يشهد عام 2026 توترات سياسية حادة منذ بدايته، ففي الأسبوع الأول منه خطف جنود أمريكيون الرئيس الفنزويلي واقتادوه إلى نيويورك بأمر مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيما تشهد إيران احتجاجات غير مسبوقة وجدت فيها واشنطن فرصة للتهديد بالتدخل العسكري وسط تحشيدات تشي بقرب ضربة أمريكية جديدة بتحفيز ودفع إسرائيلي.
تطورات أعادت فتح النقاش حول تراجع العمل بالقانون الدولي، والشكل الجديد للنظام العالمي في ظل إعلان الرئيس الأمريكي عن “مجلس السلام” كبديل محتمل للقانون الدولي والمؤسسات الدولية التي ولدت عقب الحرب العالمية الثانية.
ولفك شفرات هذا المشهد المعقد، نحاور الباحث السياسي المخضرم الدكتور حسني عبيدي، نغوص معه في عمق الاستراتيجيات الأمريكية الجديدة، وتراجع فعالية القانون الدولي، وانكشاف عجز المؤسسات متعددة الأطراف، وصعود مقاربة “الاتجارية الجيوسياسية” التي تتعامل مع الدول والأقاليم بوصفها أوراق تفاوض وأصولًا قابلة للبيع والشراء، وهو نقاش لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يحاول تفكيك جذورها، وقراءة مآلاتها، واستشراف شكل العالم الذي يتكوّن على أنقاض النظام الدولي القديم.
من هو حسني عبيدي؟
- باحث من مواليد مدينة الونزة بولاية تبسة الجزائرية، عام 1964، مقيم في سويسرا.
- يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، جامعة جنيف.
- يدير مركز الأبحاث والدراسات حول العالم العربي والمتوسط (سيرمام CERMAM).
- عمل مستشارًا للعديد من المؤسسات الدولية، بما في ذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر، واليونسكو، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، وتحالف الأمم المتحدة للحضارات
من الخروقات الجسيمة لـ”إسرائيل” للقانون الدولي في حربها في غزة وصولًا إلى العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا، هل نشهد انهيارًا للقانون الدولي مقابل سيادة منطق القوة العسكرية؟
يُعد القانون الدولي أحد الركائز الأساسية للمجتمع الدولي منذ فشل عصبة الأمم، فقد تم ابتكار “الدبلوماسية متعددة الأطراف” كنتيجة حتمية لبروز الأمم المتحدة، التي قامت على فكرة أن لكل دولة الحق في التصويت، صغيرة كانت أم كبيرة، فقيرة أم غنية، باستثناء مجلس الأمن الذي خضع لظروف نهاية الحرب العالمية الثانية.
لكن عندما يُنتهك القانون ولا يُطبَّق، يفقد النظام الدولي توازنه، وهذا لا يرتبط بغزة فقط، بل يعود إلى حرب العراق التي كانت أول محاولة ناجحة للالتفاف على القانون الدولي. الأمر ذاته ينطبق على روسيا التي ترى أنها ليست أول دولة تتحايل على القانون الدولي وتقوم بعمل عسكري يؤدي إلى اضطرابات كبيرة دون أن تُعاقب.
أما ما حدث في غزة فهو تحول نوعي في القانون الدولي، إذ لجأت الولايات المتحدة إلى معاقبة من يعاقب منتهكي القانون الدولي، من خلال فرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية، هذا يمثل تهديدًا مباشرًا للقانون الدولي وما تبقى من مؤسسات الشرعية التي بُنيت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ونعيش اليوم خللًا كبيرًا بسبب انهيار النظام الدولي الموروث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتنصل الدول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن التي تملك حق النقض (الفيتو) من احترام الشرعية الدولية. الولايات المتحدة لا تريد للمنظمات الدولية أي دور فعال، فعندما تنسحب من المنظمات الدولية ويلجأ الرئيس الأمريكي إلى إنشاء منظمات خاصة به، فإننا أمام تحول جذري أصبحت فيه القوة العسكرية والمقايضة ركيزتين أساسيتين لما يمكن تسميته نظامًا دوليًا جديدًا.
