شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال الساعات القليلة الماضية تصعيدًا متسارعًا في وتيرة التحركات المرتبطة بالتوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران، شمل أبعادًا عسكرية وسياسية ولوجستية متداخلة.
يأتي ذلك في وقت تبدو فيه المنطقة وكأنها تحبس أنفاسها، ترقبًا لتطور مفصلي قد يعيد رسم معادلات الصراع وخارطة القوى الإقليمية، في ظل مؤشرات توحي بأن احتمالات المواجهة باتت أقرب من أي وقت مضى.
حشد عسكري أمريكي واسع النطاق، يقابله ارتفاع في منسوب الاستنفار إلى مستويات بالغة الحساسية لدى إيران، وسط حالة من الحذر والترقب الإقليمي، ما يدفع مسار التصعيد نحو مستويات غير مسبوقة من الضغط والتأزيم.
وفي هذا السياق، تتصاعد التساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تقف على أعتاب “ساعة الصفر” لشن عملية عسكرية محتملة ضد إيران، وماذا عن طبيعة السيناريوهات المتوقعة لشكل وحجم هذه الضربة وانعكاساتها الإقليمية والدولية؟
تحشيد أمريكي
حشد عسكري أمريكي مكثف ومتسارع شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، شمل نشر قوات وعتاد ثقيل في المياه الإقليمية ومسرح العمليات المرتقب، في ظل تصاعد التوتر مع إيران.
ووفق ما أعلنته القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، وصلت حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» ومجموعتها الضاربة إلى المنطقة، في خطوة تهدف إلى تعزيز القدرات النارية الأمريكية، فيما أظهرت صور رسمية نشرها الجيش الأمريكي بحّارة على متن الحاملة خلال تنفيذ أعمال صيانة روتينية في المحيط الهندي، في تأكيد على جاهزية المجموعة الضاربة ودورها المعلن في دعم ما تصفه واشنطن بالأمن والاستقرار الإقليميين.
وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أمريكيين أن الحاملة لينكولن ترافقها ثلاث مدمرات قادرة على إطلاق صواريخ «توماهوك»، إلى جانب نشر مقاتلات «إف-15 إي» في قاعدة عسكرية بالأردن، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي في المنطقة لحماية الحلفاء والمنشآت الحيوية من أي رد إيراني محتمل، كما أشارت إلى وصول جزء من المعدات العسكرية بالفعل، مع توقعات بوصول المزيد خلال أسبوع أو أسبوعين، في مؤشر على تحضير لوجستي واسع النطاق.
Sailors aboard USS Abraham Lincoln (CVN 72) perform routine maintenance as the aircraft carrier sails in the Indian Ocean, Jan. 26. The Abraham Lincoln Carrier Strike Group is currently deployed to the Middle East to promote regional security and stability. pic.twitter.com/dkuN946hce
— U.S. Central Command (@CENTCOM) January 26, 2026
يتزامن ذلك مع تصعيد في الخطاب السياسي، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحرك «أسطول حربي» باتجاه إيران، معربًا عن أمله في عدم الاضطرار لاستخدامه، بينما أصدرت بريطانيا تحذيرات لمواطنيها بعدم الاقتراب من مناطق حدودية حساسة في الإقليم.
وعلى صعيد التنسيق الإقليمي، كشفت هيئة البث الإسرائيلية عن محادثات أجراها قائد القيادة المركزية الأمريكية، براد كوبر، مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، تناولت آليات التعاون الدفاعي في حال شن هجوم أمريكي على إيران، وما قد يستتبعه من رد إيراني بصواريخ باليستية باتجاه إسرائيل.
وفيما أقر زامير بعدم تحديد موعد لأي هجوم، مؤكدًا أن القرار لا يزال مرهونًا بالرئيس الأمريكي، فإن مجمل هذه المؤشرات تعزز الانطباع بأن خيار العمل العسكري ضد طهران بات أقرب من أي وقت مضى، في ظل تحشيد غير مسبوق من حيث الحجم والمستوى، ما يفرض حالة من الترقب والضغط على إيران والإقليم بأسره انتظارًا لما ستؤول إليه هذه التطورات.
استنفار إيراني
في المقابل، أدى التحشيد العسكري الأمريكي المتصاعد إلى رفع مستوى الاستنفار الإيراني بصورة غير مسبوقة، في ظل متابعة طهران الدقيقة لمسرح العمليات، وهو ما يقلل من احتمالات توجيه ضربة مفاجئة على غرار سيناريوهات سابقة.
ويمنح هذا الواقع القيادة الإيرانية هامشًا أوسع للاستعداد والجاهزية العسكرية، ووضع تصورات متعددة للتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة المرتبطة بهذا الحشد، وهو ما أكدت عليه القوات المسلحة الإيرانية بالإشارة إلى أن أي تهديد للأمن القومي يخضع للمراقبة منذ مراحله الأولى، وأن قرارات الرد تُبنى على تقييمات ميدانية دقيقة، مشددة على أن الرصد لا يقتصر على لحظة التنفيذ، بل يشمل نشأة التهديد ومسارات تطوره.
