• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

ترامب يلوّح بـ”مستقبل سيئ للناتو”.. هل ينخرط الحلف في حرب إيران؟

عماد عنان١٦ مارس ٢٠٢٦

لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتهديدات جديدة لحلفائه الأوروبيين، محذرًا مما وصفه بـ”مستقبل سيئ للغاية” قد ينتظر حلف شمال الأطلسي (الناتو) إذا لم يبادر إلى تقديم دعم عملي في تأمين مضيق هرمز، الذي يواجه اضطرابًا متزايدًا وحالة إغلاق جزئي بفعل تداعيات الحرب على إيران.

وخلال مقابلة مع صحيفة “فايننشال تايمز“، اعتبر ترامب أن الدول الأوروبية باتت مدينة لواشنطن سياسيًا واستراتيجيًا، لا سيما بعد ما قدمته الولايات المتحدة من دعم واسع لأوروبا وأوكرانيا خلال السنوات الماضية، داعيًا عددًا من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا، إلى إرسال قوات بحرية وكاسحات ألغام ووحدات خاصة للمساهمة في إعادة فتح المضيق، إلى جانب أطراف دولية أخرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية.

وأضاف الرئيس الأمريكي بنبرة لا تخلو من التشكيك والضغط: “سنرى الآن إن كانوا سيساعدوننا، لطالما قلت إننا سنكون هناك من أجلهم، لكنهم لن يكونوا هناك من أجلنا، ولست متأكدًا من أنهم سيكونون كذلك”، وهو التصريح الذي يؤكد مجددًا على النزعة الترامبية القائمة على إعادة تعريف الالتزامات داخل التحالفات الغربية وفق منطق المصلحة والكلفة المتساوية، والتي كانت سببًا في توتير الأجواء بين أمريكا وحليفها الأوروبي خلال الآونة الأخيرة.

وفي ضوء هذا التحذير، الذي لا يُعد الأول من نوعه، يجد حلف الناتو نفسه أمام معضلة شديدة التعقيد، بين القلق من الانزلاق إلى مستنقع مواجهة أوسع مع إيران، وبين خشية إثارة غضب ترامب وما قد يترتب على ذلك من مواقف أمريكية أكثر تشددًا تجاه الحلف، فأي مقاربة يمكن أن يعتمدها الناتو للخروج من هذا المأزق من دون أن يدفع كلفة استراتيجية باهظة على الجانبين؟

الحرب تعمق الانقسام الأوروبي

كشفت الحرب الأمريكية  الإسرائيلية على إيران عن هشاشة التماسك الأوروبي، إذ أسهمت في تعميق الانقسام داخل القارة، كما أظهرت تصدعات متزايدة في بنية حلف شمال الأطلسي بين أوروبا والولايات المتحدة، وفق ما ذهبت إليه صحيفة “التلغراف” البريطانية.

وترى الصحيفة أن من أبرز النتائج غير المباشرة لهذه الحرب اتساع فجوة الخلاف بين أوروبا وواشنطن، معتبرة أن التحالف الأطلسي، الذي شكّل أحد أعمدة الهيمنة الأمريكية منذ عام 1945، بدا في هذه اللحظة وكأنه “قشرة جوفاء”، في ظل تراجع الإحساس المتبادل بالالتزام، وتنامي النزعة إلى تغليب المصالح الوطنية الضيقة على مقتضيات الشراكة الاستراتيجية.

واستعرضت الصحيفة ملامح هذا التباعد منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب، مشيرة إلى أن ترامب مضى في إطلاقها من دون تنسيق فعلي مع الحلفاء الأوروبيين، في وقت ظل فيه الهدف النهائي للعملية العسكرية غامضًا، بين السعي إلى تقويض القدرات العسكرية الإيرانية، أو الدفع نحو تغيير النظام، أو فرض صيغة من الاستسلام الكامل على طهران.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تؤكد أن إيطاليا لن تشارك في الحرب ضد إيران ولن تدخل الصراع في الشرق الأوسط، مشددة على أن بلادها "ليست في حالة حرب ولا تريد الدخول في حرب". pic.twitter.com/PUc5mmCdpm

— نون بوست (@NoonPost) March 14, 2026

واستشهدت الصحيفة بمواقف عدد من العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها مدريد ولندن وروما، بوصفها مؤشرات دالة على حجم التوتر مع واشنطن،  ففي إسبانيا، اتهم وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس الولايات المتحدة و”إسرائيل” بانتهاك القانون الدولي في إيران، داعيًا أوروبا إلى إدانة الغارات الجوية المتواصلة، فيما مضت مدريد في سحب سفيرتها لدى “إسرائيل” بصورة دائمة، على خلفية تصاعد الخلاف الدبلوماسي بسبب موقفها الرافض للهجمات الأمريكية والإسرائيلية.