لكن من المبكر تحديد طبيعة هذا النظام لأن ملامحه لم تتضح بعد، صحيح أن مقومات النظام القديم تتآكل وتُثار حولها الشكوك، لكن من الصعب جدًا بناء نظام دولي جديد مقبول بالقوة فقط.
إلى أي مدى تعكس استراتيجية ترامب تجاه جرينلاند نمطًا أوسع من “الاتجارية الجيوسياسية”، إذ تُعامل السيادة الإقليمية كأصل قابل للتفاوض والشراء بدلًا من كونها مبدأً راسخًا في القانون الدولي؟
أعتقد أن استراتيجية الرئيس دونالد ترامب تجاه جرينلاند هي امتداد طبيعي لنهجه في السياسة الخارجية القائم على منطق القوة، وفرض العقوبات خاصة عبر التعريفات الجمركية. لقد أصبح أسلوب التخويف والتهديد نمطًا ثابتًا يتبعه الرئيس الأمريكي، نجح من خلاله في إضعاف جميع القوى المضادة له، فمن الصعب الآن على الكونغرس أو مجلس الشيوخ أو المحكمة الفيدرالية أو الإعلام أو المجتمع المدني أو الحزب الديمقراطي تشكيل قوة معارضة قادرة على الوقوف أمام ترامب.
ويسلك ترامب المسار ذاته في السياسة الدولية، إذ لا توجد دولة أو منظمة قادرة على الاعتراض على مساعيه، حتى عندما يحاول الاستيلاء بالقوة على إقليم تابع للدنمارك، وهي دولة عضو في الحلف الأطلسي ومن حلفاء الولايات المتحدة، وهذا يمثل انتهاكًا صارخًا للسيادة واعتداءً على القانون الدولي، فضلًا عن التنصل من المسؤوليات تجاه دولة حليفة.
نظريًا، لا يمكن لكيانين ينتميان إلى حلف “الناتو” مثل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الدخول في حرب مباشرة، لكن منذ اعتراض بعض الدول الأوروبية على تدخل الولايات المتحدة في العراق، لم نشهد توترًا أمريكيًا أوروبيًا بهذا الحجم، فهل يمثل التوتر الحالي حول جرينلاند وأوكرانيا تغييرًا جذريًا في بنية النظام الدولي والتحالفات الغربية؟
ما يحدث بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي صورة طبق الأصل لطبيعة البنية الفكرية لكل دولة أو لكل مسؤول سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية: أوروبا ما زالت تعتقد بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تقتصر على شخص الرئيس ترامب، وأنه يجب أن تكون حذرة ومتوازنة في سياستها مع الرئيس الأمريكي، حتى لا تُنمي أي شعور داخل الشعب الأمريكي مضاد للدول الأوروبية، لأن ولاية الرئيس ترامب ستنتهي، مما يفرض على أوروبا أن تستثمر في المستقبل.
أوروبا لديها القدرة على استعمال أسلحة اقتصادية مهمة جدًا لكن لا تريد أن تصل إلى هذه الحد لأن استعمالها يمكن أن ينمي “الترامبية”، حتى بعد خروج الرئيس الأمريكي من البيت الأبيض، لكن النقطة الأساسية هي أن الدول الأوروبية وصلت إلى قناعة مفادها بأن هناك تساؤلات مشروعة تَمثُل الولايات المتحدة الأمريكية لأوروبا، وهل تعتبرها شريكًا وحليفًا، أم زبون يدفع جيدًا مثلًا للأسلحة الأمريكية.
إنها فرصة بالنسبة للدول الأوروبية للتفكير مجددًا في قضية الاستقلالية العسكرية أو الاستراتيجية التي كان ينادي بها منذ فترة الرئيس ترامب نفسه، وهي بالمناسبة ليست فكرته، وإنما فكرة الرئيس الجنرال الراحل شارل دوغول.
