في منتصف مارس/آذار 2026، أتمت شركة جوجل صفقة ضخمة قيمتها 32 مليار دولار للاستحواذ على شركة أمن السحابة الإسرائيلية Wiz، والتي ارتبط مؤسسوها في وحدة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية 8200.
هذه الصفقة كانت حلقة جديدة في سلسلة متواصلة تنتقل فيها خبرات الاستخبارات الإسرائيلية إلى الاقتصاد الرقمي العالمي، حيث تتدفق الكفاءات والعلاقات ورأس المال من ثكنات 8200 إلى شركات ناشئة تشكِّل البنية التحتية للإنترنت، ثم تنتقل إلى وادي السيليكون عبر صفقات استحواذ أو شراكات أمريكية.
السؤال، إذن، ليس ما إذا كانت 8200 تُخرّج مبرمجين موهوبين فحسب، بل ما إذا كانت “إسرائيل” قد بنت عبرها خط أنابيب سحابي ينقل خبرات التنصت والاختراق وجمع البيانات من المجال العسكري إلى الشركات والاستثمار والسوق الأمريكية.
ما هي وحدة 8200؟
تُعدّ وحدة 8200 أكبر وحدة استخباراتية سيبرانية في جيش الاحتلال الإسرائيلي وتُوصف بأنها النسخة الإسرائيلية لوكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA).
نشأت من وحدات التشفير المبكرة عام 1948، وتستخدم التنصت والتنقيب في البيانات والاختراقات السيبرانية لجمع المعلومات الاستخباراتية. وأشارت تقارير إلى ضلوعها في هجمات مثل فيروس ستوكسنت الذي عطّل برنامج إيران النووي.
لا تعتمد الوحدة على الصدفة في اختيار مجنديها، بل تدير آلة رصد دقيقة تبدأ من المدارس الثانوية عبر برامج مثل “Magshimim” التي تعلم المراهقين البرمجة والقرصنة لاصطياد النخب التقنية مبكرًا.
وتعتمد الوحدة على تجنيد شباب في سن الثامنة عشرة من برامج مدرسية نخبوية، وتُمنح لها الأولوية في اختيار أفضل العناصر. ويصف خريجوها ثقافة العمل بأنها أشبه بشركة ناشئة: فرق صغيرة تعمل بحرية لحل مشكلات غير مسبوقة.
هذه البيئة تولد عقلية “افعل كل شيء بنفسك” و”يمكننا فعل المستحيل”، كما يقول الخريج آفي شوه مؤسس Orca Security، وهي شركة أمن سحابي إسرائيلية-أمريكية ذات حضور عالمي.
وفي داخل الوحدة، يُلقى بهؤلاء الشبان في بيئة ضغط عالٍ تُحاكي واقع الشركات الناشئة، حيث يُطالبون بتطوير حلول برمجية سريعة لمهام تجسسية.
وتستفيد هذه البيئة من غياب القيود القانونية والأخلاقية عند تطبيق تقنياتها على ملايين الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال، والذين يُستخدمون كحقل تجارب حي ومستباح.
وهذا الاحتكاك المبكر بأدوات معالجة البيانات الضخمة يمنح المجندين خبرة فنية استثنائية، محوّلًا فترة الخدمة العسكرية الإجبارية إلى معسكر تدريب مكثف يمهد لولادة أجيال من المهندسين المشبعين بعقلية اختراق الأنظمة والسيطرة عليها تمامًا، قبل أن يخلعوا بزاتهم العسكرية وينتقلوا إلى الأسواق المدنية.
ما طريقتها لفتح أبواب التمويل والنفوذ؟
عقب إنهاء الخدمة العسكرية، لا يختفي خريجو 8200 في صمت، بل يدخلون شبكة منظمة تستثمر في مهاراتهم وعلاقاتهم. على سبيل المثال، تدير رابطة خريجي 8200 برامج مثل 8200 EISP التي تمنح المشاركين وصولًا إلى شبكة تضم 14 ألف خريج حول العالم من رواد أعمال، وتسهِّل التواصل مع عملاء ومستثمرين دوليين.