أما في بريطانيا، فقد بدت العلاقة مع واشنطن بدورها عرضة لقدر من التوتر، بعدما كشفت تطورات الحرب عن تباينات في مقاربة الطرفين، فبحسب ما أوردته الصحيفة، أبدى ترامب اعتراضه على موقف لندن الرافض للانخراط في الضربات الأولى، كما تعرّض رئيس الوزراء كير ستارمر لقدر من السخرية من جانب الرئيس الأمريكي عندما اتجهت بريطانيا إلى بحث إرسال حاملة الطائرات إلى منطقة غرب آسيا، قبل أن تتراجع لاحقًا عن هذه الخطوة وتلغي خطط الطوارئ المتعلقة بإرسال حاملة الطائرات.

مقاربات الناتو

ينطلق حلف شمال الأطلسي في مقاربته للحرب الدائرة حاليًا من خمسة محددات رئيسية تحكم سلوكه السياسي والعسكري:

أولًا: تجنب تحويل الحلف إلى طرف مباشر في الحرب
يحرص الناتو على النأي بنفسه عن الانخراط المباشر في المواجهة مع إيران، انطلاقًا من إدراكه لحساسية الانزلاق إلى حرب مفتوحة تتجاوز الأطر الدفاعية التقليدية للحلف. وتستند هذه المقاربة إلى سوابق واضحة؛ ففي أزمة مضيق هرمز عام 2019، أكد الأمين العام الأسبق ينس ستولتنبرغ أن وجود بعض دول الحلف في المنطقة لا يعني وجودًا للناتو كحلف.

وتكرر المنطق ذاته خلال الحرب الإيرانية الأولى في يونيو/حزيران 2025، حين اقتصر الموقف الأطلسي الرسمي على التشاور اليومي وإدارة التطورات، من دون الذهاب إلى إعلان مهمة قتالية جديدة تحت مظلة الحلف.

ثانيًا: أولوية حماية القوات والمهام القائمة بدل فتح جبهات جديدة
تتمثل إحدى أولويات الناتو في حماية قواته المنتشرة أصلًا في الشرق الأوسط، ولا سيما في العراق، حيث يضطلع بمهام لوجستية وتدريبية ضمن أطر دولية قائمة، ومن هذا المنطلق، يفضل الحلف تحصين وجوده الحالي ومنع انتقال تداعيات الحرب إلى أصوله وقواته المنتشرة في المنطقة، بدل التورط في فتح جبهات توتر إضافية لم يستعد لها سياسيًا أو عسكريًا، فضلًا عما قد تفرضه من أعباء ميدانية ومالية مرتفعة.

ثالثًا: الحفاظ على القدرات العسكرية المحدودة وعدم استنزافها
تتحكم اعتبارات القدرة والجاهزية في جزء مهم من حسابات الحلف، خصوصًا في ظل ما يعانيه من اختلالات مزمنة في مستويات الإنفاق الدفاعي والتسليح لدى عدد من أعضائه، وهذه واحدة من النقاط التي لطالما استثمرها دونالد ترامب في انتقاد الحلف وشركائه الأوروبيين.

وعليه، لا تبدو لدى الناتو مصلحة استراتيجية في الانخراط في حرب جديدة من شأنها استنزاف ما تبقى من قدراته العسكرية، خاصة بعد الضغوط الكبيرة التي فرضتها الحرب الأوكرانية على مخزونات السلاح والموارد الدفاعية للدول الأعضاء.

رابعًا: إدارة التوازنات الإقليمية وحماية المصالح الاستراتيجية
تدرك دول الناتو أن لها في الشرق الأوسط شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية واللوجستية والاستراتيجية، وأن الدخول في الحرب بوصفها طرفًا مباشرًا من شأنه أن يجعل تلك المصالح عرضة للاستهداف الإيراني، كما حدث مع المصالح الأميركية في مراحل سابقة من التصعيد.

ولهذا تبدي الدول الأوروبية قدرًا كبيرًا من التحفظ إزاء أي انخراط مباشر، مفضلة الحفاظ على توازن دقيق بين حماية مصالحها الإقليمية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد تقوض نفوذها وحضورها في المنطقة.

حرب إيران تعصف بالاقتصاد الأوروبي.. فهل تدفع القارة ثمنها عبر الطاقة والأسعار؟

اقرأ المزيد في المادة التالية 👇👇https://t.co/GclE02vGc7 pic.twitter.com/jKM3j7P9NK

— نون بوست (@NoonPost) March 13, 2026

خامسًا: القلق من الارتدادات الاقتصادية والسياسية للحرب
يُبدي حلف الناتو، ومعه العواصم الأوروبية، قدرًا متزايدًا من القلق إزاء التداعيات غير المباشرة للحرب، لا سيما على المستويين الاقتصادي والاجتماعي داخل أوروبا، فمنذ اليوم الأول لاندلاع المواجهة، بدأت آثارها تنعكس سريعًا على الداخل الأوروبي عبر ارتفاع أسعار الغاز والوقود، وتصاعد الحديث عن احتمالات اللجوء إلى إجراءات تقشفية لاحتواء الكلفة المتوقعة للأزمة.