بخصوص الأحداث في إيران، من احتجاجات موت مهسا أميني عام 2022، مرورًا بالحرب مع إسرائيل، وصولًا إلى الاحتجاجات الأخيرة المتصاعدة.. كيف تمكن النظام الإيراني من الصمود رغم تراكم الأزمات الداخلية والخارجية؟
تعرض النظام الإيراني لهزات اجتماعية كبيرة تختلف شدتها من فترة لأخرى، لكن المظاهرات الأخيرة تُعد الأكثر حدة لسببين رئيسيين:
- أولًا، انطلقت من “البازار” التقليدي المحافظ والمقرب تاريخيًا من النظام، وهو نفسه الذي ساهم في انهيار نظام الشاه ونجاح الثورة الإسلامية.
- ثانيًا، اندلعت بسبب قضايا اقتصادية واجتماعية ملحة: تدهور القدرة الشرائية وانهيار قيمة الريال الإيراني، وهي قضايا تحظى بإجماع واسع بين الإيرانيين على مشروعية الاحتجاج ضدها.
وما يجعل هذه المظاهرات إنذارًا خطيرًا للنظام هو اتساعها الجغرافي غير المسبوق، فقد امتدت من المدن الكبرى إلى القرى النائية التي لم تشهد احتجاجات سابقًا. وتعززت قوتها بالتدخل العلني من قوى خارجية، لا سيما إسرائيل والولايات المتحدة، إذ خاطب الرئيس ترامب الإيرانيين مباشرة قائلًا: “اصمدوا، تظاهروا، فنحن قادمون”.
رغم ذلك، يحتفظ النظام الإيراني بقاعدة شعبية يصعب تحديد حجمها أو طبيعتها بدقة، لكنه يحظى بدعم من جهات متعددة: الحرس الثوري، رجال الأعمال، مؤسسات حكومية وأهلية، فئات اجتماعية مختلفة، وربما من داخل الجيش النظامي أيضًا، كما يمتلك موارد مالية تمكنه من امتصاص الصدمات الراهنة، غير أن هذا لا يعني انتهاء المظاهرات أو قدرة النظام على الصمود إلى أجل غير مسمى.
ونجح النظام بالفعل في قمع المظاهرات المطالبة برحيله، لكن هذا النجاح مؤقت وليس نهائيًا، فالولايات المتحدة وإسرائيل والدول الغربية الساعية لإسقاط النظام تدرك أن تكلفة عملية عسكرية غير مضمونة ستكون باهظة جدًا، في حين أن التغيير من الداخل عبر انتفاضة شعبية يمثل خيارًا أقل كلفة وأكثر قبولًا للغرب من حيث النتائج.
هناك تواتر للحديث منذ بداية السنة عن تدخل عسكري أمريكي في إيران، وعن الشروط الموضوعية التي قد تجعل التدخل العسكري الأمريكي خيارًا قابلًا للتنفيذ.. كيف تختلف الحسابات الاستراتيجية الأمريكية اليوم عن تجارب سابقة مثل العراق وأفغانستان؟
شهدت الولايات المتحدة فشلًا في العراق وأفغانستان رغم تواجدها العسكري الكثيف لسنوات طويلة، وتحملت فاتورة باهظة إلى جانب الدول الأطلسية والغربية التي شاركتها في هذه الحروب.
لكن الرئيس ترامب يختلف عن أسلافه بشكل جوهري، فعلى الرغم من تقديم نفسه كرئيس انعزالي يعطي الأولوية للشؤون الأمريكية الداخلية، إلا أن الواقع يظهر العكس تمامًا. ففي أقل من عام، نفذت الولايات المتحدة أكثر من خمس تدخلات عسكرية خارج حدودها دون تفويض تشريعي، لكن ترامب يفضل تدخلات عسكرية محدودة للغاية، ولا يقدم على أي تدخل دون ضمانات بتحقيق نتائج عسكرية حاسمة.
