على أنقاض مدينة رفح جنوب قطاع غزة، تخطط الإمارات لتمويل ما وصف بأنه “أول مجتمع سكني مخطط” للفلسطينيين، بحيث يحصل السكان فيه على خدمات أساسية مزعومة كالتعليم والرعاية الصحية والمياه، شريطة أن يقدّموا بياناتهم البيومترية (البصمات) ويجتازوا “الفحص الأمني”.
يمثل هذا المخطط، الذي كشفت تفاصيله صحيفة الغارديان البريطانية، أول استثمار إماراتي من نوعه في مشروع مزعوم لإعادة إعمار غزة بعد العدوان الإسرائيلي.
رغم تسويق المشروع تحت مسمّى “مجتمع سكني مخطط” أو “مدينة إنسانية”، حذّر مراقبون فلسطينيون وحتى إسرائيليون من أنه أشبه بـ”غيتو” أو معسكر واسع بسيطرة إسرائيلية، يفرض الدخول إليه والخروج منه عبر بوابات بفحص بيومتري وإجراءات أمنية مشددة.
خلفية المخطط وأهدافه
هذا المخطط الذي حاز على موافقة المخططين العسكريين في “إسرائيل” وفق الغارديان، جاء ضمن رؤية أوسع طرحتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لما بعد حرب غزة 2023-2025.
فقد قسّم اتفاق الهدنة الهش برعاية ترامب قطاع غزة إلى منطقتين: “خضراء” تسيطر عليها قوات الاحتلال، و”حمراء” خاضعة لما أطلقت عليه واشنطن “حكم حماس”.
ومن المفترض بحسب الخطة، أن تبدأ عملية إعادة الإعمار في جميع أنحاء القطاع، لكن الاحتلال وواشنطن بدءا الترويج لمشاريع تقع فقط في النطاق الذي تسيطر عليه “إسرائيل” ويسمى الخط الأصفر (نحو 58 ٪).
وفي المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس خلال يناير/كانون الثاني 2026، كشف جاريد كوشنر، صهر ترامب، عن مخطط شامل لما أسماه “إعادة تطوير ساحل غزة بأكمله” عبر إنشاء ثمانية تجمعات سكنية جديدة، بينها منطقتا تطوير تحملان اسم “رفح 1” و”رفح 2″، بحيث تُبنى مدينة أولى باسم “رفح الجديدة”.
وقد وعد ما يسمى “مجلس السلام” (الهيئة المستحدثة للإشراف على إعمار غزة) بأن توفر “رفح الجديدة” 100 ألف وحدة سكنية دائمة و200 مركز تعليمي و75 مرفقًا طبيًا عند اكتمالها.
وخلف العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة دمارًا هائلًا؛ حيث جرى تدمير أو تضرر نحو 75 % من مباني القطاع وبُناه التحتية. وقدّر خبراء الأمم المتحدة أن إعادة إعمار القطاع ستتطلب ما لا يقل عن 70 مليار دولار، وربما تمتد إلى 80 عامًا نظرًا لحجم الدمار والاستمرار المحتمل للحصار.
وتشكل “مجلس السلام” بغطاء من ترامب، وكانت الإمارات من أوائل الدول التي انضمت إليه بدعوة من الرئيس الأمريكي، في مؤشر على تبنيها المشروع سياسيًا إلى جانب تمويله.
وفي أواخر عام 2025، أشارت تقارير صحفية إلى عزم الفريق الأمريكي المُكلّف الإسراع في بناء أول مجمع سكني في رفح خلال أسابيع، على أن يستغرق إنجازه عدة أشهر بتكلفة تُقدر بعشرات ملايين الدولارات.
وقد أكد جيش الاحتلال بالفعل بدء عمليات تمهيد الأراضي في موقع رفح المُختار، بما في ذلك إزالة الأنفاق والمنازل المفخخة والركام شرق ما يُعرف بخط “المناطق الصفراء” الفاصل.
وتزعم “إسرائيل” أنها لن تشارك مباشرةً في بناء أو إدارة المجمع الإماراتي، وإنما ستوكل المهمة عند بدء الإنشاء للقوة الدولية التي يفترض أن تحافظ على اتفاق وقف إطلاق النار.
معالم المشروع وشروط الإقامة
يُعد المجمع المخطط إنشاؤه في رفح بمثابة مشروع نموذجي (دراسة حالة) وفق هذه الشروط والتفاصيل:
- يمكن أن يستوعب نحو 25 ألف فلسطيني من سكان القطاع.
