في تطور حاسم مطلع 2026، أقرّ الاتحاد الأوروبي قانونًا لحظر واردات الغاز الروسي تدريجيًا حتى أواخر 2027، ليجعل تعهده بفك الارتباط عن موسكو – المورّد الأكبر سابقًا – ملزمًا قانونيًا.
الخطوة جاءت بعد نحو أربع سنوات من اندلاع الحرب في أوكرانيا، واستكمالًا لمسار خفض الاعتماد على الغاز الروسي الذي تراجع من أكثر من 40% من استهلاك أوروبا قبل 2022 إلى حوالي 13% فقط في 2025.
ويستهدف الحظر الأوروبي إعادة رسم خريطة سوق الغاز جذريًا؛ بحيث تُستبدل الإمدادات الروسية بمصادر أخرى “منخفضة المخاطر”، على رأسها قطر والجزائر، مع الحفاظ على أمن الطاقة وتفادي الوقوع في ارتهان جديد لمورد واحد.
في هذا التقرير نلقي نظرة معمّقة على تفاصيل الحظر الزمني وأسبابه، ودلالات إدراج قطر والجزائر ضمن فئة الموردين الموثوقين، إضافة إلى الرابحين والخاسرين في عقود الغاز طويلة الأجل، وانعكاسات تلك التحولات على توازنات الطاقة إقليميًا، والجوانب الجيوسياسية المصاحبة لها.
حظر أوروبي تدريجي.. آليات وإنفاذ
قضى القرار الأوروبي بما يلي:
- وقف استيراد الغاز الروسي المسال بالكامل مع نهاية عام 2026، وواردات الغاز المنقول عبر الأنابيب بحلول 30 سبتمبر/أيلول 2027.
- يسمح القانون بتمديد مهلة الأنابيب حتى 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2027 كحد أقصى إذا واجهت دولة عضو صعوبة بتأمين بدائل وملء مخزونها.
- حظر فوري على إبرام عقود جديدة مع موسكو، مع إلزام الشركات الأوروبية بإنهاء العقود القائمة ضمن آجال محددة
- تُحظر تعاقدات الغاز المسال قصيرة الأجل المبرمة قبل 17 يونيو/حزيران 2025 اعتبارًا من 25 أبريل/نيسان 2026 (وللغاز عبر الأنابيب اعتبارًا من 17 يونيو 2026)، على أن تُنهى جميع العقود طويلة الأجل بحلول الموعد النهائي النهائي للحظر في أواخر 2027.
- لضمان الالتزام، يفرض القانون غرامات تصل إلى 3.5% من إجمالي الإيرادات السنوية العالمية للشركات المخالفة، ما يبرز جدية بروكسل في إنفاذ الحظر.
ورغم اعتراضات بعض الدول التي تعتمد بشدة على الغاز الروسي (مثل المجر وسلوفاكيا) وتصويتهما ضد القرار، فقد أقرّ بأغلبية مؤهلة تتيح تجاوز حق النقض الفردي.
وأعلنت بودابست أنها ستطعن على القانون أمام محكمة العدل الأوروبية، لكن ذلك لن يعيق دخوله حيز التنفيذ بعدما بات جزءًا من التشريعات الملزمة للاتحاد.

ضمن آلية التنفيذ، استحدث الاتحاد الأوروبي نظام “تفويض مسبق” لمراقبة واردات الغاز من الدول الأخرى ومنع أي التفاف على الحظر. يتطلب النظام من الشركات المستوردة تقديم ما يثبت منشأ شحنة الغاز للسلطات الجمركية الأوروبية قبل خمسة أيام من وصولها إلى الموانئ الأوروبية.
لكن لن يُطبّق هذا الشرط البيروقراطي على إمدادات الدول المصنفة “منخفضة المخاطر” والتي تعتبر مصادر رئيسية حاليًا ولا يُحتمل تسرب الغاز الروسي إليها.
