ترجمة وتحرير: نون بوست
بينما تنشغل واشنطن باختبار قوتها العسكرية ومكانتها الدولية، تواصل الصين تعزيز أوراقها الاستراتيجية من خلال مراقبة الصراع عن بُعد والاستفادة منه.
قدم المستشار الألماني، فريدريش ميرز، الأسبوع الماضي تقييماً سوداوياً للحرب في إيران، ذلك الصراع الذي اندلع منذ شهرين واستحال إلى حالة من الجمود في الخليج العربي. ورغم سريان وقف إطلاق النار حالياً إلا أنه يظل هشاً فالولايات المتحدة تفرض حصاراً على الموانئ والسفن الإيرانية، بينما شنت إيران هجمات استهدفت سُفنًا بحرية أمريكية. وفي خضم المفاوضات المتعثرة حول مضيق هرمز، تشير التقارير إلى أن الرئيس دونالد ترامب يدرس بجدية خيار استئناف العمليات العسكرية. وصرح ميرز قائلاً: “يبدو جلياً أن الإيرانيين أقوى مما كان متوقعاً، كما أن الأمريكيين يفتقرون تماماً إلى استراتيجية تفاوضية مقنعة. إن القيادة الإيرانية تُهين أمة بأكملها”، وهو ما يعد تحولاً جذرياً في موقفه بعدما كان يدعم بحذر تغيير النظام في طهران.
لم يتأخر رد ترامب إذ توعّد بسحب القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا منذ عقود. يتماشى هذا المشهد مع نمط متكرر في أوروبا والشرق الأوسط حيث يطلق ترامب تهديدات جديدة ويعاقب على ما يراه إهانات شخصية دون أدنى اعتبار للحلفاء أو للتداعيات الجسيمة لقراراته، ولم يقتصر أثر أفعاله على الساحة الدولية فحسب بل امتد للداخل الأمريكي إذ كشف استطلاع حديث لمركز “بيو” للأبحاث، ولأول مرة منذ عقدين، أن غالبية الأمريكيين باتوا يعتقدون أن بلادهم تتجاهل مصالح الآخرين بشكل صارخ.
تمثّل هذه التطورات “أنباءً سارة” لبكين فلطالما سعى الحزب الشيوعي الصيني، بنجاحات متفاوتة، لتسويق نفسه كقوة عالمية مسؤولة في مواجهة ما يصفه بـ “الإمبريالية الأمريكية”. وتوالت البيانات الرسمية المحملة بالمصطلحات السياسية للتحذير من “الهيمنة” الأمريكية وإدانة “عقلية الحرب الباردة” في واشنطن وتقديم الصين كحارس أمين لنظام دولي قائم على القواعد، وهو النظام ذاته الذي أرست أمريكا دعائمه وتقوم الآن بتقويضه.
في عام 2023، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ مشروعاً طموحاً، وإن كان يكتنفه الغموض، تحت مسمى “مبادرة الحضارة العالمية“، داعياً إلى التناغم بين الثقافات في محاولة لخلق ثقل موازن للوضع الراهن الذي يقوده الغرب. وعلى الرغم من أن هذه الرؤى “الحالمة” قد لا تبدد مخاوف جيران الصين من أطماعها التوسعية إلا أن الدول الصغرى فيما يُعرف بـ “الجنوب العالمي”، بدأت بالفعل تكييف سياساتها ومجتمعاتها وفقاً للنفوذ الصيني المتنامي.
وترى يوين يوين آنغ، أستاذة الاقتصاد السياسي بجامعة جونز هوبكنز، أن الحرب في إيران جنباً إلى جنب مع سلوك ترامب الفوضوي عالمياً وحضوره الصاخب على منصات التواصل تمنح الصين فرصة لإعادة صياغة دورها الجيوسياسي. وأوضحت قائلة: “وضعت حرب أوكرانيا الصين في موقف محرج نتيجة تحالفها الضيق مع روسيا مما أثار ريبة القوى الغربية، أما الصراع الإيراني، فبالرغم من عدم وجود مكاسب اقتصادية مباشرة منه إلا أنه يخلق مساحة دبلوماسية واسعة مما يتيح لبكين الخروج من عزلتها السابقة وإعادة تموضعها كلاعب عالمي ليس في الشرق الأوسط فحسب بل على مستوى العالم”.
منذ مستهل ولاية ترامب الثانية، تتابَع توافد القادة الغربيين على بكين في رسائل مبطنة لترامب مفادها أنهم لن يقبلوا بسياسة “الاستقواء” التي ينتهجها. ووصف الكاتب والدبلوماسي الكندي السابق مايكل كوفريج هذه الزيارات بأنها “منجم ذهب سياسي ودعائي” للصين. وفي منتصف أبريل/ نيسان، وخلال لقائه برئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، أكد شي أن الصين وإسبانيا اللتين أدانتا الحرب الأمريكية على إيران تقفان على “الجانب الصحيح من التاريخ”، مشدداً على ضرورة تصدي البلدين “لانحدار العالم نحو قانون الغابة”.