وفي حال انخرطت الدول الأوروبية بصورة مباشرة في الحرب، فإن هذه التداعيات مرشحة للتفاقم على نحو أكبر، بما قد يضاعف الضغوط على الحكومات الأوروبية، ويكتسب هذا العامل حساسية إضافية في ظل تنامي التحفظ داخل الرأي العام الأوروبي إزاء الانخراط التلقائي في المقاربات الأميركية للسياسة الخارجية، خاصة حين تكون كلفتها الاقتصادية والسياسية مرتفعة، وحين لا تبدو انعكاساتها على المصالح الأوروبية المباشرة محسومة أو مضمونة.

مسارات الانخراط المتوقعة

في المقابل، لا تغيب عن الحسابات الأوروبية حساسية العلاقة مع إدارة ترامب، ولا سيما في ضوء نبرة التحذير والضغط التي يلوّح بها الرئيس الأميركي، حتى وإن حاولت العواصم الأوروبية التخفيف من وقع تلك الضغوط عبر خطاب السيادة والاستقلالية الاستراتيجية، فالأوروبيون يدركون أن الولايات المتحدة ما تزال تتحمل القسط الأكبر من الأعباء الدفاعية داخل حلف الناتو، وتمتلك الحضور العسكري الأوسع، فضلًا عن كونها المظلة الأمنية الأهم للتحالف.

ومن ثم، فإن الناتو، وإن كان يتحفظ على الانخراط المباشر في الحرب بوصفه طرفًا مؤسسيًا، فإنه في الوقت ذاته لن يكون معنيًا بالدخول في حلقة جديدة من توتير الأجواء مع واشنطن،  ولهذا يُرجّح أن يسعى الحلف إلى انتهاج مقاربة وسطية تقوم على تقديم أشكال من الدعم الجزئي أو المحدود، بما يخفف الضغوط الأميركية من دون الانزلاق إلى تورط كامل.

ويكتسب هذا السيناريو قدرًا أكبر من الواقعية إذا ما أُخذ في الاعتبار أن طلب ترامب وُجّه إلى دول بعينها، لا إلى الحلف باعتباره كيانًا موحدًا، وهو ما يمنح الدول الأوروبية هامشًا أوسع للمناورة ويخفف نسبيًا من الحرج الواقع على المؤسسة الأطلسية.

ويبدو مرجحًا أن يأتي أي دعم أوروبي أو أطلسي للولايات المتحدة عبر مساهمات من الدول الأعضاء، لا من خلال عملية رسمية تحت مظلة الناتو، وقد يأخذ ذلك شكل ترتيبات لأمن الملاحة خارج الإطار المؤسسي للحلف، على غرار المبادرات البحرية التي قادتها الولايات المتحدة أو بعض الدول الأوروبية بصورة منفردة خلال أزمة عام 2019.

كما يُتوقع أن تتركز المساهمة الأوروبية، إن حدثت، في مجالات ذات طابع دفاعي أو تقني، مثل إزالة الألغام، ومرافقة السفن، وتوفير الطائرات أو المسيّرات لأغراض الاستطلاع والحماية، بدل الانخراط في حرب مفتوحة ضد إيران.

وبهذه المعادلة، يحاول الناتو إدارة تلك المعادلة المعقدة بشكل براغماتي بحت، من خلال مقاربة قوامها حماية المصالح الاستراتيجية، وضمان أمن الملاحة، وتجنب تحويل الحلف إلى طرف مباشر في الحرب، ومن ثم، فإن أي استجابة من جانب بعض أعضاء التحالف ستظل، على الأرجح، استجابات فردية ومحدودة نسبيًا وخارج المظلة الرسمية للناتو، في حين تبقى فرضية إطلاق عملية أطلسية مباشرة ضد إيران مستبعدة سياسيًا، على الأقل في المرحلة الراهنة، ما لم تفرض تطورات الميدان أو تغيرات حسابات المصالح الأوروبية مراجعة هذه المقاربة في وقت لاحق.

علاماتأمن أوروبا ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، ترامب وحلف الناتو ، حلف الناتو
مواضيعالاتحاد الأوروبي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، العلاقات الأمريكية الأوروبية ، حلف شمال الأطلسي

قد يعجبك ايضا

سياسة

استهداف جزيرة خارك عسكريًا.. يُنهي الحرب أم يطيل أمدها؟

عماد عنان١٥ مارس ٢٠٢٦
سياسة

من 1941 إلى 1980.. ماذا يخبرنا التاريخ الحديث عن غزو إيران برًا؟

نون إنسايت١٥ مارس ٢٠٢٦
سياسة

بنك أهداف مُلغم.. ماذا يعني إرسال قوات المارينز لإيران؟

عماد عنان١٤ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