على شاشات الصرف، لم يكن هبوط الدولار مجرد رقمٍ عابر، فالعملة الأمريكية انزلقت إلى أدنى مستوى في أربع سنوات، ثم جاء تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعمق من أزمته ويثير تساؤلات عن مستقبله.
إذ قال ترامب في 27 يناير/كانون الثاني 2026 إن قيمة الدولار “عظيمة”، في إشارة فُسِّرت في السوق كتسامحٍ سياسي مع مزيدٍ من الضعف ودفعت المستثمرين نحو الملاذات الآمنة.
تراجع الدولار وقفزة الملاذات الآمنة
شهد الدولار الأمريكي خلال الفترة الأخيرة تراجعًا ملحوظًا أمام سلة من العملات العالمية، مسجّلًا مستويات هي الأدنى منذ عام 2022.
فقد انخفض مؤشر الدولار (الذي يقيس قيمة العملة مقابل ست عملات رئيسية) إلى نحو 95.5 نقطة عقب تصريحات ترامب مباشرة، ليستمر بذلك اتجاه الهبوط الذي كبد الدولار حوالي 10% من قيمته خلال عام 2025.
في المقابل، قفزت أسعار الملاذات الآمنة كالذهب إلى مستويات تاريخية؛ إذ تجاوز سعر المعدن الأصفر عتبة 5550 دولار للأونصة لأول مرة على الإطلاق أواخر يناير 2026.
يأتي هذا الصعود القياسي للذهب مدفوعًا بحالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي عالميًا، مع بحث المستثمرين عن أصول أكثر أمنًا، فضلًا عن قيام البنوك المركزية بتنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار.
وقد ارتفع الذهب بنحو 18% منذ بداية 2026 بعد مكاسب ضخمة بلغت 64% خلال 2025، مما يعكس حجم التحول نحو الأصول البديلة مع تراجع الثقة النسبي بالدولار.
لماذا يتراجع الدولار أصلًا؟
يربط خبراء الاقتصاد هذا الضعف بعدة عوامل تراكمت خلال الشهور الأخيرة.
1- تغير توقعات السياسة النقدية الأمريكية
فمع تباطؤ الاقتصاد نسبيًا وانحسار التضخم، تزايدت رهانات الأسواق على أن الاحتياطي الفيدرالي سيعود إلى خفض أسعار الفائدة، وهو أمر يضعف جاذبية الدولار للمستثمرين الباحثين عن العوائد.
2- ضبابية سياسات التجارة والرسوم الجمركية
فنهج الرئيس الأمريكي المتقلب بين فرض تعريفات “تحريرية” مرتفعة وخفضها لاحقًا خلق حالة عدم يقين دفعت المستثمرين للعزوف عن الأصول الأمريكية. وإلى جانب ذلك برزت مخاوف حيال استقلالية الفيدرالي.
إذ لم يتوانَ ترامب عن انتقاد البنك المركزي والضغط عليه لخفض الفائدة، بل إن إدارته فتحت تحقيقًا جنائيًا بحق رئيس الفيدرالي جيروم باول بالتزامن مع اجتماع البنك المركزي الأخير.
مثل هذه الضغوط السياسية تقوّض الثقة وتزيد قناعة الأسواق بأن السياسة النقدية قد تخضع للاعتبارات السياسية.
3- تفاقم العجز المالي والفجوة الضريبية
مع اتساع الإنفاق والعجز، تتزايد المخاوف من مستويات الدين الفيدرالي المرتفعة، مما يؤثر سلبًا على استقرار الدولار بعيون المستثمرين العالميين.
هذه العوامل مجتمعة نالت من هيبة الدولار التقليدية كعملة احتياط عالمية، وجعلت بعض المستثمرين يطلبون علاوة مخاطرة أعلى للاحتفاظ به.

لماذا يريد ترامب دولارًا ضعيفًا؟
1- دعم الصادرات والصناعات المحلية
لطالما اتسم خطاب ترامب الاقتصادي بالتركيز على خفض العجز التجاري ودعم الصناعات الأمريكية التصديرية. من هذا المنطلق، الدولار الضعيف مفيد من وجهة نظره لأنه يجعل المنتجات الأمريكية أرخص وأكثر تنافسية في الأسواق العالمية.