هذا الخطاب الصيني ليس مجرد استعراض بلاغي فبكين التي تتربع على عرش شبكات التجارة العالمية في القرن الحادي والعشرين تضع الاستقرار الجيوسياسي والقدرة على التنبؤ بحركة الأسواق على رأس أولوياتها، وهنا تصبح فوضى حقبة ترامب خلفية مثالية لإبراز طموحات شي الكبرى. ويقول جوليان جيويرتز، الباحث في جامعة كولومبيا: “لعقود خلت، كان الهدف الجوهري للسياسة الخارجية الصينية الاستقرار لدفع عجلة التنمية، لكن شي اليوم يظهر ثقة واضحة في مواجهة العالم الأكثر اضطراباً وعنفاً في ولاية ترامب الثانية”.
على الرغم من امتلاكها احتياطيات نفطية استراتيجية ضخمة إلا أن الصين ليست بمعزل عن الهزات الاقتصادية الناتجة عن أزمة مضيق هرمز. مع ذلك، يرى جيويرتز أن شي يراهن على قدرة الصين المتفوقة مقارنة بالولايات المتحدة على “تجرع المرارة”، أي الصمود في وجه المحن والخروج منها أكثر قوة وصلابة. فقد عانت الصين من تباطؤ اقتصادي قبيل اندلاع الحرب ثم جاءت الاختناقات اللوجستية العالمية لتضاعف الأعباء وتزيد التكاليف على قطاعي التصنيع والتصدير الحيويين. ومع ذلك، حملت الحرب في طياتها ميزة استراتيجية إذ باتت الدول الآسيوية، الأكثر اعتماداً من أمريكا على وقود الخليج المار عبر هرمز، تشعر بحاجة ملحة للتحصن ضد صدمات النفط وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة.
وبما أن الصين تفرض هيمنتها بالفعل على سلاسل توريد الطاقة الخضراء، فقد سجلت صادراتها من الأنظمة الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية أرقاماً قياسية في مارس/ آذار، وذلك وفقاً لتقرير مؤسسة “إمبير” للأبحاث المتخصصة في الطاقة العالمية. وثمة مؤشرات على مراجعة شاملة للمواقف قيد التنفيذ أيضاً، إذ صرح وزير الطاقة البريطاني، إد ميليباند، قائلاً: “بينما نواجه ثاني صدمة للوقود الأحفوري في أقل من خمس سنوات فإن الدرس المستفاد لبلدنا يبدو جلياً، لقد ولى زمن أمن الوقود الأحفوري وحان وقت بزوغ عصر أمن الطاقة النظيفة”، داعياً المملكة المتحدة إلى الفطام عن الكهرباء المولدة بالغاز. في المقابل، يبدو أن إدارة ترامب، التي تتربع على عرش وفرة الوقود الأحفوري وتزدري الاستثمار في الطاقة المتجددة، راضية بترك الصين تقود دفة هذا التحول العالمي.
كما حصدت بكين مكاسب “المراقب الصامت”، فبينما كانت تكتفي بالمشاهدة، قامت إدارة ترامب بنقل أصول عسكرية ضخمة من آسيا إلى الشرق الأوسط بما في ذلك إعادة نشر منظومات دفاع جوي رغم اعتراضات رئيس كوريا الجنوبية. وفي غضون أسابيع، استنزفت الولايات المتحدة ترسانة من الذخائر الحيوية، شملت مخزونات من صواريخ “باتريوت” و”توماهوك” وصواريخ “كروز” الشبحية، بالإضافة إلى اعتراضات منظومة “ثاد”. بالنسبة لشركاء الولايات المتحدة في منطقة المحيط الهادئ، تعمق هذه التحركات الشعور بتراجع عصر “السلام الأمريكي” وقد تعيد صياغة حساباتهم طويلة المدى بشأن كيفية التحوط ضد الصين.
كشفت الحرب عن نقاط ضعف أخرى أيضاً. فتعثّر الولايات المتحدة أمام إيران، الخصم الأقل قوة، وعجزها عن تحييد حملة الطائرات المسيّرة الإيرانية زهيدة التكلفة في الخليج أثار الشكوك حول أي آفاق لاستمرار الهيمنة العسكرية الأمريكية في آسيا. كما حظيت بكين بفرصة لمراقبة الأساليب الأمريكية الجديدة في القتال عن كثب، لاسيما الاستخدام الواسع للأنظمة التسليحية ذاتية التشغيل وغير المأهولة.
وقد نشر تشن ييشين، وزير أمن الدولة الصيني والمستشار البارز للرئيس شي، مؤخراً مقالاً أشار فيه إلى التطبيقات العميقة للذكاء الاصطناعي في دمج المعلومات الاستخباراتية وصنع القرار وتحديد الأهداف والدعم القتالي والتشكيل المعرفي التي تجلت في هذا الصراع. وكما فعلت عندما حشدت الولايات المتحدة جهودها للدفاع عن أوكرانيا بعد الغزو الروسي عام 2022، تكتفي الصين اليوم بالمراقبة وتدوين الدروس المستفادة.