وتشير تقارير صحافة الأعمال الإسرائيلية مثل صحيفة كالكاليست إلى أن برامج التسريع EISP وImpact دعمت أكثر من 300 شركة، وأن أكثر من نصفها ما زال نشطًا، كما حققت 9 صفقات خروج تفوق قيمتها 4.5 مليارات دولار.
في الوفود الخارجية، نجح 70٪ من الشركات المشاركة في توقيع أولى عقودها خلال ستة أشهر، وهي أرقام توضّح أن 8200 ليست مجرد وحدة تدريب عسكري بل بنية تواصل وتمويل تُرافق الخريجين في مساراتهم المهنية. كما أن الانتقال من الوحدة إلى السوق يتم عبر وسطاء رأس مال مغامر ومسرعات أعمال يقودها خريجون مخضرمون.
لا تعمل هذه المنظومة في فراغ، بل يدعمها ضخ مالي هائل من صناديق استثمار مخاطر أسسها قادة سابقون في الوحدة، مما يخلق بيئة مغلقة وشبه حصرية للتمويل.
يبرز هنا صندوق “Cyberstarts” الذي أسسه المستثمر غيلي رعنان، والذي يُعَد شريك اليوم الأول لمعظم شركات الخريجين، محققًا عوائد مالية خيالية.
وإلى جانبه تقف مجموعة “Team8” التي أسسها القائد السابق للوحدة ناداف زفرير، والتي لا تكتفي بتمويل الشركات بل تعتمد أسلوب “المصنع”.
في هذا النموذج، تُحدد الثغرات الأمنية والمشاكل التقنية الكبرى سلفًا بالتعاون الوثيق مع مديرين تنفيذيين في مؤسسات عالمية، ثم تُشكل فرق النخبة من خريجي الوحدة لبناء شركات مصممة خصيصًا لحل تلك الثغرات.
ويقول غيلي رعنان، وهو مستثمر في “Cyberstarts” وشريك في “Sequoia Capital” (شركتا رأس مال مغامر)، إنه حتى إن لم يبحث خصيصًا عن الخلفية العسكرية عند الاستثمار، فإن 90 إلى 95٪ من الفرق التي يراها تتكوَّن من خريجي 8200.
يرجع هذا الواقع إلى الطبيعة المتحررة للوحدة ولجدارتها التي تسمح بتأهيل الشباب لإدارة شركات، وفق تعبيره. كما يؤسس بعض الخريجين برامج إرشاد مجانية، ويطلقون صناديق استثمارية وأجنحة توظيف تفضّل أبناء الوحدة.
بذلك تصبح الخدمة العسكرية شبكة ثقة مغلقة تسهِّل الحصول على التمويل والتوظيف، وتعطي الخريجين أسبقية على رواد الأعمال الآخرين في سوق التكنولوجيا.
كيف تشق طريقها إلى “وادي السيليكون”؟
يمر هذا الطريق عبر تأسيس شركات ناشئة ثم جذب رأس المال الأمريكي والاستحواذات الكبرى، ومن أبرز الأمثلة نرصد التالي:
Wiz: شركة أمريكية-إسرائيلية لأمن السحابة، لها حضور رئيسي في نيويورك و”تل أبيب”. وسبق لفريقها تأسيس Adallom وبيعها إلى ميكروسوفت مقابل 320 مليون دولار، ثم أسسوا Wiz التي أنهت جوجل صفقة الاستحواذ عليها في 11 مارس/آذار 2026 مقابل 32 مليار دولار.
CyberArk: شركة إسرائيلية الأصل في أمن الهوية وصلاحيات الوصول، مع حضور مؤسسي وتشغيلي بارز في الولايات المتحدة، وأصبحت الآن جزءًا من Palo Alto Networks الأمريكية بعد إتمام الاستحواذ في 11 فبراير/شباط 2026.
