أُسدل الستار على معركة قانونية امتدّت لسنوات حول تطبيق تيك توك في الولايات المتحدة، بإعلان تأسيس كيان أمريكي جديد للتطبيق بعد إتمام صفقة تنص على نقل عملياته وخوارزمياته لتحالف مستثمرين أمريكيين.
هذه الصفقة، التي جاءت تجنبًا لحظر التطبيق بحجة مخاوف الأمن القومي من النفوذ الصيني، منحت عدة شركات استثمارية أمريكية السيطرة على غالبية أسهم “تيك توك” أمريكا – وعلى رأسها شركة أوراكل (Oracle) التي أسّسها الملياردير الشهير لاري إليسون.
وجود إليسون في قائمة المالكين الجدد سلط الأضواء على شخصه وأثار نقاشًا حادًا حول انعكاسات الصفقة سياسيًا وإعلاميًا، خصوصًا في ما يتعلق بحرية المحتوى المرتبط بالقضية الفلسطينية.
لاري إليسون وجدل تيك توك
لاري إليسون قطب تقني أمريكي ومؤسس مشارك لشركة البرمجيات العملاقة أوراكل، بلغت ثروته مراحل قياسية مؤخّرًا حتى أنه لفترة وجيزة في عام 2025 تفوّق على إيلون ماسك ليصبح أغنى رجل في العالم بثروة تُقدّر بحوالي 393 مليار دولار.
اشتهر بأسلوب حياة فخم وامتلاكه لجزيرة كاملة في هاواي، لكن الأهم هو نفوذه الواسع في وادي السيليكون وعلاقاته السياسية المتشعبة. فعلى الصعيد السياسي، يُعدّ إليسون حليفًا وثيقًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأحد كبار المتبرعين للحزب الجمهوري.
ظهر اسمه منذ إدارة ترامب الأولى كداعم، حيث استضاف فعاليات لجمع التبرعات لصالحه ورافقه في مناسبات مختلفة، وترامب نفسه أثنى على إليسون بشكل لافت واصفًا إياه بأنه “رجل ومدير مذهل… المدير التنفيذي لكل شيء”، في دلالة على حجم تأثيره ومكانته لدى أوساط المحافظين الأمريكيين.
وجود إليسون ضمن تحالف مشتري “تيك توك” أثار جدلًا لعدة أسباب. أولها أن الصفقة بدت للكثيرين كأنها انتصار سياسي لترامب وحلفائه؛ إذ ستؤول المنصة الاجتماعية ذات الشعبية الواسعة إلى أيدي حلفاء الرئيس من رجال الأعمال.
تؤكد تقارير أن البيت الأبيض بارك الصفقة بوصفها تحقق هدف نقل المنصة لملكية أمريكية، لكن منتقدين يشيرون إلى أن أسماء المستثمرين – وبينهم إليسون – تدل على مشروع لتحويل تيك توك إلى أداة إعلامية منحازة.

فتواجد شخص مثل إليسون، المعروف بانحيازاته السياسية، يعني لدى هؤلاء أننا أمام احتمال رقابة من نوع آخر على المنصة، تختلف عن الرقابة الصينية السابقة.
وبالفعل، رصد محللون أن عائلة مردوخ الإعلامية المحافظة (مالكة فوكس نيوز) ومليارديرات مقربين من ترامب (مثل مايكل ديل) ضمن المستثمرين أيضًا، ما دفع بعض المراقبين للتحذير من قيام “شبكة إعلامية أمريكية رسمية” تدير ما يراه الناس ويسمعونه.
بكلمات أخرى، يخشى المنتقدون أن يتحول تيك توك تحت إدارة إليسون وشركائه إلى منصة تخدم مصالح تيار اليمين الأمريكي وتعزز روايته، بدلًا من التعددية التي عُرفت بها.