من شأن الحرب مع إيران أو تداعياتها المشحونة بالقلق في حال حدوث انفراجة دبلوماسية وشيكة أن تلقي بظلالها الكثيفة على القمة المرتقبة بين ترامب وشي في بكين. هذا اللقاء، الذي كان من المفترض عقده في مارس/ آذار وأرجأته نيران الحرب يأتي في وقت بلغت فيه حالة التأزم ذروتها. ففي سعيها لتضييق الخناق على طهران وبكين معاً، فرضت إدارة ترامب عقوبات استهدفت مصافي نفط صينية وعشرات شركات الشحن والسفن المرتبطة ببكين والمنخرطة في التجارة مع إيران. في المقابل، لم تقف الصين مكتوفة الأيدي، بل أرست قواعد جديدة تتيح لها معاقبة الشركات الأجنبية التي تسعى لنقل سلاسل توريدها إلى خارج الأراضي الصينية.
إن مشروع “تقليل المخاطر” من الصين، الذي شجعه بايدن وترامب على حد سواء، تبنته دول غربية مختلفة، لكنه بات أكثر تعقيداً في ولاية ترامب الثانية إذ تشعر تلك الدول الآن بحاجة للتحوط ضد الولايات المتحدة أيضاً. ويمثل هذا نصراً مستتراً آخر لبكين، التي تنمو قوتها الناعمة بمجرد وجودها كعنصر تباين مع سياسات ترامب الصدامية. ويقول علي واين، الباحث بمجموعة الأزمات الدولية: “كلما سعت حلفاء أمريكا وشركاؤها لتقليل المخاطر من واشنطن، قلَّ الرصيد الدبلوماسي الذي تحتاج بكين لبذله لتبديد مخاوفهم بشأن سلوكها”.
قبيل لقاء ترامب الأخير بشي في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أطلق البيت الأبيض سلسلة من التهديدات الحادة، شملت التلويح بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 100 بالمئة فوق الضرائب الحالية، وفرض قيود تصدير شاملة. أما اليوم، وقبيل هذه القمة، تبدو النبرة الأمريكية أكثر تحفظاً بكثير وهو اختلافٌ يراه واين انعكاساً لتعاظم أوراق القوة في يد شي في أعقاب الحرب الإيرانية. ويضيف واين: “من غير المرجح أن تنجح الولايات المتحدة في إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات دون دعم صيني، كما أنها لن تكون قادرة على ترميم مخزونها من الصواريخ الاعتراضية في الشرق الأوسط دون مادة الغاليوم، وهي مادة حيوية تحتكر الصين إنتاجها عالمياً”.
ويرى جيويرتز أن شي يطمح لاستغلال حالة الجمود الراهنة لتعزيز نفوذ بكين وانتزاع تنازلات إضافية في مجالي التجارة والتكنولوجيا، موضحاً أن “القيادة الصينية تأمل أن يساهم تأجيل الزيارة ووجود رئيس مشتت ومحاصر بالأزمات في جعل كسب الوقت واقتناص التنازلات أمراً أكثر سهولة؛ فهم يدركون أن ترامب يسعى جاهداً لتسويق هذه الرحلة كإنجاز سياسي، وهذا تحديداً ما يمنحهم نقطة تفوق قوية”.
في المقابل، قد تكون الصين هي الأخرى في مزاج يميل إلى التهدئة إذ تسعى قيادتها جاهدة لخفض التصعيد في الخليج وإنهاء الحصار الذي يلحق أضراراً بالغة بالاقتصادات الآسيوية بما في ذلك اقتصادها الوطني. كما أن بكين لم تندفع نحو دعم المجهود الحربي الإيراني بشكل فج ولم تحاول انتزاع مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بل على العكس ساهمت في دفع طهران نحو طاولة المفاوضات مع واشنطن وحفزت باكستان، باعتبارها جاراً وشريكاً وثيقاً، للقيام بدور الوسيط.
مع ذلك، تبرز هذه الحرب أيضاً حدود القوة الصينية فلطالما ارتهنت بكين لعقود إلى المظلة الأمنية التي وفرتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بينما كانت تغذي نهضتها الاقتصادية بواردات الطاقة الخليجية. أما اليوم، فتبدو بكين عاجزة عن لجم التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة، كما ذهبت دعوات شي لفتح مضيق هرمز أدراج الرياح. ورغم أن صورة شي الرزينة قد تكتسب بريقاً إضافياً أمام كل “شطحة” ينشرها ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي إلا أن الصين لا تزال تتحرك في الظل الجيوسياسي لأمريكا.
ويختم إسفنديار باتمانغليج، رئيس مؤسسة “بورس آند بازار” بلندن، بقوله: “ربما لن نخرج من هذا الصراع بتقدير متزايد للقيادة العالمية الصينية، لكننا حتماً سنخرج برؤية واقعية لزوال ما تبقى من هيبة القيادة الأمريكية.”
المصدر: ذا نيويوركر