• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

15 عامًا من الثورة.. كيف تغير وعي السوريين السياسي؟

زينب مصري١٥ مارس ٢٠٢٦

“يا جهنم افتحي أبوابك حافظ أسد من أحبابك”.. لا تزال زينب سيد، تتذكر جيدًا هذه العبارة التي قالها والدها معلقًا على وفاة حافظ الأسد، في يوم صيفي حار جدًا وصفه من كان في المنزل حينها بـ”نسمات من جنهم لاستقبال المقبور”.

بهذا المشهد، تسترجع الطبيبة المنحدرة من مدينة إدلب الأحاديث السياسية التي كانت تجري في منزل عائلتها قبل ثورة السوريين على حكم آل الأسد في آذار 2011، حين كان النقاش السياسي محرمًا، والحديث عنها قليل أو شبه معدوم.

لكن اليوم، وبعد 15 عامًا على الهتاف الأول ضد حكم الأسد وكسر حاجز الصمت، تحولت السياسة إلى موضوع حي وجزء طبيعي من الحياة اليومية للأسر السورية، وأصبحت النقاشات السياسية موجودة على موائد الطعام، وفي الشارع، وفي صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

تحاول “نون بوست” عبر هذا التقرير فهم تأثير الثورة على تطور وعي السوريين السياسي، وتحوله من الصمت والخوف إلى النقاش والتحليل الشخصي، عبر استطلاع آراء أشخاص من جيل عايش السياسة قبل الثورة وجيل تشكل وعيه بعدها.

أحاديث محفوفة بالخوف والحذر

تقول زينب في حديث لـ”نون بوست” إن الأحاديث السياسية التي كانت تجري في منزل عائلتها قبل الثورة كانت غالبًا حول انتقاد عائلة الأسد وذكر تاريخها الإجرامي، وما ارتكبته من انتهاكات وتحريف للتاريخ، لكنها كانت محصورة بالوالدين وتجري بحذر شديد مع تحذير الأبناء بعدم تكراره خوفًا من العواقب.

وكانت هذه الأحاديث نابعة من موقف العائلة المعارضة لحكم آل الأسد بعد تجارب مريرة تخصها متعلقة بأحداث الثمانينات في كل من حماة وإدلب.

أما بعد الثورة، أصبح الحديث أكثر وضوحًا وحدّة وأكثر تعقيدًا، لكنه في الوقت نفسه أكثر إثارة للاهتمام، كما شهدت العائلة خلافات مع بعض الأشخاص الذين كانوا يتخذون موقفًا رماديًا.

وتضيف الطبيبة أن السياسة أصبحت عنصرًا أساسيًا في كل تفاصيل الحياة تقريبًا، وأصبحت معيارًا مهمًا لتقييم المستوى الفكري والأخلاقي لدى الأشخاص وتحديد طبيعة العلاقة معهم.

وبالنسبة لها، تشكّل موقف واضح يتمثل في عدم الترحيب بأي شخص مؤيد للنظام في دائرة علاقاتها، لأنها ترى أن دعمه للنظام يتعارض مع الضمير والقيم الأخلاقية والمبادئ.

وترى زينب أن النقاشات السياسية أصبحت أكثر حضورًا داخل البيت خاصة بين الشباب والشابات بشكل خاص، مع وجود حديث دائم عن تأجيل الخدمة العسكرية، وعن هاجس يوم الخامس عشر من آذار المرتبط بتأجيل الخدمة الإلزامية، كما أن النقاشات بين الشباب كانت تدور حول أوضاع البلاد والتعليم والعمل والبطالة وإمكانية الزواج، وجميعها موضوعات ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالسياسة، خاصة خلال سنوات الثورة.

التأثير على وعي الشباب

لا يختلف الحال كثيرًا لدى عائلة الشاب مسلم بدوي المنحدر من ريف إدلب، فهو ابن معتقل سابق في سجون نظام الأسد، إذ دفعته الثورة لمتابعة السياسية بشكل أعمق لأن الأحداث لم تعد مجرد أخبار بعيدة، بل صارت جزءًا مباشرًا من حياة من حوله، بحسب ما يقوله لـ”نون بوست”.

ويرى مسلم أن الثورة جعلت جيله أكثر وعيًا بالسياسية مقارنة بالأجيال السابقة إلى حد بعيد لأنه عاش التغيرات بشكل مباشر، وتابعها يوميًا عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن بداية الاحتجاجات ضد حكم الأسد عام 2011 أول لحظة أدرك فيها أن ما يحدث في البلد سيغير مستقبل جيل كامل.