صلات إليسون بـ “إسرائيل”
يثير حضور إليسون في هذه الصفقة تساؤلات خاصة حول علاقته بـ”إسرائيل” وتأثير ذلك على سياسات تيك توك على اعتبار أن اسمه ليس غريبًا عن الأوساط الإسرائيلية؛ فهو يهودي الديانة وصاحب مواقف داعمة علنية لـ”تل أبيب”.
بل وأكثر من ذلك، يعد إليسون أكبر متبرع فردي لجيش الاحتلال عبر منظمة ما تسمى “أصدقاء جيش الدفاع الإسرائيلي” (FIDF) في الولايات المتحدة، ففي عام 2017، قدّم إليسون تبرعًا غير مسبوق بلغ 16.6 مليون دولار لتلك المنظمة – وهو أكبر تبرع في تاريخها آنذاك.
وقال حينها أثناء حفل التبرع إن “لا شرف أعظم من دعم بعض أشجع الناس في العالم”، وفق تعبيره، في إشارة منه لجنود جيش الاحتلال.
لم يقتصر دعم إليسون على الأموال؛ فقد بنى علاقات شخصية مع قيادات إسرائيلية بارزة. فهو صديق مقرب لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ويستضيفه بين الحين والآخر في ممتلكاته الفاخرة مثل جزيرة لاناي الخاصة به في هاواي.
في عام 2021، حتى عندما كان نتنياهو زعيمًا للمعارضة، كشفت تقارير أنه قضى عطلة في جزيرة إليسون الخاصة بينما كان الأخير أحد شهود الادعاء في محاكمة نتنياهو الجارية آنذاك – ما يشير إلى عمق الصداقة والثقة بينهما.
كما أفادت مصادر صحفية أن إليسون عرض على نتنياهو الانضمام إلى مجلس إدارة شركة أوراكل عام 2021، في خطوة فسّرها البعض كمحاولة لمنحه منصبًا اعتباريًا ودعمًا سياسيًا خلال فترة حرجة في حياته السياسية.
وإلى جانب ذلك، فإن أوراكل نفسها لها حضور قوي في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ فقد افتتحت عام 2021 مركز بيانات سحابيًا ضخمًا في القدس بقيمة 319 مليون دولار، وكانت أول شركة تقنية متعددة الجنسيات تقدم خدمات سحابية هناك.
وصرّحت المديرة التنفيذية لأوراكل سافرا كاتس بشكل واضح عام 2021 أن “التزام الشركة تجاه إسرائيل لا يُضاهيه التزام”، بل وذهبت أبعد من ذلك بالقول إن الموظفين الذين “لا يتفقون مع مهمتنا في دعم دولة إسرائيل فربما نحن لسنا الشركة المناسبة لهم”.
في “إسرائيل”، ينظر الكثيرون بعين الرضا إلى نفوذ إليسون المتصاعد في عالم الإعلام والتقنية، فالصحافة العبرية المقربة من حكومة الاحتلال أشادت ضمنًا بدوره في صفقة تيك توك؛ إذ اعتبرته ضمانة لترجيح كفة الرواية الإسرائيلية على المنصة.
نتنياهو نفسه وصف استحواذ حلفاء أمريكا على تيك توك بأنه “أهم عملية استحواذ جارية الآن”، مؤكّدًا “آمل أن يتم ذلك لأن له تأثيرًا كبيرًا”.
وفي لقاء له مع ناشطين داعمين لـ”إسرائيل”، أشار نتنياهو إلى أن السيطرة على وسائل التواصل (وعلى رأسها تيك توك) باتت “من أهم أسلحتنا الدعائية في مواجهة وابل الفيديوهات من غزة” التي تجتاح عقول الشباب، وفق تعبيره.
تأثيرات الصفقة على الفلسطينيين
هذا الحماس الإسرائيلي يقابله على الضفة الأخرى تخوف شديد لدى الفلسطينيين ومناصريهم، الذين يرون في إليسون شخصية منحازة تمامًا لـ”تل أبيب” قد تستغل نفوذها لقمع المحتوى المناصر للفلسطينيين.