- سيقام المشروع في منطقة خاضعة بالكامل لسيطرة الاحتلال جنوبي رفح، على مساحة 1 كم² عند تقاطع ممرّين عسكريين.
- لن يُسمح بدخول هذا الحي السكني إلا لفلسطينيين “مدعوين” وفق معايير إسرائيلية محددة.
- تُعطى الأولوية لمن كانوا يقيمون في منطقة رفح (خاصة مخيم الشابورة) قبل الحرب.
- تُفضل الأسر الفلسطينية الممتدة والكاملة لضمان “شبكات التكافل”.
- يُشترط توفر مهن أساسية بين الأفراد كالمدرسين والطواقم الطبية وعمال الإنقاذ والتجار والموظفين والإداريين والمصرفيين.
- يخضع جميع المرشحين للسكن لتدقيق أمني صارم بهدف منع تسلل أي عناصر مقاومة أو إدخال أسلحة إلى المجمع.
- سيدخل الفلسطينيون القادمون من “المنطقة الحمراء” إلى المجمع عبر حاجز إسرائيلي على الخط الفاصل.
- يتوجب على السكان الخضوع لإجراءات “التوثيق البيومتري” والفحص الأمني قبل السماح لهم بالإقامة.
- الدخول والخروج سيكون منوطًا باجتياز نقاط تفتيش تهدف لمنع إدخال أي أسلحة أو عناصر “معادية”.
- سيُسجل كل داخل إلى المجمع عبر بصماته ضمن قاعدة بيانات خاصة لإدارة الحي، ترتبط بأرقام الهويات الفلسطينية.
- إداريا، يجري التخطيط لتشكيل إدارة مدنية محلية للمجمع، حيث ستُعيّن لجنة مؤقتة من بين السكان لإدارة شؤونه اليومية، على أن تُنظّم انتخابات مستقبلية لاختيار مجلس إدارة محلي مع تطور المشروع واستقراره.
- ستتولى هذه الإدارة المحلية تنسيق الخدمات البلدية الأساسية (كالمياه والكهرباء والصرف الصحي) بالتعاون مع الجهات المانحة، مع إنشاء آلية إشراف تضمن وصول الأموال مباشرةً إلى مشاريع المجمع دون المرور عبر قنوات السلطة الفلسطينية التقليدية.
- أرض المجمع ستكون من “الأملاك العامة”، وقد أجري بالفعل استعراض لوثائق ملكية الموقع في أواخر 2025 للتثبت من عدم وجود مالكين.
- لضمان الأمن الداخلي، يُقترح تشكيل قوة شرطة مدنية خاصة بالحي تعمل تحت إمرة القوة الدولية لحفظ الاستقرار.
النظام الاقتصادي والتعليمي
وضعت المخططات تفاصيل لنظام اقتصادي وتعليمي خاص داخل “المجمع الإماراتي”.
فمن الناحية الاقتصادية، سيتم فرض التحول إلى التعامل الرقمي عبر اعتماد محافظ إلكترونية بالشيكل الإسرائيلي كوسيلة دفع رئيسية للسكان، بدعوى أنها وسائل “مؤمّنة” تحدّ من تسريب الأموال والسلع إلى “قنوات تمويل حماس”.
وبذلك ستخضع حركة الشراء والبيع لمراقبة لصيقة ضمن البنية المالية الواقعة تحت هيمنة الاحتلال، مع فتح فرع لبنك فلسطين داخل المجمع لتسهيل المعاملات.
كما تنص الخطة على السماح باستيراد البضائع إلى داخل المجمع “لتشجيع النمو الاقتصادي”، لكن دخول السلع سيبقى خاضعًا لقيود أمنية مشددة عبر المعابر، علمًا بأن “إسرائيل” تفرض حصارًا محكمًا ورقابة صارمة على إدخال المواد إلى غزة منذ قرابة عشرين عامًا.

أما من الناحية التعليمية، فسيتبنى المجمع منهاجًا دراسيًا إماراتيًّا بديلًا عن المنهاج الفلسطيني المعتاد.
وقد جاء في التصورات أن المناهج ستقوم على ترسيخ ما أطلق عليه “ثقافة السلام” وفق النموذج الإماراتي، بدلًا من المحتوى الوطني.
ويهدف هذا البرنامج التعليمي إلى إعادة هندسة الوعي عبر محاولة تفكيك السردية الفلسطينية وإنتاج جديد منسلخ عن قضيته وهويته.