Check Point: شركة إسرائيلية عالمية، مقرها الدولي في “تل أبيب” ولها مقر أمريكي في ريدوود سيتي (قلب وادي السيليكون). تعد من رواد الجدران النارية وأمن الشبكات، وتحمي أكثر من 100 ألف مؤسسة، كما خرج من دائرتها لاحقًا مؤسسون لشركات أمريكية مثل Palo Alto Networks وImperva، وشركة Cato Networks الإسرائيلية.
Axonius: شركة أمريكية-إسرائيلية للأمن السيبراني وإدارة الأصول الرقمية، لها مقر في نيويورك وحضور في “تل أبيب”. تطور منصة تساعد المؤسسات على معرفة الأجهزة والهويات والتطبيقات المتصلة بشبكاتها، وهي منتشرة بالفعل في أكثر من 70 جهة اتحادية أمريكية، كما اختيرت لتحديث برنامج مراقبة المخاطر المستمرة في البنتاغون.
Cyera: شركة أمريكية-إسرائيلية لأمن البيانات السحابية، بمواقع رئيسية في نيويورك و”تل أبيب”، قفزت قيمتها إلى 9 مليارات دولار في يناير/كانون الثاني 2026 بعد جولة تمويل جديدة.
كيف تقتحم هذه الشركات حياتنا؟
تعمل شركات خريجي 8200 في مستويات غير مرئية من حياتنا الرقمية:
- منتجات Wiz تحمي بيانات الشركات الكبرى مثل Morgan Stanley وBMW وLVMH عبر خدمات سحابة Amazon وMicrosoft وGoogle. وبعد استحواذ Google، ستصبح تقنيات Wiz جزءًا من بنية Google Cloud، ما يعني أن ملايين المستخدمين قد يعتمدون عليها دون علمهم.
- حلول Check Point وPalo Alto وImperva وCato تُستخدم لتصفية حركة الإنترنت وتأمين التطبيقات في المصارف والمستشفيات والمتاجر؛ أي أنها تتحكم في تدفق المعلومات بين الأجهزة والخوادم.
- Axonius تساعد المؤسسات على معرفة الأجهزة المتصلة بها، ومن ثم تفرض سياسات وصول يمكن أن تؤثر على كل موظف أو مستخدم يتصل بتلك الشبكات.
- Onyx تستهدف تأمين وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين قد ينفذون عمليات مالية أو إدارية بالنيابة عن المستخدم، ما يمس مستقبل التفاعل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ولا تقتصر هذه القدرات على الخصوم الخارجيين وفق خطاب المؤسسة الإسرائيلية، بل تمتد أيضًا إلى مراقبة الفلسطينيين تحت الاحتلال، وهو ما فجّره علنًا احتجاج 43 من جنود الاحتياط عام 2014.
وأرسل هؤلاء وقتها رسالة مفتوحة يرفضون فيها المشاركة في التجسس على الفلسطينيين، معتبرين أن الاستخبارات “تُتيح مراقبة شاملة وتتدخل في معظم جوانب الحياة” كما كشف الاحتجاج جانبًا من ممارسات المراقبة العميقة التي تستخدمها الوحدة في الأراضي المحتلة.
وفي 2025 كشفت تحقيقات صحافية أن الوحدة خزّنت ملايين المكالمات الهاتفية للفلسطينيين في خوادم Microsoft Azure. وتُظهر هذه الحوادث كيف يمكن أن تنتقل أدوات المراقبة إلى شركات تكنولوجية أمريكية وتدخل البنية التحتية العالمية.
وفي المجمل، لا تمثل “الوحدة 8200” مجرد “مصنع مواهب” هندسية معزول، بل هي القلب النابض لآلة استعمارية متكاملة تُحوّل العسكرة والمراقبة إلى سلع رقمية مهيمنة واستثمارات ضخمة.