ثورة آذار كمدخل للفهم

أما ريم أبو حلاوة المنحدرة من دمشق فنشأت في منزل يهتم بالسياسة وبالشؤون المتعلقة بدول الجوار، نظرًا لأن المنطقة كانت تعيش حالة توتر منذ زمن طويل، أما فيما يتعلق بالشؤون الداخلية، فكانت على دراية بالفساد والظلم اللذين كان يمارسهما النظام بحق الشعب، لكن كانت مغلوبة على أمرها كحال الكثيرين.

تقول ريم لـ”نون بوست” إن ثورة آذار كانت السبب في تعمقها أكثر في فهم السياسية من أجل استيعاب ما يجري والقدرة على الإجابة عن الأسئلة التي كانت تُطرح من قبل سكان البلد المضيف الذي انتقلت للعيش فيه، والذين غالبًا لم يكن لديهم معرفة كافية بما حدث في سوريا، وكانوا ينقلون ما جرى على أنه “حرب أهلية، لا إبادة بحق من طالبوا بالحرية”.

وترى الشابة أن الثورة وما رافقها من تهجير وظلم أسهمت في تعزيز الوعي لدى جيلها تجاه ما يحدث من حولهم، ولم يقتصر هذا الوعي على ما يجري في سوريا فحسب، بل امتد ليشمل أوضاع البلدان الأخرى التي تعرّضت أو ما تزال تتعرّض للظلم.

وتشير إلى وجود قدر من الوعي السياسي لدى فئة محدودة من الناس قبل الثورة، لكن العجز العام وغياب الفاعلين في المجال السياسي كانا السمة الغالبة آنذاك، بحسب وصفها.

الجيل الأكبر أكثر وعيًا

لكن ماذا يقول الجيل الأكبر وكيف ينعكس التغيير من منظوره، كيف شعروا عندما أصبح أبناؤهم أكثر اطلاعًا على السياسة؟

يقول الطبيب موسى أبو ضاهر المنحدر من القلمون بريف دمشق في حديث لـ”نون بوست” إن الحديث في السياسة كان موجود لدى عائلته قبل الثورة لكن في مساحة ضيقة وسقفها منخفض مشيرًا إلى أن الثورة أعطتهم مدًا ومساحة أكبر.

ويضيف الطبيب أن الجيل الجديد بوجود وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع التواصل الاجتماعي ومواكبته للأحداث جعلت منه جيلًا أكثر إدراكًا لما يجري حوله، وأصبحت النقاشات السياسية أكثر حضورًا في منزله وكل البيوت، لكن هناك تباين بالمواقف أحيانًا لتفاوت المعرفة والخبرة بين الأجيال، أو “بين حكمة الشيّاب وعنفوان الشباب” بحسب وصفه.

ويلاحظ أن أبناءه لم يتابعوا السياسة أكثر منه، لأن هدفهم كان الانتصار على المعاناة والهجرة القسرية بالمثابرة والعلم وقهر الظروف للوصول إلى مراتب عليا؛ فمعركتهم الآن بناء الوعي والوطن.

ويشير أبو ضاهر إلى أن السياسة لا تقتصر على الشأن العام، بل تشمل أيضًا الاقتصاد وتدبير شؤون الحياة اليومية، ولذلك من المهم أن يناقشها الجميع ويبدوا آراءهم فيها، وذلك من أجل مقاربة الواقع والتعامل معه في سياقات إيجابية.

حاجز الخوف لم ينكسر لدى الجميع

أما إبراهيم الغدير المنحدر من دير الزور فيقول إنه ينحدر من قرية يشكّل مؤيدو النظام حوالي 90% منها، ولم تكن عائلته قبل انطلاق الثورة تهتم بالأمور السياسية أو بحزب البعث أو بما يجري في البلاد، وبشكل عام كان المجتمع قبل الثورة قليل الحديث عن السياسة، لكن مع انطلاقة الثورة تغيّر التفكير، وتغير حديث العائلة بشكل عام حول السياسة، وبات كل أفرادها يتجهون نحو دعم مسار الثورة. 