وبناءً على مسودة اللائحة، يُعفى موردون كبار مثل الولايات المتحدة والنرويج وقطر وبريطانيا والجزائر ونيجيريا من شرط التفويض المسبق. ويستند هذا التصنيف إلى عدة معايير، منها أن تكون الدولة حظرت بدورها استيراد الغاز الروسي، أو عدم امتلاكها بنية تحتية تسمح بدخوله إلى شبكتها.
بهذا التحرك، تسعى بروكسل لضمان عدم تسرب غاز موسكو إلى أسواقها عبر “الطرف الثالث”، وفي الوقت نفسه توجيه رسالة ثقة لمورّدين جدد باتوا حجر الزاوية في أمن الطاقة الأوروبي.
قطر والجزائر مورّدين موثوقين
إدراج قطر والجزائر ضمن قائمة الشركاء “منخفضي المخاطر” لم يأت من فراغ؛ فالدوحة والجزائر تعدّان من أبرز مصدري الغاز عالميًا ولديهما اكتفاء ذاتي يمنع اعتمادهما على إمدادات خارجية (وبالأخص الروسية).
قطر، على سبيل المثال، شرعت في تنفيذ خطط توسعية ضخمة لزيادة طاقة إنتاج الغاز المسال من 77 مليون طن سنويًا قبل الأزمة إلى 126 مليون طن سنويًا بحلول 2027، ما يعادل نموًا بنحو 60% من مستوياتها الحالية.
هذه التوسعات – التي تُعرف بمشروع حقل الشمال – ستعزز مكانة قطر كمورّد أول عالمي للغاز المسال، وتتيح لها تلبية الطلب الأوروبي المتصاعد.
أما الجزائر، والتي تمتلك احتياطيات كبيرة وشبكة أنابيب تربطها بأوروبا عبر البحر المتوسط، فقد سارعت لاغتنام فرصة زيادة الطلب الأوروبي؛ إذ رفعت إمداداتها عبر خطوط الأنابيب إلى إيطاليا وإسبانيا، وأبرمت عقودًا جديدة لتعزيز صادراتها.
وقد صرّحت الجزائر أنها تريد الاستفادة من ارتفاع الطلب الأوروبي على غازها ووقعت اتفاقيات تزويد إضافية مع إيطاليا لهذا الغرض.
وفي الوقت نفسه، حرصت الجزائر على طمأنة شركائها الأوروبيين بأنها ستفي بالتزاماتها التعاقدية مع إسبانيا رغم التوتر الدبلوماسي بينهما على خلفية ملف الصحراء الغربية، مؤكدةً فصلها بين الخلاف السياسي واستمرار تدفق الغاز بموجب العقود المبرمة.
حصول قطر والجزائر على هذه الوضعية التفضيلية من قبل الاتحاد الأوروبي يعني عمليًا اعتبارهما ركيزة استراتيجية في حقبة ما بعد الغاز الروسي.
فبحسب بيانات 2025، أصبحت النرويج أكبر مورّد للغاز إلى الاتحاد الأوروبي (بنحو 89 مليار متر مكعب سنويًا) تليها الولايات المتحدة (81 مليار) ثم روسيا التي تراجع ترتيبها بشدة.
وإلى جانب النرويج وأمريكا، تأتي قطر والجزائر في طليعة البدائل القادرة على سد جزء كبير من الفجوة الناجمة عن انسحاب الغاز الروسي.
وقد عكس الاتحاد الأوروبي هذه الثقة المتزايدة بتوقيع دوله عقود توريد طويلة الأجل مع الدوحة والجزائر خلال العامين الماضيين:
- على سبيل المثال، وقّعت ألمانيا لأول مرة اتفاقًا مع قطر لاستيراد مليوني طن من الغاز المسال سنويًا على مدى 15 عامًا اعتبارًا من 2026، في تحول استراتيجي لدى أكبر اقتصاد أوروبي الذي كان مترددًا في الماضي تجاه العقود طويلة الأجل.
