• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

تعريف بريطانيا لـ”العداء ضد المسلمين”.. اعتراف أم التفاف؟

نون إنسايت١٢ مارس ٢٠٢٦
التعريف غير ملزم ولا يضمن تغييرًا في السياسات إذا لم يُترجم إلى إجراءات ملموسة (AFP)

أعلنت الحكومة البريطانية في 9 مارس/آذار، اعتماد تعريف استرشادي غير ملزم لـ”العداء ضد المسلمين”، مقدّمة الخطوة بوصفها جزءًا من خطة “التماسك الاجتماعي”، فيما رأى منتقدون أنها تسوية سياسية ولغوية تجنبت مجددًا تبنّي مصطلح “الإسلاموفوبيا”.

وجاء القرار بعد سنوات من الجدل حول مصطلح “الإسلاموفوبيا”، وفي ذروة تصاعد الجرائم والكراهية ضد المسلمين، لكن الحكومة اختارت في النهاية صيغة أضيق وأكثر تحفظًا، فماذا يحمل التعريف الجديد وما طبيعته القانونية، وماذا يغير عمليًا؟ وما أبرز المواقف من هذا التغيير؟

ماذا اعتمدت بريطانيا فعلًيا؟

أعلنت الحكومة البريطانية عبر وزير المجتمعات ستيف ريد تبنّي تعريف “العداء ضد المسلمين” ضمن خطة “حماية ما يهم” للتماسك الاجتماعي، وفق تعبيرها.

جاء التعريف نتيجة عمل مجموعة مستقلة شكّلتها الحكومة في مارس/آذار 2025 برئاسة وزير العدل السابق دومينيك غريف، وطلب منها تقديم تعريف غير تشريعي يراعي حرية التعبير.

يعرّف النص المعتمد العداء ضد المسلمين بأنه “الانخراط عن قصد في أعمال جنائية – كالاعتداء والعنف والتخريب والتحرش أو التخويف – تستهدف المسلمين أو من يُعتقد أنهم مسلمون، أو مساعدة أو تشجيع مثل هذه الأعمال”.

الحكومة البريطانية اختارت في النهاية صيغة أضيق وأكثر تحفظًا للتعريف

كما يشمل استخدام الصور النمطية المتحيزة بقصد إثارة الكراهية، وارتكاب تمييز غير مشروع يهدف إلى تحييد المسلمين أو حرمانهم من حقوقهم”. ويشدد التعريف على أن الحماية تشمل الأفراد الذين يُنظَر إليهم على أنهم مسلمون، بغض النظر عن هويتهم الفعلية.

هذا التعريف غير ملزم قانونيًا، إذ أوضحت الحكومة أنه “لا ينشئ جرائم جديدة ولا يغيّر القانون الجنائي أو قانون المساواة” ويُستخدم كإرشاد للمؤسسات العامة.

والتزمت الحكومة بتوفير تمويل قدره أربعة ملايين جنيه إسترليني لتنفيذ التعريف (تحويله إلى أداة عمل داخل المؤسسات) وتعيين ممثل خاص لمناهضة العداء ضد المسلمين، لكنها لم تُدخل تعريفًا تشريعيًا في قانون الجرائم أو المساواة.

ما الذي تغيّر بعد هذا التعريف؟

قبل 9 مارس/آذار 2026 لم يكن لدى الحكومة البريطانية تعريف متفق عليه للكراهية ضد المسلمين، إذ تعتمد الشرطة والجهات الرسمية مصطلحات عامة مثل “جرائم الكراهية الدينية” أو التعريفات التي أقرتها منظمات غير رسمية.

وتقول الحكومة إن التعريف سيوفر إطارًا موحّدًا للمؤسسات الحكومية والسلطات المحلية والمدارس والجامعات لفهم سلوكيات العداء ضد المسلمين وتسجيلها بصورة أكثر اتساقًا، لكن أثره العملي يظل محدودًا ما دام غير ملزم قانونيًا ولا يفرض على الهيئات العامة آليات تنفيذ محددة.

من الناحية العملية، لا يخلق التعريف سلطات أو عقوبات جديدة، بل يهدف إلى تحسين توحيد البيانات وتدريب الموظفين على التعرف على أنماط العداء ضد المسلمين.

وستستخدم الوزارات وشرطة الخيالة التعريف لتحسين إجراءات الإبلاغ والاستجابة وتوعية الجمهور، وتطوير دلائل إرشادية للمدارس والجامعات وأرباب العمل.

كما ستُعين الحكومة ممثلًا خاصًا ليشرف على التنسيق بين الوزارات ومع المجتمعات المتضررة. ومع ذلك، اتهم منتقدون الحكومة بأن الخطوة قد تكون رمزية أكثر منها مؤسساتية.