وتنسجم هذه الرؤية مع نص اتفاق التطبيع الإماراتي–”الإسرائيلي” (اتفاقات أبراهام 2020) الذي تعهّد فيه الجانبان بـ”تعزيز التفاهم والاحترام المتبادل والتعايش وثقافة السلام بين مجتمعاتهما”.
انتقادات ومخاوف
أثار مشروع “المجمع السكني” المقترح ردود فعل منتقدة تشكك في دوافعه وتخشى تداعياته. فقد اعتبر المفاوض الإسرائيلي السابق دانييل ليفي، أن هذا المخطط يوفر “طبقة أخرى من الإذن” لـ”إسرائيل” للاستمرار في “تطهير” منطقة رفح من الفلسطينيين عبر القتل والتهجير – من دون الحاجة حتى لوضع حجر واحد على الأرض.
كما رأى ليفي أن مشاركة الإمارات تسمح للاحتلال بالادعاء أن بناء هذه المعسكرات يتم “بدعم من دولة عربية”، مما يصرف الأنظار عن حقيقة أن “إسرائيل” تحتل فعليًا 58% من مساحة غزة عبر تصوير الجزء الخاضع لها كنموذج “غزة السعيدة” المزدهرة بالمدارس والمحاكم والمستشفيات.
وحذّر خبراء في العمل الإنساني من أن هذه المخططات تمثل “مرحلة جديدة من تحويل المساعدات الإنسانية إلى سلاح” بيد القوى المهيمنة.
فبعد أن “سُوِّيت غزة بالأرض وتعرّضت للتجويع والحصار المتعمّد” خلال السنوات الماضية، يرى المسؤول الأممي السابق جوناثان ويتال أن هذه “المجتمعات الجديدة المبنية على أنقاض منازل الناس ليست سوى مختبرات حوكمة لاختبار السيطرة المطلقة وإخضاع الفلسطينيين، وهي أيضًا إعادة إحياء لمخيمات اللاجئين”.
وهذه المجمعات مُصمَّمة لحصر جيل جديد من الفلسطينيين المُهجرين “ضمن مناطق آخذة في الانكماش تخضع لسيطرة إسرائيلية” مقابل أبسط مقومات البقاء، بينما تُترك المناطق “الحمراء” الأخرى عرضة للقصف والحصار وبعيدة عن أي نظام إنساني فاعل.
ويعتقد محللون أن إغراء الأهالي بالغذاء والمسكن قد لا ينجح في تحقيق ما تصبو إليه “إسرائيل” من تفريغ لمناطق تزعم أنها تحت سيطرة حماس.
إذ أشار الباحث الفلسطيني محمد شحادة إلى أن هذه التكتيكات “تتجاهل السياسة” ولن تدفع بالضرورة سكان “المنطقة الحمراء” للنزوح إلى المجمعات الجديدة لمجرد توفير الطعام.
ويتوقع كثيرون أن النتيجة الحقيقية لهذه المخططات ستكون مزيدًا من التقسيم الديمغرافي والتطهير؛ حيث يخشى البعض أن تنشئ الولايات المتحدة و”إسرائيل” بضعة مجمعات محدودة العدد (نحو 20–25 ألف نسمة لكل منها) يتم اختيار قاطنيها بعد “فلترة” أمنية دقيقة، بينما يتحول باقي القطاع إلى “أرض خراب” تُشجّع فيها ظروف البؤس والدمار على التهجير الجماعي.
علاوة على ذلك، نبّه مراقبون أوروبيون إلى التناقض بين هذه المخططات والواقع الميداني المتأزم في غزة. وبحسب وكالة رويترز، تدرس عدة دول أوروبية تقليص مشاركتها في مركز التنسيق الأمريكي في “إسرائيل” (CMCC) – أو حتى الانسحاب الكامل منه – بعدما تبيّن أن وجوده لم يُسهم في زيادة وصول المساعدات إلى غزة.
في المقابل، تستخدم “تل أبيب” مثل هذه المشاريع لتجميل سياساتها أمام العالم، وكان من اللافت أن جاء هذا الاتهام من داخل “إسرائيل” نفسها.
إذ قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت إن إنشاء “مدينة إنسانية” في رفح ما هو إلا ترسيخ لفكرة حشر الفلسطينيين في معسكرات مغلقة ضمن عملية “تطهير عرقي” أوسع، مبينا أن هذه “المدينة” عبارة عن معسكر اعتقال حديث يهدف إلى حشر مئات الآلاف فيه دون أي أفق سياسي.