي للناشطين الشباب، لكن في المقابل استمر الفاعلون الموالون للسلطة في شغل المناصب الحيوية.
الهجرة القسرية
بعد عام 2013، اضطر عدد من الفاعلين الشباب الذين خرجوا من رحم ثورة يناير إلى الهجرة القسرية أو اللجوء خارج مصر، هربًا من الملاحقة الأمنية والقيود على نشاطهم السياسي والمدني، وتوزع هؤلاء بين دول مثل تركيا وقطر، وكذلك دول أوروبية، بحثًا عن بيئة توفر لهم حرية نسبية لمواصلة نشاطهم أو لمجرد الأمان الشخصي.
#من_الذاكرة | الفنان عمرو واكد: إبني نفسه يشوف #مصر !!#هانت#حملة_300#احنا_الشعب#GenZ002 pic.twitter.com/XY0ysjuPoU
— صدى مصر (@sadamisr25) December 14, 2025
ومن أبرز الأمثلة، هبة رؤوف، الأكاديمية والناشطة السياسية، التي كان لها دور تعليمي وتربوي كبير بعد ثورة يناير، وكان لها درسًا أسبوعيًا بارزًا في مسجد السلطان حسن، لكنها غادرت مصر لتواصل عملها البحثي في تركيا بعيدًا عن القيود المحلية، ورامي عصام، المغني والناشط الثوري المعروف بـ“مطرب الثورة”، الذي غادر مصر واستمر في نشاطه الفني والسياسي من السويد وفنلندا بعد تعرضه للملاحقات والتهديدات.
كما يُعد الباحث المصري في الفيزياء أحمد عبد الباسط مثالًا آخر على القمع الذي واجهه ناشطو يناير، فقد شارك في حراك الثورة وأُدين لاحقًا في قضية عسكرية صدرت فيها ضده حكم بالإعدام غيابًا بتهم تتعلق بزعم وجود “خلية إرهابية”، رغم عدم وقوع أي حادث قتل فعلي، ونتيجة ذلك، يعيش عبد الباسط اليوم في الولايات المتحدة بعد مغادرته مصر.
نتائج تهميش الفاعلين على المجتمع المصري
لقد ترك تهميش الفاعلين الذين خرجوا من رحم ثورة يناير أثرًا عميقًا على المجتمع والسياسة المصرية، إذ فقد المجتمع أصواتًا وشبابًا قادرين على الابتكار، وحرمت الدولة نفسها من طاقات كانت قادرة على تطوير سياساتها، ما أدى إلى ركود المشهد السياسي والثقافي وضعف المشاركة المدنية.
وإلى جانب الفاعلين السياسيين والمدنيين، تعرض عدد من المهندسين والعلماء للاعتقال والسجن بعد عام 2013، سواء بسبب نشاطهم السياسي المباشر أو انخراطهم في منظمات المجتمع المدني.
وقد وجد هؤلاء الكفاءات العلمية والتقنية أنفسهم محاصرين في الزنازين، محرومين من ممارسة تخصصهم أو تطوير مهاراتهم، ما أدى إلى هدر موارد بشرية ذات خبرة عالية وفقدان الدولة لطاقات يمكن أن تُحدث فرقًا في التنمية العلمية والتقنية، لتضاف هذه الخسارة إلى الركود السياسي والاجتماعي بعد عام 2013.
ومع تزايد القيود الأمنية والسياسية، اضطر عدد كبير من الناشطين إلى الهجرة أو اللجوء إلى الخارج، لم تحرم هذه الهجرة هؤلاء الأشخاص فقط من العودة إلى وطنهم، بل ساهمت أيضًا في نزيف كبير للطاقات الشبابية والسياسية والفكرية التي خرجت من رحم ثورة يناير. كما توقفت الجمعيات والمنظمات المدنية والتعليمية والثقافية عن أداء دورها في تطوير مهارات الشباب وتفعيل مشاركتهم المجتمعية والسياسية.

ولهذا التهميش أثر ملموس على المشاركة السياسية والمجتمعية اليوم، فقد توقف عدد من الشباب الجامعي عن النشاط السياسي بعد مشاهدة ملاحقة زملائهم، بينما انخفض حضور المثقفين في الحوارات العامة والإنتاج الثقافي والسياسي نتيجة الرقابة والخوف.
على الصعيد الرسمي، انعكس التهميش على المشهد السياسي الرسمي، إذ تراجعت المشاركة في الانتخابات، واستحوذ إعلام النظام على الخطاب العام، ما ساهم في ركود فكري وسياسي، وتراجع الثقة بين المواطنين والدولة، وضعف الحراك الشعبي، وجعل المجتمع أكثر خضوعًا للسلطة وأقل قدرة على التعبير عن مصالحه.
باختصار، لم يكن تهميش فاعلي ثورة يناير مجرد إقصاء للمعارضة، بل أدى إلى نزيف المواهب وضعف المجتمع، وركود فكري وسياسي وثقافي، وحرمان الدولة من الطاقات الشبابية التي كانت يمكن أن تسهم في تطوير السياسات والمجتمع.
استُشهد العالم المصري
الأستاذ الدكتور المعتقل: عطا يوسف عبداللطيف محمد
أستاذ فيزياء الجوامد التجريبية
كلية العلوم-جامعة أسيوط
عشرات الأبحاث منشورة في دوريات عالمية
مرفق سيرة ذاتية هائلة على موقع جامعة أسيوط
استُشهد في محبسه بسجن بدر 3 الجمعة 26ديسمبر 2025
نتيجة سوء ظروف الاحتجاز pic.twitter.com/939L47YIMD— Haytham Abokhalil هيثم أبوخليل (@haythamabokhal1) December 29, 2025
نختم بالقول إن تتبع مسار الفاعلين الذين أفرزتهم ثورة 25 يناير يكشف عن تحول جذري في المشهد المصري، من مرحلة صعود الطاقات الجديدة والمبادرات الشبابية إلى مرحلة التهميش الكامل لهؤلاء الفاعلين.
والمفارقة الكبرى أن رموز النظام السابق وأركانه الذين قامت الثورة عليهم، أُفرج عنهم وعاد بعضهم ليحتل مواقع مؤثرة في المشهد، بينما الثوار الذين حملوا مطالب التغيير ظلوا مهمشين، مضطهدين، أو مجبرين على العيش في خارج بلدهم.