يثير الدعم الغربي اللامشروط للمتظاهرين في إيران من جديد مسألة ازدواجية المعايير لدى الغرب عند مقارنة حجم مساندتها لشعوب كثيرة تواجه أنظمة مستبدة مقارنة بإعلان دعمها للشعب الإيراني.. هل الموقف الغربي انتصار حقيقي لحقوق الإنسان، أم مجرد رغبة في الإطاحة بعدو سياسي وأيديولوجي؟
هناك أمثلة عديدة على ازدواجية المعايير، وأبرزها قضية حقوق الإنسان. فباستثناء بعض الجمعيات الغربية والمنظمات الدولية الصادقة في سعيها لتحسين أوضاع حقوق الإنسان في الدول التي تنتهكها، خاصة فيما يتعلق بالحكم الرشيد ومكافحة الفساد الذي ينخر اقتصادات العديد من البلدان، فإن الدول الغربية تستخدم شعار احترام حقوق الإنسان كسلاح وورقة ضغط وابتزاز، دون أن يكون احترام هذه الحقوق هدفًا حقيقيًا لها.
على سبيل المثال، لم يطالب الرئيس الأمريكي ترامب بتحسين حقوق الإنسان في إيران، بل يطالب هذا البلد بالتفاوض من موقع ضعف، والتخلي عن برنامجه النووي، ويسعى لتغيير النظام نفسه، وسواء في فنزويلا أو في إيران، لا تشكل قضية حقوق الإنسان أولوية حقيقية للدول الغربية.
هناك دروس يمكن استخلاصها من المقارنة بين التدخل الأمريكي السريع والحاسم في فنزويلا والتردد النسبي تجاه إيران، وما الذي يكشفه ذلك عن المعايير الحقيقية التي تحكم قرارات التدخل الأمريكي.. هل هو القرب الجغرافي، المكاسب الاقتصادية المباشرة، أم تقييم المخاطر العسكرية؟
قضية فنزويلا تمثل تطبيقًا عمليًا من ترامب لـ”عقيدة مونرو” التي تعتبر أمريكا الوسطى وأمريكا اللاتينية بمثابة الحديقة الخلفية للولايات المتحدة وامتدادًا لأمنها القومي. لذلك، عندما تتوفر ذرائع مثل سياسات نظام مادورو وعلاقاته مع الصين أو روسيا أو إيران، أو عندما تنجح أحزاب يسارية أو تقدمية في هذه البلدان، يعتبر ترامب ذلك مبررًا مشروعًا للتدخل، متذرعًا بقضايا مثل المخدرات أو القرب من أنظمة تهدد الأمن الأمريكي.
وهذا يمثل تحولًا جذريًا في العلاقات الدولية، فتقليديًا، كان الرئيس الأمريكي المنتخب يزور كندا شمالًا والمكسيك جنوبًا، مما يعكس الأهمية القصوى لدول الجوار، تمامًا كما يزور الرئيس الفرنسي برلين فور انتخابه لتعزيز العلاقة مع دولة مجاورة محورية، لكننا نشهد اليوم خلافات وتصدعات في العلاقات بين دول متجاورة جغرافيًا، رغم أن الجوار الجغرافي من المفترض أن يترجم إلى جوار استراتيجي.
بالحديث عن الصراع الإيراني-الإسرائيلي، ما الذي يميز المواجهة الحالية بين إيران وإسرائيل عن نمط “الحرب بالوكالة” الذي ساد لعقود؟ وهل هناك إعادة تعريف جذرية لطبيعة الصراع نفسه من صراع أيديولوجي مُدار عبر الوكلاء إلى صراع وجودي مباشر؟
أعتقد أن الحرب بين إيران وإسرائيل تجاوزت مرحلة الحرب بالوكالة لتصبح مواجهة مفتوحة، فإيران تعرضت لاغتيال العديد من قياداتها، سواء باحثين نوويين أو قادة عسكريين، وهو ما يؤكد أن الحرب باتت مباشرة وعلنية.
وعملت إيران على توسيع حدودها من خلال النفوذ وليس فقط الحدود الجغرافية الطبيعية، حيث بسطت سيطرتها في مناطق في جنوب لبنان وفلسطين واليمن والعراق. لذلك، سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ما تسميه “إسقاط الساحات المشتركة” و”الساحات القريبة” من إيران، عبر شن ضربات موجعة ضد حزب الله وداخل إيران نفسها، وتشجيع القيادة الجديدة في سوريا بعد إسقاط نظام بشار الأسد الذي كان يُعتبر أداة إيرانية في المنطقة.