وفي سياق الخطاب السياسي، سعت طهران إلى التقليل من دلالات الوجود العسكري الأمريكي، مؤكدة أنها لا تسعى إلى إشعال حرب، لكنها في الوقت ذاته لن تسمح بترجمة أي تهديد إلى فعل ميداني يمس أمنها القومي، محمّلة الطرف الذي تصفه بالمستفز كامل المسؤولية عن أي تداعيات غير محسوبة.
وبالتوازي، شرعت إيران خلال الفترة الأخيرة في إعادة تموضع لقواتها وأسلحتها، والعمل على ترميم مكامن الضعف التي كشفتها حرب الأيام الاثني عشر الماضية، وفي مقدمتها محدودية قدرات سلاحها الجوي، الذي يعتمد في معظمه على طائرات قديمة تعود إلى ما قبل الثورة الإسلامية عام 1979، من طرازات روسية وصينية وأميركية وفرنسية باتت خارج معايير التفوق الجوي الحديث.
وتشير تقارير إلى أن طهران اتجهت عقب الحرب الأخيرة إلى تعزيز قدراتها الجوية عبر مفاوضات مع الصين لاقتناء مقاتلات «J-10C» المتقدمة، في محاولة لسد فجوة التفوق الجوي، بالتوازي مع تركيزها المتزايد على تطوير ترسانتها الصاروخية، التي تمثل العمود الفقري لقدراتها الردعية.
فعلى الرغم من امتلاكها منظومات دفاع جوي متطورة، مثل «إس-300» و«باور 373»، فإن إيران ترى في الصواريخ الباليستية والفرط صوتية أداتها الأكثر فاعلية، وهو ما انعكس في تكثيف الإنتاج وتعويض الخسائر التي مُنيت بها خلال حرب حزيران/يونيو الماضية، مؤكدة أن قدراتها الصاروخية شهدت تطورًا كمّيًا ونوعيًا، مستفيدة من دروس المواجهات السابقة لتعزيز جاهزيتها الدفاعية ورفع مستوى الردع في مواجهة أي تصعيد محتمل.
محور المقاومة يدخل على الخط
بالتوازي مع تصاعد الاستنفار الإيراني، دخل ما يُعرف بـ«محور المقاومة» على خط التوتر، معلنًا أن أي استهداف لإيران لن يمر من دون رد مباشر، في رسالة واضحة مفادها أن أي مواجهة محتملة قد تتجاوز الجغرافيا الإيرانية إلى ساحات إقليمية متعددة، بما ينذر بتوسّع رقعة الصراع وتحوله إلى مواجهة مفتوحة على أكثر من جبهة.
وفي هذا السياق، شدّد الأمين العام لحزب الله اللبناني، نعيم قاسم، على أن الحزب لن يقف على الحياد في حال تعرضت إيران لهجوم، معتبرًا أن أي تهديد يطال طهران يُعد تهديدًا مباشرًا لمحور المقاومة بأكمله، مؤكدًا أن الحزب سيتعامل مع أي تصعيد في الزمان والطريقة المناسبين، وفق ما تفرضه ما وصفه بـ«المسؤولية الشرعية والمصلحة العامة».
كما ردّ على التهديدات التي طالت المرشد الإيراني علي خامنئي، معتبرًا أن أي حديث عن اغتياله، سواء صدر عن الرئيس الأمريكي أو غيره، يشكل تهديدًا لملايين، بل لعشرات الملايين، ولا يمكن التعامل معه بالصمت أو التجاهل.
على الجانب العراقي، حذّر الأمين العام لكتائب حزب الله في العراق، أبو حسين الحميداوي، من أن أي حرب ضد إيران لن تكون «نزهة»، داعيًا إلى الاستعداد لما وصفه بحرب شاملة دعمًا للجمهورية الإسلامية، بما في ذلك تنفيذ عمليات ميدانية في حال صدور إعلان بالجهاد.
ويمنيًا، أعلن الإعلام الحربي لجماعة أنصار الله الحوثي استهداف سفينة بريطانية في خليج عدن بصاروخ محلي الصنع، في رسالة تعكس اتساع نطاق التهديد البحري، وأظهرت المشاهد التي بثتها الجماعة مراحل تعقب السفينة واتخاذ قرار الاستهداف، في تأكيد على أن مناطق الحظر البحرية باتت ضمن دائرة قدراتهم العملياتية.
ترقب إقليمي
في خضم هذا الحشد العسكري والاستنفار المتبادل، تقف دول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج، في موقع المراقب الحذر لمسارات التصعيد المحتملة وتداعياته، وتدرك العواصم الخليجية أنها، بشكل أو بآخر، ليست بمنأى عن هذا التوتر، وأن أي شرارة مواجهة واسعة النطاق ستنعكس بالضرورة على أمنها واستقرارها، بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح ووجود القواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها.
وفي هذا السياق، سارعت الإمارات إلى توضيح موقفها مبكرًا، نافية أي انخراط أو تماهٍ مع سيناريوهات التصعيد العسكري ضد إيران، ومؤكدة التزامها بعدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها الإقليمية لتنفيذ أي أعمال عسكرية، أو تقديم أي دعم لوجستي في هذا الإطار.