ويضيف في حديث لـ”نون بوست” أن الفكر السياسي للجيل الأكبر كان مُسيطرًا عليه من قبل فكر حافظ الأسد” بطريقة غير طبيعية، أما بعد الثورة، فقد بدا وعي الجيل الجديد السياسي أكبر، واهتمامه بالسياسة ليس فقط على مستوى سوريا، بل على مستوى العالم أيضًا، مشيرًا إلى أنه لم يتوقع أن يمتلك هذا الجيل هذا القدر من الوعي والانفتاح والخبرة السياسية.

ويشير الغدير إلى أن أبناءه أصبحوا منذ ثلاث أو أربع سنوات تقريبًا يتابعون السياسة ويتحدثون فيها أحيانًا أكثر منه، أو على نفس المستوى الذي يتحدث فيه، وأصبحت السياسة التي يناقشونها تتعلق بمستوى عالمي وليس محصورًا بسوريا فقط.

ويرى الغدير أن الثورة كسرت حاجز الخوف من الحديث بالسياسة لدى غالبية الأسر، لكنها لم تفعل ذلك مع الجميع. فبعض الأسر، حتى بعد سقوط النظام، ما تزال تخشى النقاش السياسي ويعود سبب ذلك أحيانًا إلى الولاء للنظام أو إلى عوامل أخرى مرتبطة بالخوف المزروع داخليًا، بينما الغالبية أصبحت تتحدث بحرية أكبر.

التحول الاجتماعي والسياسي بعد الثورة

ويمكن القول إن التحوّل الذي طرأ على علاقة السوريين بالسياسة منذ عام 2011، ولا سيما في الأحاديث بين الآباء والأبناء، كان تحوّلًا ملحوظًا، وفق ما توضحه الباحثة الاجتماعية في مركز “عمران” للدراسات، حلا حاج علي.

وتقول الباحثة في حديث لـ”نون بوست” إن الخلافات الحادة حول المواقف السياسية والانقسام الذي كان موجودًا داخل كثير من الأسر بين مؤيدٍ للنظام ومعارضٍ له بدأ بالتراجع تدريجيًا. 

ففي السابق كان من الشائع وجود آراء متباينة داخل الأسرة الواحدة، إذ كان بعض أفرادها يؤيدون النظام، في حين كان آخرون يدعمون المعارضة، كما أن بعض المعارضين اضطروا إلى مغادرة البلاد أو التهجير، ما أدى إلى ابتعادهم عن أسرهم لفترات طويلة وأسهم في حدوث نوع من التفكك الاجتماعي داخل بعض العائلات، أما اليوم، فقد عادت العلاقات الاجتماعية إلى قدر من الاستقرار، حتى بين أولئك الذين كانت بينهم خلافات سياسية في السابق. 

وترى حاج علي أن ذلك يعود إلى أن مركز هذا الخلاف كان مرتبطًا بنظام الأسد، ومع زوال هذا المركز تراجعت حدّة الانقسام. وبات الحديث في القضايا السياسية أكثر شيوعًا داخل الأسر، إذ يمكن أن نجد من ينتقد الحكومة الجديدة ومن يؤيدها، من دون أن تصل هذه الاختلافات إلى حدّ القطيعة أو الشقاق العائلي.

وتوضح أن هذا التحوّل انعكس إيجابًا على العلاقات الاجتماعية عمومًا وعلى العلاقات داخل الأسرة بشكل خاص، لأنه يعكس اتساع مساحة الحرية في النقاش، فقد أصبح الناس يتحدثون في السياسة داخل بيوتهم وفي المجالس العامة بصورة أكثر عفوية، بعد أن كان الخوف من الاعتقال أو التبليغ يشكّل عائقًا رئيسيًا أمام هذا النوع من النقاش، وفي فترات سابقة وصل هذا الخوف إلى حدّ أن يتوجّس الأقارب من بعضهم بعضًا، بل وحتى الإخوة وأبناء العمومة.

وترى الباحثة أن وجود اختلاف في الآراء أمر صحي، لأنه يفتح المجال لحوار غير أحادي ويتيح تعدد وجهات النظر. كما تشير إلى أن السوريين لم يعتادوا لفترة طويلة على ثقافة الحوار، لذلك فإن ما يجري اليوم يمكن اعتباره بداية تدريجية لبناء هذه الثقافة داخل العائلات وفي النقاشات اليومية بين الأقارب والأصدقاء.