الشركات متعددة الجنسيات في الولايات المتحدة تستفيد أيضًا، حيث تزيد قيمة أرباحها المحققة بالعملات الأجنبية عند تحويلها إلى دولار منخفض القيمة.
لذا ليس مفاجئًا أن يعتبر ترامب تراجع الدولار “أمرًا رائعًا” لدعم الصادرات، وهو ما يتوافق مع سياسته “أمريكا أولًا” الرامية لتعزيز الإنتاج المحلي.
كذلك، ضعف الدولار يقلّص قيمة الواردات نسبيًا ويشجّع المستهلكين على شراء المنتج المحلي، مما قد يساهم في تقليص العجز التجاري الذي طالما انتقده.
وقد نقلت رويترز عن محللين ماليين أن إدارة ترامب الحالية ترغب فعليًا في دولار أضعف كجزء من استراتيجيتها لتحسين ميزان التجارة.
2- ضغط نقدي/سياسي مرتبط بالفيدرالي
إلى جانب الدوافع التجارية، هناك شق سياسي/نقدي لرغبة ترامب في دولار ضعيف يتعلق بالاحتياطي الفيدرالي.
فالرئيس الجمهوري يسعى إلى اقتصاد قوي وساخن قبيل انتخابات التجديد النصفي المقبلة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، حتى لو تطلب ذلك بعض التضخم.
وقد رأى بعض المحللين أن استراتيجية ترامب بسيطة: دفع الاقتصاد للنمو السريع عبر السماح بانخفاض الدولار لتعويض تردد الفيدرالي في خفض الفائدة.
بعبارة أخرى، يوفر الدولار الأرخص تيسيرًا نقديًا ضمنيًا يحفز الاقتصاد – إذ يعادل تخفيض قيمته تأثير خفض معدلات الفائدة من ناحية دعم الإقراض والاستثمار.
ومن خلال ترك الدولار يضعف، يمارس ترامب ضغطًا غير مباشر على الفيدرالي للإبقاء على سياسة نقدية مرنة وعدم رفع الفائدة، خاصة وأن ارتفاع الدولار سابقًا كان أحد مبررات تشديد السياسة النقدية.
بهذا المعنى، ترامب يراهن على الدولار الضعيف لكبح جماح الفيدرالي وإعطاء دفعة للاقتصاد دون انتظار تحركات البنك المركزي.
3- تخفيف عبء الدين نسبيًا
تشير رويترز أيضا إلى أن الدولار الأرخص يقلل عبء الدين الأمريكي بشكل نسبي. فمع تجاوز الدين العام 38 تريليون دولار، يعني انخفاض قيمة الدولار تآكلًا في القيمة الحقيقية لتلك الديون بمرور الزمن، أي “تسديد الديون بعملة أرخَص”.
هذا قد يريح كاهل الخزانة الأمريكية قليلًا ويخفف من تكلفة خدمة الدين عندما تكون معظم المستحقات لمستثمرين أجانب بالدولار.
وربما لهذه الأسباب مجتمعة، قال ترامب للصحفيين أنه لا يسعى بالضرورة لمزيد من الانخفاض المتعمد للدولار، بل “يريده أن يحدد مستواه بنفسه”، في إشارة إلى عدم رغبته بالإفصاح العلني عن سياسة دولار ضعيف رغم ترحيبه الضمني بذلك المستوى المنخفض حاليًا.
ما الثمن الخفي؟
على الجانب الآخر من عملة الدولار الضعيف، هناك تكلفة اقتصادية خفية قد تتبلور على المدى المتوسط.
1- ارتفاع معدل التضخم الداخلي
الدولار الأرخص يعني تلقائيًا أن السلع المستوردة تصبح أغلى ثمنًا على المستهلك والشركات الأمريكية.
خلال العام 2025، شهدت الولايات المتحدة بالفعل ارتفاعًا في أسعار سلع رئيسية مثل الإلكترونيات والأدوية المستوردة من أوروبا وآسيا، بعد تراجع قيمة الدولار أمام اليورو والين.
