في تطوّر ميداني خطير هو الأول من نوعه منذ بدء الهدنة الهشة في غزة، أسقط جيش الاحتلال الإسرائيلي في 19 يناير/كانون الثاني 2026، منشورات تُمهل عشرات العائلات الفلسطينية شرق خان يونس وقتًا ضئيلًا لمغادرة مساكنهم.
جاءت أوامر الإخلاء هذه في بلدة بني سهيلا الجنوبية لتوسّع فعليًا نطاق سيطرة قوات الاحتلال داخل القطاع، مما أثار مخاوف من استمرار الزحف التدريجي للخطوط الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
تزامنت هذه الخطوة مع حديث عن سلسلة توسعات متكررة لما يُعرف بخط الانسحاب أو “الخط الأصفر” منذ بدء الهدنة، الأمر الذي فاقم موجات النزوح الداخلي وضاعف معاناة السكان المحاصرين في رقعة جغرافية تتضاءل مساحتها يومًا بعد يوم.
أوامر إخلاء
حملت المناشير رسالة مقتضبة بلغات العربية والعبرية والإنجليزية جاء فيها: “رسالة عاجلة: المنطقة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، وعليكم الإخلاء فورًا”.
وأفاد سكان محليون بأن هذه الإنذارات شملت ما لا يقل عن 70 عائلة تقطن في خيام ومنازل أصابها الدمار الجزئي مسبقًا، واضطر هؤلاء بالفعل إلى حزم أمتعتهم والتوجه غربًا بعيدًا عن نطاق الإنذار.
وادعى جيش الاحتلال لاحقا عدم وجود نية لـ“إخلاء” السكان قسرًا خلافا لما ورد في التقارير الإخبارية، مدعيًا أن الهدف من إسقاط المنشورات كان تحذير المدنيين بعدم تجاوز الخط الأصفر الفاصل.

وأكد متحدث عسكري إسقاط المناشير شرق خان يونس، لكنه زعم أنها جاءت عقب رصد محاولة لبعض الفلسطينيين العبور إلى الجانب “الإسرائيلي” من الخط المحدد، وتم تحذيرهم بعدم الاقتراب.
إلا أن الصياغة الواضحة للمناشير – التي تضمنت أمراً صريحاً بالإخلاء الفوري – جعلت أهالي المنطقة يشعرون بأنها إنذار جدي بالتهجير، خاصة في ظل سوابق الحرب حين كانت المناشير تمهيدًا لهجمات واجتياحات يليها النزوح الجماعي.
عاجل | قبل قليل طائرات الاحتلال تلقي مناشير إخلاء على حارة الرقب في شارع صلاح الدين ببلدة بني سهيلا شرق مدينة خان يونس pic.twitter.com/maMXHbVIHi
— غزة الآن – Gaza Now (@nowgnna) January 19, 2026
ولم تكن حادثة بني سهيلا سوى حلقة جديدة في سلسلة توسعات ميدانية نفّذتها قوات الاحتلال منذ دخول اتفاق الهدنة حيّز التنفيذ.
يقول محمود، وهو أب لثلاثة أطفال من سكان المنطقة، إنهم اضطروا مجددًا للفرار نحو الغرب إثر الإنذار الأخير، موضحًا أنه “ربما هذه هي المرة الرابعة أو الخامسة التي يتقدم فيها الاحتلال بخطه الأصفر منذ الشهر الماضي”.
وأكد أن جيش الاحتلال يقتطع في كل مرة شريطًا بعمق 120 إلى 150 مترًا داخل المناطق التي كانت بيد الفلسطينيين، “مبتلعًا مزيدًا من الأراضي”.
تحصينات وكتل إسمنتية
شهد حي التفاح التاريخي شرق مدينة غزة مثالًا صارخًا آخر على محاولات “إسرائيل” ترسيخ واقع ميداني جديد خلال فترة التهدئة.
فقد اتخذ جيش الاحتلال من الكتل الخرسانية الصفراء أداة لتعديل خط انسحابه المحدد في الخرائط، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية وضع قواته مكعبات إسمنتية في البداية على الخط الأصلي ثم دفعها لاحقًا نحو 200 متر إضافية داخل الحي خلال ديسمبر/كانون الأول 2025.
وعقب ذلك، شرع جيش الاحتلال بتسوية المنطقة وهدم ما لا يقل عن 40 مبنى سكني ضمن المساحة التي تمدد إليها حديثًا، محوّلاً أجزاء واسعة من الحي إلى أنقاض متناثرة.
ولم يتبقَ سوى عدد ضئيل من المباني قائماً بين مواقع الكتل الجديدة وخط الهدنة الأصفر الأصلي، في مشهد يجسّد حجم الدمار ضمن المنطقة العازلة التي توسعت على حساب مساكن المدنيين.
وفي جنوب القطاع، لم تكن خان يونس بمنأى عن إجراءات مماثلة لترسيخ الخطوط الجديدة. تُظهر صور حديثة أن قوات الاحتلال نصبت في ديسمبر/كانون الأول كتلاً خرسانية متقدمة بنحو 390 مترًا وأخرى بـ220 مترًا خارج حدود الخط المتفق عليه شرق خان يونس.