إلى جانب ذلك، تسهم التحديات اليومية التي يعيشها المواطنون في جعل النقاش السياسي حاضرًا في حياتهم اليومية. فالقضايا المعيشية والأمنية أصبحت موضوعًا متكررًا في أحاديث الناس. ورغم أن الأزمات لم تكن غائبة في السابق، فإن الشعور العام كان يقوم على غياب الأمل في التغيير، إذ اعتاد كثير من الناس الاعتقاد بأن تبدّل الحكومات لن يؤدي إلى أي تغيير حقيقي في الواقع.

أما اليوم، فقد ازداد اهتمام الناس بالشأن العام، إذ باتوا يتابعون تصريحات المسؤولين ويهتمون بمعرفة مواقف الوزراء، وهو أمر لم يكن شائعًا في السابق.

كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح الرقمي دورًا مهمًا في هذا التحول، إذ أصبح بإمكان الناس الوصول إلى مصادر متعددة للمعلومات ومتابعة آراء مختلفة، ما أسهم في توسيع المعرفة السياسية. ففي السابق كانت مصادر المعلومات محدودة، وغالبًا ما تقتصر على ما تبثه وسائل إعلام النظام، أما اليوم فأصبح النقد العلني أكثر حضورًا، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي.

التفاوت بين الداخل والخارج

وتلفت حاج علي إلى وجود فروقات في مستوى الوعي السياسي بين السوريين في الداخل والخارج، فالسوريون الذين عاشوا خارج البلاد أتيحت لهم فرص أكبر للوصول إلى المعلومات والمشاركة في الندوات وورش العمل، وهو ما يسهم في تعزيز الوعي السياسي.

في المقابل، لم تكن هذه المساحات متاحة لمن عاشوا تحت حكم الأسد، إذ كانت الأنشطة المدنية والندوات إما محظورة أو تخضع لرقابة مشددة، كما جرى توظيف المجتمع المدني ليكون أداة من أدوات النظام بدل أن يكون مساحة لتعزيز الوعي السياسي.

ومع ذلك، تشير الباحثة إلى أن مستوى من الوعي السياسي بدأ يتشكل أيضًا لدى من بقوا داخل البلاد، خاصة بعد تراجع القيود السابقة، إذ أصبح بإمكانهم حضور الندوات والمشاركة في النقاشات دون خوف.

وتضيف أن تطور الوعي السياسي يمكن فهمه ضمن منظومة ثقافية أوسع ناتجة عن تفاعل الخبرات المختلفة؛ فهناك خبرات تشكّلت في الخارج نتيجة تجربة اللجوء والانفتاح على مجتمعات أخرى، وخبرات تشكّلت داخل البلاد رغم ظروف القمع، وترى أن هذا التفاعل بين خبرات السوريين في الداخل والخارج أسهم في تعزيز الوعي السياسي.

ورغم ذلك، ما تزال هناك فجوة مرتبطة بظروف المكان، إذ تتوفر في الخارج بنية رقمية أفضل وسهولة أكبر في الوصول إلى المعلومات، في حين لا تزال هذه الإمكانات محدودة داخل البلاد. كما تشير الخبرات العملية في الندوات وورش العمل إلى أن كثيرًا من الشباب داخل سوريا لديهم رغبة حقيقية في اكتساب معرفة سياسية أوسع، لكن المشكلة تكمن أحيانًا في ضعف قنوات الوصول إلى هذه الأنشطة، ما يجعل بعض برامج التوعية السياسية محصورة في النخب، بدل أن تكون متاحة لجميع شرائح المجتمع.

علاماتأهداف الثورة السورية ، الثورة السورية ، الذكرى الـ15 للثورة السورية ، الشأن السوري ، المجتمع السوري
مواضيعالثورة السورية ، الذكرى الـ15 للثورة السورية ، الشأن السوري ، المجتمع السوري ، سوريا

قد يعجبك ايضا

مجتمع

الرقة بعد عقد من التحولات.. هل يستعيد المجتمع تماسكه؟

عمار عبد اللطيف١٠ مارس ٢٠٢٦
مجتمع

امرأة واحدة فقط.. لماذا غاب الحضور النسائي عن لقاء الشرع بالإعلاميين؟

زينب مصري٨ مارس ٢٠٢٦
مجتمع

هل ضمائر التجار كافية لضبط الأسعار في الأسواق السورية؟

زينب مصري٢٥ فبراير ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