هذا الارتفاع في كلفة الواردات يغذي التضخم المحلي ويمثل ضريبة غير مباشرة يدفعها المستهلك الأمريكي من قدرته الشرائية.
ويرى محللون أن استفادة بعض القطاعات التصديرية من الدولار الضعيف تقابلها معاناة لقطاعات مستهلكة للمواد الخام أو السلع المستوردة، فضلًا عن الضغط الواقع على الأسر من غلاء المنتجات المستوردة، مما قد يحد من المكاسب الإجمالية للاقتصاد.
2- اهتزاز ثقة المستثمرين العالميين
الدولار ليس مجرد عملة محلية؛ إنه عملة الاحتياط الأولى عالميًا والأكثر استخدامًا في تمويل التجارة وحيازة الأصول. وعندما يلمس المستثمرون الدوليون أن الإدارة الأمريكية تتبنى ضمنيًا سياسة إضعاف الدولار، قد يدفعهم ذلك إلى إعادة تقييم حيازاتهم من سندات الخزانة الأمريكية.
وبالفعل، يُلاحظ أن بعض حملة السندات الأجانب يتجهون للتحوّط من انخفاض الدولار عبر بيع جزء من حيازاتهم أو زيادة استثماراتهم في الأصول المقومة بعملات أخرى وذهب.
أحد الخبراء بالأسواق المالية شبّه المشهد بقوله: “لا فائدة من أن يحمل المستثمر سندات خزانة بعائد 4% إذا كان سيخسر 10% من قيمة الدولار”. وهذا الوضع قد يرفع عوائد السندات الأمريكية أكثر لتعويض ضعف العملة ما يزيد تكلفة الاقتراض على الحكومة ويرفع أعباء خدمة الدين العام.
3- تدخل الاحتياطي
فضلًا عن ذلك، استمرار تراجع الدولار قد يستدعي رد فعل من الاحتياطي الفيدرالي نفسه في نهاية المطاف.
إذا أدى ضعف العملة لارتفاع التضخم بشكل مقلق أو هروب رؤوس الأموال، قد يضطر الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة لكبح تدهور الدولار. وهذا عكس ما يريده ترامب تمامًا، إذ أن رفع الفائدة سيبطئ الاقتصاد ويضر بالأسهم.
لذا يسود تخوف لدى بعض المحللين من سيناريو يفقد فيه الدولار الكثير من قيمته بسرعة، ما يضع صانعي السياسة النقدية في موقف حرج لإنقاذ الموقف.
4 – تقليل الاعتماد على الدولار
كما أن المصداقية الأمريكية الاقتصادية على المحك؛ فالدول الأخرى تراقب عن كثب. وإن شعر الحلفاء مثل دول أوروبا واليابان أن الولايات المتحدة تتعمد إضعاف عملتها لتحقيق مكاسب أنانية، فقد يدفعهم ذلك لتقليل اعتمادهم على الدولار بمرور الوقت.
وقد بدأت بوادر هذا الاتجاه بالفعل مع قيام عدة بنوك مركزية حول العالم بزيادة احتياطيات الذهب والعملات البديلة في العامين الأخيرين.
أي تآكل إضافي في الثقة بالدولار، قد يعني نهاية تدريجية لهيمنة الولايات المتحدة المالية التي استمرت عقودًا، وإن كان هذا السيناريو ما زال بعيد المدى ويتطلب تحولات كبيرة.
التداعيات على الدول العربية
امتداد تأثيرات ضعف الدولار يصل أيضًا إلى الاقتصادات العربية، خاصة تلك المرتبطة عملاتها بالعملة الخضراء. فالعديد من دول الخليج العربي، مثل السعودية والإمارات وقطر، تربط عملاتها رسميًا بالدولار الأمريكي.
هذا الارتباط يوفر استقرارًا نقديًا طالما بقي الدولار قويًا ومستقرًا، لكنه يعني أيضًا أن أي انخفاض في قيمة الدولار عالميًا سينعكس مباشرة على قيمة العملات الخليجية المرتبطة به.