لهذا، لا أعتقد أن الصراع بين إسرائيل وإيران أيديولوجي بقدر ما هو صراع على المصالح والنفوذ، فالولايات المتحدة وإسرائيل تتقاطعان في السعي للهيمنة الإقليمية: إسرائيل تريد نفوذًا دائمًا في جنوب لبنان وسوريا وربما مناطق أخرى، والولايات المتحدة تتبع التوجه نفسه، إذ هددت بالاستيلاء على كندا وتوسعت جنوبًا. وسنرى كيف سيُترجم هذا التمدد الجغرافي والسيطرة على النفوذ الإقليمي في نهاية المطاف.
دعنا نتحدث عن مستقبل العلاقات الدولية، إذ نلاحظ تراجع الثقة في المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن وصندوق النقد والبنك الدولي.. هل المشكلة في المؤسسات ذاتها أم في القوى الكبرى التي فرّغتها من معناها؟
عندما لا يُطبَّق القانون الدولي، يتقلص دور المنظمات الدولية، مجلس الأمن معطّل بسبب استخدام الولايات المتحدة وروسيا والصين لحق النقض (الفيتو)، وعندما تنسحب الولايات المتحدة من منظمات محورية مثل اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية، فإنها تشل عملها، لأن هدفها هو عدم وجود أي منظمات قادرة على كبح أو مواجهة النهج الجديد الذي تتبناه إدارة الرئيس ترامب.
وكلما تفاقم الخلل في العلاقات الدولية الذي تتسبب فيه الدول الكبرى، وجب على الدول الصغرى والدول الأخرى المتمسكة بالشرعية الدولية أن تدافع عن الأمم المتحدة والدبلوماسية متعددة الأطراف، فالدول الكبرى حاولت استغلال هذه المنظمات، لكنها اكتشفت محدودية جدواها السياسية، فسعت إلى تعطيلها تمامًا أو استبدالها بمنظمات أخرى، كما يحاول الرئيس ترامب من خلال “المجلس التنفيذي للسلام”.
هل ستكرس هذه البداية الساخنة للعام الجاري الهيمنة الأمريكية بشكل أوسع.. أم أن العالم يتجه نحو الابتعاد عن النظام الأحادي ويطوّر نظامًا تعدديًا عبر التحالفات المرنة مع دور أكبر لروسيا والهند والصين؟
كانت سنة 2025 عام ترامب بامتياز، وستكون 2026 كذلك، فقد نجح الرئيس الأمريكي في السيطرة على الفضاء الإعلامي والسياسي والاقتصادي، وألحق ضررًا كبيرًا بالعلاقات الدولية، وزرع الشك حتى لدى أقرب حلفائه كبريطانيا وألمانيا وكندا، وهذه فترة حرجة تمر بها المنظومة الدولية.
ولا يملك الرئيس ترامب بديلًا حقيقيًا، لأن أي بديل يجب أن يتمتع بالشرعية والقبول من جميع أطراف المجتمع الدولي، وأن يحظى بموافقة أغلبية الدول. لكن ترامب ينظر إلى العلاقات الدولية كصفقات تجارية: عرض وعرض مضاد ومفاوضات، ثم اتفاق على سعر معين، ومن يملك القوة الاقتصادية الأكبر يفوز بالصفقة، لذلك يقول إن أوروبا والحلف الأطلسي لا يستطيعان الحفاظ على جرينلاند، متناسيًا أن الحلف الأطلسي هو الولايات المتحدة في نهاية المطاف.
يعيش العالم إذن مرحلة تحول كبرى، وتقع مسؤوليات جسيمة على عاتق دول الجنوب، خاصة منظمة “بريكس”، وحتى على الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط. هذه الدول مطالبة بالاستعداد لمواجهة تقلبات عميقة في مسار العلاقات الدولية ستؤدي إلى أزمات جديدة، إذ سيعجز النظام الدولي بصيغته الحالية عن حلها، سواء كانت صحية أو مناخية أو سياسية، وهذا يشكل فرصة مواتية لإعادة التفكير في صياغة العلاقات الدولية.