إذ أن التعريف غير ملزم ولا يضمن تغييرًا في السياسات إذا لم يُترجم إلى إجراءات ملموسة من قبل الهيئات العامة. ويخشى البعض أن يستمر التفاوت في تسجيل جرائم الكراهية وتطبيق العقوبات رغم وجود تعريف استرشادي موحّد.

لماذا الآن وبعد 2025 تحديدًا؟

شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا واضحًا في جرائم الكراهية الدينية في المملكة المتحدة، إذ تشير بيانات وزارة الداخلية إلى تسجيل 4478 جريمة كراهية دينية ضد مسلمين في العام المنتهي إحصائيًا في مارس/آذار 2025، وهو ما يمثل نحو 45% من جميع الجرائم الدينية.

كما شهدت السنة نفسها زيادة بنسبة 19% في الجرائم ضد المسلمين مقارنة بالعام السابق، وهي أرقام أثارت مطالبات من المجتمعات المسلمة والجمعيات الحقوقية باتخاذ خطوات أكثر جدية.

وبعد تشكيلها، أجرت لجنة العمل المذكورة مشاورات مع منظمات إسلامية وحقوقية، وقدمت توصياتها أواخر 2025.

لكن تبنّي التعريف تأخر بسبب نقاشات داخل الحكومة حول المصطلح الأنسب (الإسلاموفوبيا أم العداء ضد المسلمين) وكيفية صياغة تعريف يحمي الأفراد “دون تقييد النقاش حول الدين”.

وربطت الحكومة الإعلان بتصاعد الكراهية ضد المسلمين وتنامي الاستقطاب الاجتماعي، لكن التوقيت يعكس أيضًا محاولة سياسية متأخرة للوفاء بوعد انتخابي قطعه حزب العمال في حملته الانتخابية عام 2024، واحتواء الانتقادات المتزايدة من مسلمي بريطانيا الذين رأوا أن الدولة ظلت لسنوات مترددة في تسمية الظاهرة باسمها.

لماذا اختارت “العداء ضد المسلمين”؟

لاستبعاد مصطلح “الإسلاموفوبيا” كان جوهر القرار السياسي نفسه وليس تفصيلًا لغويًا بريئًا. فالحكومة اختارت عبارة “العداء ضد المسلمين” لأنها أضيق، وأسهل إداريًا، وأقل إثارة للنزاع القانوني “حول حرية التعبير”، كما تسمح لها بالقول إنها تحمي الأشخاص لا الأديان من النقد.

لكن هذا الاختيار نفسه هو ما أثار اعتراضات واسعة، لأن مصطلح “الإسلاموفوبيا” في النقاش البريطاني لا يشير فقط إلى الإساءات الفردية، بل إلى نمط أوسع من العنصرية البنيوية والتمييز المؤسسي والصور النمطية التي تستهدف المسلمين أو من يُنظر إليهم كذلك.

وتقول الإرشادات الجديدة إن المصطلح يركز على “سلوكيات عدائية أو تمييزية” ويميز بوضوح بين نقد أو مناقشة الأفكار الدينية، والتي تُعد جزءًا من حرية التعبير، وبين الكراهية التي تستهدف أتباع الدين.

ربطت الحكومة البريطانية الإعلان بتصاعد الكراهية ضد المسلمين وتنامي الاستقطاب الاجتماعي

وتوضح الملاحظات المرفقة أن الانتقاد أو التحليل أو السخرية من دين أو معتقد تظل محمية كحرية تعبير، وبالتالي يحمي التعريف “حق” الفنانين والصحفيين والباحثين في نقد الإسلام دون تجريم.

في المقابل، يرى مؤيدو استخدام مصطلح “الإسلاموفوبيا” أنه يعكس البعد العنصري والهيكلي للكراهية ضد المسلمين، إذ يحفظ مصطلح “الرهاب” ما يشبه العداء المرضي أو النظامي الذي يتجاوز الأعمال الفردية. ومع ذلك، أثار استخدام كلمة “فوبيا” مخاوف من أنها قد تُقرأ كحظر على نقد الإسلام أو تعطي انطباعًا بأن الدولة تحمي الدين نفسه.

وأشار أعضاء في لجنة العمل إلى أن البعض يفضّل مصطلح “عداء ضد المسلمين” لأنه أوضح لدى الجمهور، ولأن إدراج كلمة “رهاب” قد يثير جدلًا لغويًا ويصعب استخدامه قانونيًا.

وتظهر هنا الفجوة بين تعريف 2018 الذي اعتمده تجمّع نواب الأحزاب المعني بالبريطانيين المسلمين، وبين الصيغة الحكومية الجديدة.

