رغم مضي ثلاث سنوات ونحو خمسة أشهر على انقطاع أخباره، لم يتوقف مفيد ملا صالح، المنحدر من مدينة الرقة، عن البحث عن ابنه الهمام الذي فُقد خلال رحلة العبور إلى أوروبا خاصة مع حصول العائلة بشكل دوري على مؤشرات تفيد بأن ابنها لا يزال على قيد الحياة في أحد مراكز الاحتجاز داخل الأراضي اليونانية.
الهمام ملا صالح واحد من عشرات طالبي اللجوء السوريين الذين فُقدوا على بوابة أوروبا، وما زالت عائلاتهم تبحث عن مصيرهم في إطار جهود فردية، وسط ترجيحات بأن بعضهم قد يكون محتجزًا في سجون أو مراكز احتجاز في كل من بلغاريا أو اليونان.
في هذا التقرير، يحاول “نون بوست” البحث في أسباب فشل عائلات مفقودين سوريين في معرفة مصير أبنائها، ويسلط الضوء على مطالباتهم للحكومة السورية الجديدة بفتح هذا الملف مع حكومتي اليونان وبلغاريا، للكشف عن مصير أبنائهم.
القصة من البداية
مستذكرًا أدق التفاصيل، يروي الوالد مفيد لـ”نون بوست” قصة فقدان ابنه بعد أن “سيطر عليه حلم أوروبا” من أجل مساعدة عائلته بسبب “ضنك العيش” الذي عانت منه العائلة كحال كثير من العائلات السورية خلال السنوات الخمسة عشر الماضية، يقول مفيد إن قرار ابنه المولود عام 2004 بالسفر، بعد إنهائه المرحلة الثانوية مع مجموعة من أصدقائه كان مفاجئًا وسريعًا، وكان على عدة مراحل، أولها الدخول “تهريبًا” إلى تركيا.
إلقاء القبض عليه من قبل قوات حرس الحدود التركية وتعرضه للضرب لم يمنع الهمام من الوصول إلى تركيا نقطة الانطلاق الأولى إلى أوروبا، لينتقل إلى المرحلة الثانية وهي الدخول إلى اليونان من خلال مهربين فشل خلالها مرتين، لتتم إعادته إلى تركيا في كل مرة كما يشرح والده خاصة مع اعتقاد القوات التركية بأن الهمام، أفغاني الجنسية بسبب لون بشرته السمراء.
في المحاولة الثالثة تمكنت المجموعة التي كان الهمام يرافقها من عبور نهر إيفروس الفاصل بين تركيا واليونان، ليفاجئها إطلاق نار “غير مباشر” من قوات الكوماندوس اليونانية ما تسبب بتفرقها، ليتفاجئ أفراد المجموعة بعد إعادتهم إلى تركيا بأن الشاب الهمام ليس بينهم.
بدأت العائلة رحلة البحث عن ابنها الذي انقطعت أخباره في 4 أيلول 2022، تواصلت مع النيابة العامة التركية والطبابة الشرعية ووكلت محامين، ولم يثبت أن الهمام موقوف في تركيا كما لم تسجل أي حالة غرق قبل تاريخ فقدانه بأسبوع أو بعده بأسبوعين.
“الهمام ابن الفرات وهو يجيد السباحة ولو أنه غرق لكان النهر قد لفظ جثته خلال يومين”، بحسب ما قاله والده، ولتأكيد ذلك تم التواصل مع منظمات داخل اليونان ومع طبيب من مشفى ألكسندروبوليس على الحدود التركية-اليونانية الذي نفى بدوره وجود أي حالة تطابق مع مواصفات همام التي أعطتها العائلة لا من حيث اللباس أو الصفات الجسدية.
ويؤكد الوالد أن ما صعّب من مهمة البحث عن ابنه هو عدم حمله أي أوراق ثبوتية أو أموال فكل ما يخصه كان في حقيبة يحملها صديق في المجموعة التي غادر معها.
مؤشرات على الاحتجاز
خلال الفترة الزمنية الممتدة منذ لحظة انقطاع التواصل إلى يومنا هذا، وردت للعائلة معلومات غير مؤكدة عن وجود الهمام في صربيا، وحاولت العائلة التواصل مع مجموعات المهربين أو ما يُعرف بـ”الريبرية” لكن دون نتيجة، وتعرضت للعديد من محاولات الابتزاز المادي لكنها رفضت التعاون لعدم وجود أي ضمانات.
تستند العائلة اليوم إلى ثلاثة مؤشرات ترجّح احتجاز ابنها في اليونان، المؤشر الأول يتمثل في تأكيد عامل توصيل كان يسلم الطعام لحراس أحد مراكز الاحتجاز في اليونان للعائلة رؤيته للهمام في ساحة أحد مراكز الاحتجاز غير الرسمية، إذ سأل عن اسمه وتم تأكيد وجوده ولم يُسمح للعامل بالحصول على أي وسيلة للتواصل معه.
