ترجمة وتحرير: نون بوست
من المنتظر أن يشهد مشروع «نيوم»، المشروع الرائد لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تقليصًا ملحوظًا وإعادة تصميم شاملة، مع اقتراب مراجعة التطوير الضخم من نهايتها بعد سنوات من التأخيرات وتجاوزات الميزانية.
وأفاد أشخاص مطلعون على الملف بأن الأمير محمد، رئيس مجلس إدارة نيوم، يتجه حاليًا إلى تصور مشروع «أصغر بكثير»، في دلالة على إقرار الرياض بإخفاقات التصور الأصلي شديد الطموح، وآليات التواصل المصاحبة له، إضافة إلى المرحلة الأولى من أعمال التنفيذ.
ويمتد المشروع على طول ساحل البحر الأحمر في المملكة العربية السعودية، على مساحة تقارب مساحة بلجيكا.
وفي هذا السياق، من المقرر أن يتم تقليص مشروع «ذا لاين» — المدينة الخطية المستقبلية التي تُعد حجر الأساس في المشروع العملاق — بشكل جذري. وأشار المطلعون إلى أن نيوم قد تتحول إلى مركز لمراكز البيانات، في إطار التوجه القوي الذي يقوده الأمير محمد لترسيخ مكانة المملكة كلاعب رئيسي في مجال الذكاء الاصطناعي.

وتأتي هذه التغييرات في وقت تسعى فيه الرياض إلى إعادة ضبط أوضاعها المالية، في ظل تشديد السيولة بعد عقد من الإنفاق المكثف، ومع استمرار أسعار النفط عند مستويات منخفضة. كما تواجه المملكة مواعيد نهائية صارمة مرتبطة باستعدادات مكلفة لاستضافة معرض «إكسبو» الدولي 2030، وكأس العالم لكرة القدم 2034.
ومنذ إطلاقه الأولي، واجه مشروع نيوم موجة واسعة من التشكيك داخل المملكة وخارجها. غير أن المطلعين على الملف يرون أن التعديلات المرتقبة تعكس استعداداً حكومياً للتكيف مع الواقع وإعادة تقييم الخطط، وقال أحدهم: «هذا يُظهر أن النظام يمتلك القدرة على تعديل أهدافه».

ومن المتوقع أن تُختتم المراجعة، التي استمرت عامًا كاملًا، بحلول نهاية الربع الأول من العام الجاري أو بعد ذلك بقليل.
وفي بيان لصحيفة «فايننشال تايمز»، أكدت نيوم أنها «تعمل باستمرار على دراسة كيفية تنفيذ مبادراتها على مراحل وتحديد أولوياتها بما يتماشى مع الأهداف الوطنية ويحقق قيمة طويلة الأجل»، وأضافت: «وبوصفه مشروعًا يمتد عبر أجيال، تمضي نيوم قدمًا في تطوير مشاريعها بما يتوافق مع الأولويات الاستراتيجية، وجاهزية السوق، والأثر الاقتصادي المستدام».
وعقب إطلاق نيوم في عام 2017، أُعلن عن عدد من المشاريع العملاقة ضمن نطاق التطوير، من بينها «ذا لاين»، الذي كان من المخطط أن يمتد لمسافة 170 كيلومترًا من الساحل إلى الداخل عبر جبال صحراوية، إلى جانب منتجع التزلج «تروجينا»، الذي كان مقررًا أن يستضيف دورة الألعاب الشتوية الآسيوية عام 2029، إضافة إلى المنطقة اللوجستية والصناعية الساحلية المعروفة باسم «أوكساجون».
وأعلنت الرياض، يوم السبت، أن «تروجينا» — الذي سيتم تقليص حجمه — لن يستضيف دورة الألعاب الشتوية الآسيوية كما كان مقررًا.
وقال شخص مطلع على التطورات إن المهندسين المعماريين يعملون بالفعل على إعادة تصميم «ذا لاين» — الذي خضع بالفعل لتقليص كبير — بهدف تطوير مشروع أكثر «تواضعًا» يستفيد من البنية التحتية القائمة التي جرى إنشاؤها خلال السنوات القليلة الماضية. وأضاف: «سيكون “ذا لاين” مفهومًا مختلفًا تمامًا، وسيعتمد على استخدام البنية التحتية الحالية بطريقة مغايرة كليًا».

وأشار الشخص إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزًا أكبر على القطاعات «الصناعية» ضمن مشروع نيوم، بما في ذلك التوجه نحو تحويله إلى مركز لمراكز البيانات.
وأوضح قائلًا: «تتطلب مراكز البيانات أنظمة تبريد مائي، وبالنظر إلى أن الموقع يقع مباشرة على الساحل، سيتم الاعتماد على مياه البحر لأغراض التبريد، ما يؤهل نيوم لتكون مركزًا رئيسيًّا لمراكز البيانات».
وفي هذا السياق، أكدت نيوم أنه في الوقت الذي «تعمل فيه المملكة على ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للبيانات والذكاء الاصطناعي، تركز نيوم على استقطاب المستثمرين والشركاء والمستأجرين في هذه القطاعات سريعة النمو».
وأضافت أن المشروع يتمتع «بعدة مزايا طبيعية»، تشمل بنية تحتية رقمية متقدمة، وموقعًا استراتيجيًّا «عند ملتقى ثلاث قارات»، إلى جانب إمكانية الوصول إلى «طاقة متجددة وفيرة ومنخفضة التكلفة»، فضلًا عن توفر مساحات شاسعة من الأراضي.

وعلى مدى سنوات، شكّلت نيوم مصدرًا رئيسيًّا للإيرادات لشركات الاستشارات والبناء والهندسة المعمارية، مع ضخ عشرات المليارات من الدولارات فيما وُصف بأنه أكبر موقع إنشاءات في العالم. غير أن وتيرة الأعمال تباطأت عقب المغادرة المفاجئة للرئيس التنفيذي المخضرم ناظمي النصر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024.
وفي أعقاب ذلك، أطلق خلفه أيمن المديفر، خلال العام الماضي، مراجعة «شاملة» لنطاق المشاريع وأولوياتها ضمن إطار التطوير.
وكان الأمير محمد بن سلمان، الذي كشف عن مشروع نيوم ضمن خططه الطموحة لتحديث المملكة وتنويع اقتصادها المعتمد على النفط، قد أكد علناً أنه لن يتردد في إلغاء المشاريع أو تعديلها إذا اقتضت مصلحة البلاد ذلك.
وقال في كلمته أمام مجلس الشورى في سبتمبر/أيلول: «نحن عازمون — بعون الله وقدرته — على تحقيق هذه الأهداف [أهداف التحول] وإنجازها، غير أننا نؤكد في الوقت نفسه أننا لن نتردد في إلغاء أو إجراء أي تعديل جذري على أي برامج أو مستهدفات إذا وجدنا أن المصلحة العامة تقتضي ذلك».
وتتبع نيوم «صندوق الاستثمارات العامة»، الذي تُقدَّر أصوله بنحو تريليون دولار، ويرأسه أيضًا الأمير محمد بن سلمان، والمكلّف بقيادة خطط التحول الاقتصادي. إلا أن الصندوق يواجه ضغوطًا متزايدة لتحقيق عوائد على استثماراته الضخمة، في ظل إعادة الرياض ترتيب أولويات الإنفاق، وتخضع محفظة الصندوق من المشاريع العملاقة حاليًا لعملية مراجعة.
المصدر: فاينانشال تايمز