فالأول يتعامل مع الإسلاموفوبيا بوصفها شكلًا من أشكال العنصرية التي تستهدف هوية المسلم وصورته العامة، بينما تضيق الحكومة الحالية الظاهرة إلى أفعال عدائية وتمييز مقصود، أي إلى نطاق أقل اتساعًا وأقل كلفة سياسيًا على الدولة.

كيف استُقبل التعريف الجديد؟

  • حزب العمال الحاكم قدّم التعريف بوصفه خطوة مهمة في مكافحة الكراهية، لكن الترحيب الرسمي لا يغيّر حقيقة أن الحكومة اختارت الصيغة الأقل إلزامًا والأقل احتكاكًا بالجدل المحيط بمصطلح “الإسلاموفوبيا”.
  • بعض نواب حزب المحافظين رحبوا بفكرة مكافحة الكراهية لكنهم أعربوا عن القلق من أن التعريف قد يستخدم لـ”إسكات الانتقادات الدينية”.
  • النائب عن المحافظين بول هولمز اتهم الحكومة بإخفاء تفاصيل عمل اللجنة، محذرًا من أن التعريف قد يخلق “قانون تجديف خلفي”.
  • الليبراليون الديمقراطيون وبعض النواب المستقلين انتقدوا التعريف بوصفه نسخة “مخفّفة” من تعريف “الإسلاموفوبيا” الذي أقر في 2018.
  • تجمع النواب من جميع الأحزاب (APPG)، أشار إلى أن الحكومة لم تستشر منظمات القاعدة الشعبية بشكل كاف.

من جانب المنظمات الإسلامية، جاء الرد متباينًا.

  • المجلس الإسلامي البريطاني (MCB) لم يكتفِ برفض التعريف، بل اعتبره تراجعًا عن الاعتراف الحقيقي بالإسلاموفوبيا، لأنه يفتقر إلى تسمية البعد العنصري البنيوي للظاهرة، ويكتفي بصيغة مخففة لا تعكس عمق المشكلة ولا ثقلها السياسي.
  • أشار MCB إلى أن تعريف الحكومة يفتقر إلى الاعتراف بالبعد العنصري البنيوي للكراهية ضد المسلمين، وطالبت بإجراءات ملموسة مثل موازنة تمويل أمن المساجد مع معابد الأديان الأخرى.
  • في المقابل، أيدت بعض المنظمات المسلمة مثل Trust British Muslim Council ومؤسسات تعليمية إسلامية التعريف باعتباره “خطوة أولى إيجابية” بشرط التطبيق الجدي.
  • الهيئات غير الدينية، مثل Humanists UK، رحبت بالتعريف لأنه يوازن بين حماية الأشخاص وحرية التعبير، لكنها حذرت من إعطاء معاملة تفضيلية للكراهية ضد المسلمين على حساب أشكال التمييز الأخرى.
  • المجلس اليهودي البريطاني أعرب عن دعمه، معتبرًا أن مواجهة الكراهية تجاه المسلمين واليهود يساهم في مجتمع أكثر تماسكًا.
  • منظمات حقوق الإنسان، ومنها Islamophobia Response Unit، انتقدت التعريف لأنه يركز على “نية العداء”، ما يرفع عتبة الإثبات ويستبعد الحالات التي تنطوي على تحيزات غير واعية أو تمييز مؤسسي.
  • اعتبر بعض الأكاديميين والخبراء أن غياب الإشارة إلى “العنصرية المؤسسية” يقلل من قدرة التعريف على معالجة جذور الظاهرة.

لا يبدو التعريف الجديد حاسمًا بقدر ما ينظر إليه على أنه تسوية لغوية وسياسية، فقد اعترفت الحكومة البريطانية بوجود كراهية متفاقمة ضد المسلمين، لكنها اختارت الاعتراف بها بصيغة أضيق من “الإسلاموفوبيا”، وأبقتها خارج الإطار القانوني الملزم، بما يحدّ من أثرها العملي ويُبقي المعركة مفتوحة حول توصيف الظاهرة بوصفها عنصرية بنيوية لا مجرد عداء فردي.

علاماتأوروبا والإسلام ، الإسلام في بريطانيا ، العنصرية ، العنصرية ضد المسلمين ، المسلمون في بريطانيا
مواضيعالأقليات المسلمة ، الإسلاموفوبيا ، بريطانيا

قد يعجبك ايضا

سياسة

شركة أسلحة التركية تغير اسمها بعد غضب من مبيعاتها لإسرائيل

راغب صويلو١٢ مارس ٢٠٢٦
سياسة

تضخم عسكري غير مسبوق.. ماذا تخبرنا ميزانية الحرب الإسرائيلية؟

فريق التحرير١١ مارس ٢٠٢٦
سياسة

لماذا اختار نتنياهو ضرب إيران الآن؟

يوسف منير١١ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