- بالمثل، أبرمت إيطاليا عبر شركة إيني (Eni) عقدًا مع قطر لتوريد ما يصل إلى مليون طن سنويًا لمدة 27 عامًا تمتد حتى 2050 تقريبًا، مما يضمن تدفقات ثابتة لأحد أكثر الاقتصادات الأوروبية اعتمادًا على الغاز.
- توصّلت الجزائر عام 2022 إلى اتفاقيات مع شركات أوروبية (مثل إيني وناتورجي) لمراجعة أسعار الغاز وتمديد التعاقدات، ورفعت صادراتها لإيطاليا بنحو 9 مليارات متر مكعب إضافية في 2023-2024 لتعويض جزء من النقص الروسي.
الرابحون والخاسرون في سباق العقود الطويلة
مع تغير مشهد الطاقة، برزت بوضوح معادلة رابح وخاسر في سوق الغاز العالمي.
- الطرف الخاسر الأكبر دون منازع هو روسيا
- أوروبا وجدت نفسها مضطرة لإعادة هيكلة استراتيجيات التوريد
- الولايات المتحدة برزت سريعًا كمزوّد رئيسي للقارة
- مصر حققت طفرة في عائدات تصدير الغاز المسال في 2022
- قطر والجزائر كانتا من أكبر الرابحين على المدى المتوسط
- ليبيا اتفقت مع إيني الإيطالية على تطوير حقول غاز بحرية والتوريد إلى أوروبا
ويوضح الإنفوجراف التالي خريطة الرابحين والخاسرين في سباق الطاقة إلى أوروبا بعد حرب أوكرانيا.
النفط والغاز مقابل النفوذ
لا يقتصر أثر التحولات الجارية على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل يتجاوزها إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للتحالفات والتوازنات الدولية.
فقد أدى بحث أوروبا المحموم عن بدائل غازية إلى تقارب أكبر مع دول الخليج وشمال إفريقيا، وهو ما ظهر في كثافة الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى المتبادلة المشتركة.
على سبيل المثال، أجرى مسؤولون أوروبيون كثر زيارات متتابعة إلى الجزائر وقطر منذ 2022 لإبرام اتفاقيات طاقة وتأمين الإمدادات، فيما استقبلت العواصم الأوروبية بدورها قادة ومسؤولين من هذه الدول في إطار حوارات استراتيجية جديدة.
ومقابل الغاز، حظيت هذه الدول بمكاسب سياسية واضحة؛ فقطر استعادت زخم علاقاتها مع الغرب، وبات يُنظر إليها بوصفها شريكًا موثوقًا لأمن الطاقة الأوروبي، ما يعكس امتلاكها أوراق ضغط ناعمة عبر اعتماد القارة العجوز على غازها.
أما الجزائر، فرغم علاقتها التاريخية بفرنسا وأوروبا، فإن ثقلها المتجدد كمورّد رئيسي أكسبها هوامش حركة أوسع. فقد تجد دول الاتحاد نفسها أكثر حرصًا على مراعاة حساسيات الجزائر الإقليمية – كما في ملف الصحراء الغربية – تفاديًا لأي تصعيد قد يهدد تدفقات الطاقة.
وقد رأينا بالفعل كيف أدى تغيير مدريد لموقفها التقليدي من قضية الصحراء في 2022 إلى أزمة مع الجزائر هددت خلالها الأخيرة بإعادة تقييم اتفاقيات الغاز، قبل أن تتدخل الدبلوماسية لتطويق الخلاف وضمان استمرار الإمدادات.
في المحصلة، يمكن القول إن قرار حظر الغاز الروسي لم يكن مجرد خطوة اقتصادية أو عقابية ضمن سياق الحرب في أوكرانيا، بل مثلّ نقطة تحول استراتيجية سيكون لها ما بعدها.
فعلى المدى القريب، وفرّت هذه الخطوة “موسم ذهب” لمنتجي الغاز من الدول العربية والولايات المتحدة لتوسيع حصصهم السوقية وجني مكاسب مالية ضخمة، لكنها أيضًا اختبرت قدرة أوروبا على بناء علاقات طاقة جديدة دون التضحية بمصالحها السياسية.