أما المؤشر الثاني فهو اتصال مجهول مع الأب من رقم “أفغاني”، وعند محاولة تتبع الرقم قيل إنه يُستخدم من داخل السجون اليونانية ويمكنه الإرسال فقط ولا يستقبل المكالمات، ويؤكد الوالد أن الهمام يحفظ رقم هاتفه الذي لم يغيره منذ عام 1998.
فيما يتمثل المؤشر الثالث في تواصل شخص تركي الجنسية مع الوالد وتأكيده أن الهمام أكمل الطريق مع مجموعة أخرى يُحتمل أنها تركية وأنهم دخلوا إلى عمق الأراضي اليونانية وهو بخير لم يغرق لكن انقطع الاتصال به.
لا رد من السلطات السورية
رغم مرور الوقت، لم تتوقف عائلة الهمام عن البحث أو النشر عن ابنها، ودفعوا ثمن ذلك محاولات ابتزاز مالي وضغوطًا نفسية، لكنهم بقوا مسلّحين بالأمل، كحال العديد من العائلات السورية التي تريد معرفة مصير أبنائها.
ومع زوال النظام البائد الذي كان سببًا في تهجير آلاف الشبان السوريين، تناشد العائلة الحكومة السورية الجديدة والجهات المختصة أن تعمل جاهدة على فتح ملف المفقودين والمحتجزين في السجون غير الرسمية في أوروبا والتحقيق في مصير أبنائهم المفقودين إن كانوا أحياء محتجزين أو ضحايا اختفاء قسري على الحدود الأوروبية.

وللوقوف حول دور وزارة الخارجية السورية أو تحركاتها في هذا الملف تواصلت “نون بوست” في مراسلة إلكترونية مع مكتب التنسيق والاتصال في الوزارة الذي اعتذر بدوره عن الإجابة مشيرًا إلى توقف التصريحات في الوقت الحالي.
وكانت المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا بالتعاون مع الهيئة الوطنية للمفقودين عقدت اجتماعًا للخبراء في 1 كانون الأول 2025 جمع جهات عدة من بينها النيابة العامة الإيطالية والشرطة اليونانية واللجنة الدولية لشؤون المفقودين بالإضافة للعديد من الجهات المختصة الأخرى.
تمثلت أهداف الاجتماع، بحسب موقع المؤسسة، في تعزيز التنسيق بين الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني وأسر المفقودين، وتبادل المعرفة حول آليات البحث وعمليات تحديد الهوية، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لتوحيد الجهود عبر الولايات القضائية المعنية، وضمان أن تنعكس احتياجات ومخاوف الأسر في السياسات والإجراءات العملية.
والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا هي كيان تابع للأمم المتحدة أنشأته الجمعية العامّة في 29 حزيران 2023 استجابة للنداءات العاجلة من أفراد أسر الآلاف من الأشخاص المفقودين في سوريا لاتخاذ إجراءات لتحديد مصيرهم ومكان وجودهم، فيما أنشأت الحكومة السورية الهيئة الوطنية للمفقودين في آب 2025، داعية المجتمع الدولي لتقديم الدعم التقني والإنساني وتزويد الهيئة بالمعلومات والوثائق المتوفرة لديهم.
أين يختفي طالبو اللجوء؟
تُعدّ الأراضي اليونانية والبلغارية من أبرز بوابات الدخول البرية لطالبي اللجوء، بمن فيهم السوريون، إلى الاتحاد الأوروبي انطلاقًا من تركيا، ولا سيما عبر اجتياز نهر إيفروس.
وتُصنَّف الطرق التي يسلكها اللاجئون للوصول إلى هاتين البوابتين ضمن أخطر مسارات الهجرة، في ظل تكرار حوادث الغرق في النهر، والتعرّض لعمليات النصب والاحتيال من قبل شبكات التهريب، فضلًا عن التوقيف أو الاحتجاز من قبل قوات حرس الحدود التركية أو اليونانية أو البلغارية، أو الإعادة القسرية إلى تركيا.
ويتوقف مصير طالبي اللجوء الموقوفين في اليونان أو بلغاريا على مسار التوقيف الذي يخضعون له، فإما أن يُحتجزوا في مراكز مغلقة، غالبًا ما تشبه السجون وتُوصف بظروف غير آمنة، أو يُنقلوا إلى مراكز رسمية بانتظار البت في طلبات لجوئهم، أو يتعرضوا للإعادة الفورية إلى تركيا فيما يُعرف بالإعادة غير الرسمية، خارج الأطر القانونية الموصى بها.
ظروف احتجاز قاسية في اليونان
وكانت منظمة “Equal Rights Beyond Borders”، وهي منظمة للمساعدة القانونية مقرها الرئيسي في كل من اليونان وألمانيا، قدمت شكوى للأمم المتحدة بشأن الظروف الصادمة التي يواجهها الأطفال فيما يسمى بـ“المناطق الآمنة” داخل مراكز الوصول المغلقة الخاضعة للرقابة في جزيرتي كوس وليروس.
ولا تركز تقارير المنظمة على المفقودين السوريين الذين فقدوا الاتصال بعائلاتهم بشكل خاص وإنما تركز على أوضاع احتجاز طالبي اللجوء داخل اليونان.