فما أبرز النتائج السلبية؟
1- ارتفاع تكلفة الواردات على هذه الدول
فمع تراجع الدولار أمام اليورو مثلًا، ترتفع تكلفة السلع الأوروبية (من سيارات وأجهزة ومعدات طبية وغيرها) عند شرائها بالريال السعودي أو الدرهم الإماراتي المربوطة بالدولار.
وبالفعل، تشير البيانات إلى ارتفاع فاتورة الواردات الخليجية من السلع المسعّرة باليورو والإسترليني والين خلال 2025 مع هبوط الدولار، مما غذّى معدلات التضخم في تلك الاقتصادات.
يوضّح خبراء أن كثيرًا من السلع الأساسية في الخليج – كالسيارات والإلكترونيات والأدوية – مصدرها أوروبا واليابان، وبالتالي فإن ضعف الدولار يعني تضخمًا مستوردًا يضعف القوة الشرائية للمستهلك المحلي.
ويتوقعون ارتفاع الأسعار المحلية تدريجيًا حتى مع ثبات سعر الصرف الاسمي، لأن سلسلة التوريد العالمية مرتبطة بعملات أقوى من الدولار.
2- تقلص قيمة التحويلات المالية المرسلة
في دول الخليج خصوصًا، يشكل الوافدون نسبة كبيرة من القوة العاملة، وهم يحوّلون جزءًا من رواتبهم (المحددة بالريال أو الدرهم المرتبطين بالدولار) إلى عملاتهم المحلية كالروبية الهندية أو الجنيه المصري أو البيزو الفلبيني.
ومع انخفاض الدولار، يحصل هؤلاء العمال على مبالغ أقل عند تحويل نفس عدد الدولارات إلى عملاتهم. يشرح رئيس قسم التداول في ساكسو بنك – الشرق الأوسط الأمر قائلًا: “عادة ما يؤدي ضعف الدولار إلى تقليل قيمة الأموال المرسلة للوطن من قِبل الوافدين، فعند التحويل إلى عملات كالهندية أو الفلبينية، سيجد المرسل أن المبلغ أصبح أقل مما كان يحصل عليه سابقًا”.
هذا قد يدفع البعض إلى تأجيل التحويل أو البحث عن قنوات بديلة للحصول على سعر صرف أفضل، لكن المحصلة أن الاقتصادات العربية المرسلة لتلك التحويلات ستشهد تراجعًا في تدفق النقد الأجنبي الوارد عبرها، وقد تتأثر أسر كثيرة تعتمد على هذه الأموال في بلدان المنشأ.
جوانب إيجابية لدول عربية أخرى
1- الدول النفطية تستفيد أحيانًا بشكل غير مباشر
يعود ذلك إلى أن النفط مسعّر بالدولار عالميًا، وضعف الدولار قد يرفع أسعار النفط اسميًا أو على الأقل يزيد الطلب عليه لأنه يصبح أرخص للمستوردين غير الأمريكيين.
وقد شهدنا بالفعل استقرارًا في أسعار النفط ضمن نطاق 60-65 دولار للبرميل في أوائل 2026 رغم وفرة المعروض، حيث ساهم ضعف الدولار في دعم الأسعار نسبيًا عبر زيادة القدرة الشرائية لدول خارج المنظومة الدولارية.
2- قطاع السياحة في الدول العربية قد يربح بعض الشيء
فالدولار الضعيف يجعل الوجهات السياحية المرتبطة به أرخص نسبيًا للسياح القادمين من أوروبا وآسيا.
وتؤكد تقارير اقتصادية ارتفاع تدفقات السياح إلى المنطقة خلال 2025 مستفيدين من تراجع الدولار.
بالمحصلة، يظهر “الدولار الضعيف” كسلاح ذو حدين، فمن ناحية، يُنعش الصادرات الأمريكية ويحقق أهدافًا سياسية قصيرة المدى لترامب عبر تحفيز الاقتصاد وضبط العجز التجاري.
لكنه من ناحية أخرى مغامرة اقتصادية محفوفة بالمخاطر قد تقوّض الثقة في العملة الأمريكية على المدى الطويل إذا أسيء استخدامها.