لماذا يدافع خصوم #طهران عن بقائها؟ ماذا تخشى دول #الخليج أكثر من #إيران نفسها؟
🔴 الإجابة ليست في النووي… بل في كلفة السقوط وما بعده، نفهمها في هذا المقال لـ @ahmad_m_tananihttps://t.co/r1ASf7IJ4T
— نون بوست (@NoonPost) January 26, 2026
وبالتوازي، تُبدي بقية دول الخليج تحفظًا واضحًا إزاء أي ضربات عسكرية أمريكية محتملة، انطلاقًا من مخاوف حقيقية من انزلاق المنطقة إلى ردود فعل إيرانية قد تضعها في مرمى النيران، وتزداد هذه الهواجس بشكل خاص لدى الدول التي تستضيف القواعد العسكرية الأمريكية، مثل السعودية وقطر، حيث يُخشى أن يؤدي أي هجوم، خاصة في ظل أوضاع إقليمية وداخلية معقدة، إلى تصعيد يتجاوز في نطاقه وحدّته الهجوم المنسق الذي استهدف قاعدة العديد الجوية في يونيو/حزيران 2025.
ورغم مساعي واشنطن لطمأنة حلفائها عبر نشر منظومات دفاع صاروخي متقدمة، فإن مصادر خليجية تشير إلى أن الاعتراض يتجاوز البعد العسكري، ليعكس قناعة متنامية بوجود فرصة للتفاوض مع طهران، والتأكيد على أن معالجة أزمات المنطقة يجب أن تنطلق من حسابات إقليمية لا من منطق المواجهة المفتوحة.
ما السيناريوهات؟
يرى المحلل العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، أن توقيت أي هجوم أمريكي محتمل على إيران لا يزال غامضًا، إلى حد أن القرار قد لا يكون محسومًا حتى لدى ترامب نفسه، الذي اعتاد اتخاذ قرارات مصيرية في اللحظات الأخيرة، وربما التراجع عنها.
ويشير بن يشاي إلى أن معضلة ترامب في هذا الملف تتمحور حول خمسة أسئلة جوهرية، أبرزها: ما إذا كان هجوم جوي دقيق ومحدود زمنيًا قادرًا على إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه بصورة حاسمة، وما إذا كان الشعب الإيراني سيتمكن من استثمار أي وهن يصيب النظام لإحداث تغيير داخلي أو فرض تحولات في سياساته النووية والصاروخية والإقليمية.
وتتصل الأسئلة الأخرى بإمكانية أن يؤدي تصعيد التهديد العسكري وتأجيل الضربة إلى دفع طهران لتقديم تنازلات والقبول بالمطالب الأمريكية، أو ما إذا كان الخيار الأجدى، في حال استحالة إسقاط النظام عبر الضربات الجوية، يتمثل في توجيه ضربة مركزة تستهدف البرنامج النووي ومشروعات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
أما السؤال الأهم، بحسب بن يشاي، فيتعلق بمدى توافر معلومات استخباراتية دقيقة لدى الولايات المتحدة، وقدرتها الفعلية على تحقيق أي من هذه الأهداف، مقابل الكلفة المتوقعة من حيث الضحايا والدمار وتداعيات التصعيد. وانطلاقًا من هذه المعادلة المعقدة، تُطرح ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل التصعيد:
الأول: يتمثل في تشديد الحصار والضغوط على إيران دون اللجوء إلى عمل عسكري مباشر، وهو سيناريو يحظى بتأييد أصوات وازنة داخل إسرائيل، ترى أن الهجوم ليس حتميًا، وأن هدف واشنطن الاستراتيجي لا يزال ملتبسًا في ظل التناقضات المتكررة في مواقف ترامب، مع ترجيح أن يدفع الحصار المشدد طهران إلى القبول بالشروط الأمريكية والعودة إلى طاولة المفاوضات.
الثاني: يعتمد على تنفيذ عملية نوعية محدودة تستهدف منشآت نووية أو مصانع صواريخ أو شخصيات محورية في دوائر القرار الإيراني، دون توسيع رقعة المواجهة.
الثالث: يتمثل في عملية عسكرية شاملة، وربما يكون السيناريو الأضعف حاليًا، في ضوء المؤشرات الإقليمية الراهنة والمخاوف من انفلات التصعيد واتساعه بما يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة.
في المحصلة، تشير جميع المؤشرات إلى أن التصعيد بين إيران والولايات المتحدة بلغ مستويات غير مسبوقة من الحشد والاستنفار، ما يجعل احتمال توجيه ضربة عسكرية أقرب من أي وقت مضى.
وعلى الرغم من القلق الإقليمي والدولي، والضغوط والاعتبارات التي قد تدفع واشنطن إلى التريث أو التراجع، فإن وجود ترامب على رأس الإدارة الأمريكية يترك الباب مفتوحًا أمام كل الخيارات، ويضع السيناريوهات كافة على طاولة التنفيذ.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الساعات القادمة حاسمة في تحديد مسار الأزمة، وما إذا كانت ستتجه نحو المواجهة المباشرة أو العودة إلى منطق الاحتواء والدبلوماسية.