تزامن ذلك مع تدمير عدة مبانٍ في تلك الأنحاء وتفكيك تجمعين من خيام النازحين اللذين كانا يؤويان مئات الأسر الفارّة من القتال.
وعلى امتداد الخط الأصفر، أقام جيش الاحتلال ما لا يقل عن ستة تحصينات عسكرية ضخمة قرب حدود سيطرته – بعضها على بُعد نحو 264 مترًا فقط من الخط في بيت حانون شمالًا – بغرض تموضع الجنود وتأمين المواقع المستحدثة.
ورغم هذه الوقائع الميدانية، يدعي جيش الاحتلال عدم إجرائه أي تغيير أحادي للخطوط، زاعما أن وضع تلك الكتل يندرج ضمن “ترتيبات ميدانية مؤقتة” لضمان سلامة قواته، وأن اختلاف مواقع العلامات على الأرض مردّه عوائق تضاريسية وميدانية فرضت ذلك.
أبرز التبعات على السكان
أدت هذه التوسعات المتكررة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، الذي يعاني أصلًا من اكتظاظ شديد بعد أكثر من عامين من الحرب.
فقد بات أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين في نطاق جغرافي لا يتعدى ثُلث مساحة قطاع غزة الكلية، معظمهم يفترشون الخيام أو يقطنون مباني متضررة في ظل شح خدمات الإيواء الأساسية.
- وسع جيش الاحتلال نطاق سيطرته شرق خان يونس 5 مرات منذ وقف إطلاق النار، ما أدى إلى تهجير ما لا يقل عن 9 آلاف فلسطيني من تلك المنطقة وحدها، وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
- آخر عملية توغل بعد إسقاط المناشير على بني سهيلا، تسببت بتهجير نحو 3000 شخص، في سياق وصفه المكتب بأنه سياسة ترهيب وضغط ممنهجة على المدنيين لدفعهم بعيدًا عن مناطقهم.
- مواصلة تمديد الخط الأصفر نحو الغرب أدت إلى نزوح الآلاف وضغط كل سكان غزة في شريط ساحلي ضيق لا تتجاوز مساحته 30% من مساحة القطاع الأصلية، وفق تصريح رسمي لحركة حماس.
ويحذّر مسؤولون محليون من أن موجات النزوح الأخيرة، زادت الوضع الإنساني تدهورا في مراكز الإيواء المكتظة أصلًا.
فالملاجئ المؤقتة والبنية التحتية المنهكة في ذلك الشريط السكاني الضيق تتعرض لضغط متزايد يفوق طاقتها، وسط محدودية خيارات الانتقال أو العودة إلى الديار الأصلية الواقعة الآن خلف الخطوط “الإسرائيلية” الجديدة.
ترسيخ احتلال دائم
أثارت هذه التحركات موجة تحذيرات محلية ودولية من أن يكون قطاع غزة أمام سيناريو تقسيم فعلي وترسيخ لاحتلال طويل الأمد تحت ستار الأمن.
ويؤكد مسؤولون فلسطينيون أن هذا الواقع المستجد يكرّس فصلًا قسريًا للمناطق التي تسيطر عليها “إسرائيل”، محذرين من أن أعمال إعادة الإعمار ربما تقتصر على تلك المناطق الواقعة تحت قبضة الاحتلال، في حين تترك بقية غزة مدمرة ومكدّسة بالسكان دون أفق واضح.
ومن جانب آخر، كشفت تصريحات رسمية في “تل أبيب” نوايا صريحة للإبقاء على تواجد عسكري دائم داخل غزة.
فقد أعلن وزير جيش الاحتلال “إسرائيل كاتس” أكثر من مرة أن “تل أبيب”، لن تنسحب بالكامل من غزة، موضحًا أنه حتى في حال الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة لن يتم التخلي عن شريط أمني واسع داخل القطاع “لحماية المستوطنات المجاورة”.
ويشكّل هذا الموقف خرقًا واضحًا لخطة وقف الحرب، التي اشترطت تثبيت خطوط القتال وعدم توسيعها فضلًا عن حظر إعادة احتلال غزة أو إقامة مستوطنات جديدة فيها.
ومع بدء تنفيذ المرحلة التالية من اتفاق الهدنة، تتزايد الشكوك حول مستقبل غزة بسبب مماطلة جيش الاحتلال بالانسحاب وادعائه أن ذلك مرتبط بنزع السلاح من غزة.
وفي ظل الواقع الحالي الذي فرضته القوة العسكرية للاحتلال على الأرض، يخشى الفلسطينيون أن تتحول التفاهمات المؤقتة إلى حدود دائمة، لتبقى غالبية السكان محشورين في مساحة صغيرة معدومة الموارد، بينما تواصل “إسرائيل” إحكام قبضتها على ما تبقى من القطاع.