ويبيّن تقرير للمنظمة صادر في 12 حزيران 2025 أن “المناطق الآمنة” هي أقسام خاصة داخل مراكز الوصول المغلقة الخاضعة للرقابة وغيرها من مرافق الاستقبال في اليونان، حيث يُحتجز الأطفال غير المرافقين لأشهر طويلة، وهي غير مخصّصة للإقامة طويلة الأمد، وتُجبر الأطفال على تحمّل ظروف بالغة السوء، في ظل عزلهم عن عائلاتهم، والمجتمع المدني، والجهات القانونية، وقد جرى احتجاز آلاف الأطفال في هذه المناطق الآمنة في مختلف أنحاء اليونان.
وبحسب الادعاءات الواردة في الشكوى يتعرض الأطفال لاحتجاز فعلي بحكم الأمر الواقع ولا يُسمح لهم بمغادرة المناطق الآمنة لأي سبب، إلا إذا كانوا برفقة أحد الموظفين، وفقط في حالات استثنائية، بالإضافة إلى أن المرافق غير آمنة ومكتظة، وعدم كفاية الغذاء والمياه، وانعدام الوصول إلى الرعاية الصحية والطبية، وانعدام الوصول إلى المساعدة القانونية..
ماذا عن بلغاريا؟
فيما يتمتع المحامون في بلغاريا، وكذلك ممثلو المنظمات غير الحكومية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بموجب القانون وفي الممارسة العملية، بحق الوصول إلى مراكز الاحتجاز خلال ساعات الزيارة، كما يمكنهم الدخول إليها بشكل طارئ ودون الحصول على إذن مسبق عند الضرورة أو بناءً على طلب طالبي اللجوء، بحسب تقارير اللجنة الهلسنكية البلغارية.
واللجنة هي منظمة حقوق إنسان غير حكومية مقرّها بلغاريا، تأسست عام 1992، وتُعد من أبرز المنظمات الحقوقية في البلاد، وهي المنظمة غير الحكومية الوحيدة التي تَزور بانتظام مراكز الاحتجاز في بلغاريا، وتقدم المساعدة القانونية وتراقب الأوضاع هناك بشكل دوري.
تواصلت “نون بوست” مع اللجنة لسؤالها عما إذا كانت قد وثقت حالات طالبي لجوء سوريين فقدوا الاتصال بعائلاتهم بعد دخولهم بلغاريا أو محاولتهم دخولها، وعن وجود حالات احتجاز لم تُسجّل فورًا أو بشكل صحيح، لا سيما خلال المراحل الأولى من مراقبة الحدود أو النقل، بالإضافة إلى أبرز العقبات التي تواجهها منظمات حقوق الإنسان عند محاولتها الوصول إلى معلومات حول أماكن وجود طالبي اللجوء المحتجزين أو وضعهم القانوني.
واعتذرت المديرة في برنامج اللاجئين والمهاجرين التابع للجنة، إيليانا سافوفا، لـ”نون بوست”، عن الإجابة على الأسئلة عبر مراسلة إلكترونية، وقالت إنه “على الرغم من نشاط اللجنة والتزامها الطويل الأمد في رصد الحدود وانتهاكات حقوق الإنسان على طولها، يؤسفني أن قدرتنا على دعم بحثكم وموادكم غير متوفرة حاليًا”.
وأضافت أن برنامج اللجنة الخاص باللاجئين والمهاجرين شهد تخفيضات مالية حادة مؤخرًا، ولذلك لم يتبقَّ فيه سوى عدد قليل من الموظفين في الوقت الراهن، مشيرة إلى انشغالهم تمامًا بالاستجابة لنداءات طالبي اللجوء واللاجئين الذين تُركوا دون أي مساعدة قانونية موثوقة أو متاحة.
ويعد نقص الموارد المالية والفنية واحدًا من الفجوات الكبرى التي تعيق الوصول إلى حل شامل لقضية المفقودين على طرق الهجرة، بحسب تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان صادر في 13 كانون الثاني 2026.
إلى جانب ذلك، تعاني الجهود في هذا المجال من غياب آلية دولية مركزية متخصصة، وضعف التنسيق عبر الحدود وافتقار الأطر القانونية والإجرائية داخل الدول، بالإضافة إلى تسيس القضية وضعف الإرادة السياسية.
وتوصي الشبكة بتعزيز التعاون الدولي عبر تفعيل المؤسسات القائمة وإنشاء وتطوير قاعدة بيانات دولية، وتحسين التعاون العابر للحدود في عمليات البحث والتحقيق، وجعل التحقيق والمساءلة إلزامية وعدم إفلات أي متورط من العقاب.
كما توصي بضمان المشاركة الفعّالة لعائلات المفقودين في عمليات البحث والتحقيق، وتمكين أسر المفقودين ودعم الناجين (نفسياً واجتماعياً وقانونياً)، وتعزيز المسارات الآمنة للهجرة ومنع تكرار المآسي، وتكريم الضحايا وحفظ الذاكرة الجماعية، والتصديق على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة وسد الفجوات القانونية.