فخلال السنوات الأخيرة أصبح تيك توك إحدى أهم المنصات التي يستخدمها الشباب الفلسطيني ومناصرو القضية الفلسطينية لإيصال صوتهم وعرض معاناتهم تحت الاحتلال.
وقد برز ذلك بشكل جليّ أثناء العدوان الأخير على غزة، حيث غمرت مقاطع الدمار وضحايا العدوان الإسرائيلي التطبيق وجذبت تعاطفًا عالميًا واسعًا.
هذه الظاهرة أثارت قلقًا كبيرًا في الأوساط الإسرائيلية الداعمة للحرب؛ حتى أن منظمات يهودية أمريكية عديدة وصفت تيك توك بأنه “الأسوأ على الإطلاق” في نشر ما تعتبره محتوى معاديًا لـ”إسرائيل” والسامية، وفق زعمها.
فعلى سبيل المثال، كان المدير التنفيذي لرابطة مكافحة التشهير (ADL) يردد أواخر 2023: “لدينا حقًا مشكلة في تيك توك مع الجيل Z، ويجب أن نوجّه طاقتنا لحلها بسرعة”.
كما كشفت تصريحات مسؤولين أمريكيين أن تصاعد المحتوى المؤيد لفلسطين على المنصة لعب دورًا في تسريع الدفع نحو حظرها أو بيعها.
السيناتور الجمهوري البارز ميت رومني قال بصراحة في مايو/أيار 2024: “إذا نظرتم إلى المنشورات على تيك توك وعدد المرات التي ذُكر فيها الفلسطينيون مقارنة بمنصات التواصل الأخرى، فستجدون أن الكفة راجحة بشكل هائل في هذا التطبيق”.
هذه المعطيات تفسّر أسباب فرح مؤيدي “إسرائيل” بفكرة انتقال تيك توك إلى أيدٍ أمريكية “صديقة”، فهم يأملون بتغيير خوارزمية المنصة وتنقيح محتواها بطريقة تكبح انتشار الرواية الفلسطينية.
وبالفعل، وصف الاتحاد اليهودي لأمريكا الشمالية (JFNA) صفقة البيع بأنها “لحظة أمل عظيمة” في تصحيح مسار تيك توك الذي اعتبره “أخطر ناشر للكراهية ضد إسرائيل”، وفق تعبيره.
ومع تولّي إليسون ومجموعته دفة القيادة، هناك مخاوف معلنة من تغير سياسات المحتوى على تيك توك، إذ أن المنصة ستخضع لإشراف أمني وتقني مباشر من أوراكل، بما يشمل إعادة تدريب خوارزمية توصيات الفيديو اعتمادًا على بيانات المستخدمين الأمريكيين فقط.
وبينما تقول الشركة إن هذا يأتي لضمان أمن البيانات والخصوصية، يرى خبراء أن تغيير “خلطة” الخوارزمية قد يؤدي إلى تغيّر تدريجي فيما يظهر للمستخدمين من محتوى. وبالتوازي مع ذلك، يتوقع كثيرون تشديد معايير الإشراف على المحتوى السياسي.
كما حذّرت “نيويورك ماغازين” من أن المالكين الجدد “سيستغلون المنصة لدفع رسائل موالية لتيار ترامب (MAGA)” وربما قمع الأصوات المؤيدة للفلسطينيين.
كذلك، الكاتبة تايلور لورنز، المعروفة بتغطية الإعلام الرقمي، صرّحت لموقع +972 الإخباري الإسرائيلي بأن محتوى الفلسطينيين قد يغيب تمامًا عن تيك توك الجديد.
وبينت أن تجربة إكس (التي تحوّلت إلى منصة منبر لخطاب اليمين المتطرف تحت ملكية إيلون ماسك) قد تتكرر على تيك توك، مما ينذر بانحياز المنصة بشكل حاد وتضييق الخناق على المحتوى المناصر للفلسطينيين.