في لحظات التصعيد الكبرى، لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل ستقع الحرب؟ بل: من بدأ الاستعداد لها على مستوى الدولة، لا على مستوى السلاح فقط؟
في هذا السياق، تبدو إيران دولة تتعامل مع احتمال المواجهة المقبلة باعتبارها اختبارًا وجوديًا، لا جولة ردع عابرة، فالمؤشرات المتراكمة خلال الفترة الأخيرة توحي بأن طهران تجاوزت مرحلة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة “إدارة الحرب قبل وقوعها”، لا فقط عبر رفع الجاهزية العسكرية، بل من خلال إعادة ترتيب بنيتها السياسية والأمنية تحسبًا لأسوأ السيناريوهات الممكنة.
الاستعداد بوصفه إعادة هندسة للدولة
اللافت في السلوك الإيراني الحالي ليس الضجيج العسكري، بل الهدوء البنيوي المصاحب له، فالدولة التي ترفع درجة استعدادها وتعيد تنظيم خطوط قيادتها لا تفعل ذلك لأنها تتوقع ضربة محدودة، بل لأنها تفترض أن الضربة – إن وقعت – قد تكون مصممة لإحداث صدمة شاملة: صدمة في القرار، في الخدمات، في الاقتصاد، وفي ثقة المجتمع بقدرة النظام على الاستمرار.
من هنا، يصبح الاستعداد الإيراني مفهومًا فقط إذا نُظر إليه كجزء من معركة طويلة على الإرادة، لا كمقدمة لمعركة قصيرة على الأرض، إذ أن إيران تدرك بأن أي مواجهة مع الولايات المتحدة – منفردة أو بالشراكة مع إسرائيل – لن تكون حرب جبهات تقليدية. لا أحد يتوقع إنزالًا عسكريًا أو احتلالًا، السيناريو المرجح، من وجهة نظر طهران، هو ضربة مصممة لشل الدولة: ضربات دقيقة، مركزة، تستهدف البنية التحتية الحيوية، مراكز القيادة، وربما شخصيات مركزية في هرم السلطة، على أمل أن يتحول الضغط الخارجي إلى أزمة داخلية خانقة.
بهذا المعنى، لا تعود الحرب مسألة صواريخ مقابل صواريخ، بل مسألة قدرة نظام على الصمود حين تنقطع الكهرباء، وتتعطل الاتصالات، وتنهار سلاسل التوريد، ويتحول الاقتصاد إلى عبء يومي على المجتمع. وهذه هي النقطة التي يبدو أن طهران ركزت عليها استعداداتها الأخيرة.
View this post on Instagram
فإلى جانب التحشيد العسكري والاستعداد العملياتي، يظهر أن إيران عملت على تحصين ما يمكن تسميته “الاستمرارية السيادية”، أي ضمان ألاّ يؤدي استهداف رأس النظام أو بعض مفاصله إلى فراغ قرار أو تفكك مؤسساتي، الحديث هنا لا يدور عن أسماء بديلة فقط، بل عن بنية جاهزة لتسلم القيادة فورًا، وإصدار الأوامر، وإدارة الرد أو ضبطه، ومنع تحوّل الصدمة إلى فوضى.
• نقل المرشد الإيراني علي خامنئي إلى ملجأ محصّن تحت الأرض، بحسب تقرير لموقع “إيران إنترناشيونال” نقلته يورونيوز، بعدما حذّر مسؤولون أمنيون وعسكريون من تزايد احتمال توجيه ضربة أمريكية لطهران، وذلك في ظل تصاعد التوتر العسكري والسياسي في المنطقة.
• أوكل إدارة الشؤون اليومية… pic.twitter.com/Ef37AmlosV
— نون بوست (@NoonPost) January 24, 2026
هذا النوع من التحضير نادر في المنطقة، ويعكس إدراكًا بأن أخطر ما يمكن أن تفعله الضربة الأمريكية ليس حجم الدمار المادي، بل قدرتها على تعطيل القرار المركزي ولو لساعات، ففي الحروب الحديثة، ساعة واحدة بلا قرار قد تكون أخطر من يوم كامل من القصف.
كيف ترى طهران الحرب المقبلة؟
تشير القراءة الإيرانية إلى أن الضربة المحتملة لن تستهدف بالضرورة البرنامج النووي كهدف أول، ليس لأن هذا البرنامج غير مهم، بل لأن ضربه يفتح بابًا سياسيًا وقانونيًا ودوليًا معقدًا، وقد يدفع إيران إلى خيارات تصعيدية قصوى، أما ضرب “عصب الدولة”، فهو – من وجهة نظر بعض دوائر القرار في واشنطن – أقل كلفة سياسية، وأكثر تأثيرًا على المدى المتوسط.
بهذا المنطق، تصبح الحرب أداة لإضعاف الدولة من الداخل، لا لتدمير قدرتها العسكرية فقط. الكهرباء، المياه، الاتصالات، النقل، الموانئ، المطارات، مراكز القيادة… كلها أهداف لا تُقاس قيمتها بعدد الصواريخ التي تدمرها، بل بعدد الأيام التي تعجز الدولة بعدها عن إدارة حياة الناس.
لكن هذا السيناريو، رغم خطورته، لا يعني بالضرورة أن الرد الإيراني سيكون غير محسوب، على العكس، تشير معظم التقديرات إلى أن طهران ستتعامل مع الضربة – إن وقعت – بمنطق ضبط الإيقاع، لا بمنطق الانفجار، فالدولة التي ترى أن بقاء النظام أولوية وجودية لن تندفع إلى رد يمنح خصمها ذريعة لتوسيع الحرب إلى مستوى لا يمكن السيطرة عليه.
هنا تحديدًا يظهر معنى التحشد العسكري الأمريكي الواسع في المنطقة، فالقوات والحاملات والطائرات لا تُنشر فقط لتنفيذ ضربة، بل لإرسال رسالة واضحة: الرد الإيراني الواسع سيقود إلى مرحلة ثانية أشد وأوسع، أي أن واشنطن لا تريد فقط أن تضرب، بل أن تتحكم بما بعد الضربة، وأن تفرض سقفًا صارمًا لأي رد محتمل.
بين الهيبة وتجنب الحرب الشاملة
ما يجعل حسابات طهران دقيقة إلى حد التناقض: كيف ترد لتحافظ على الردع والهيبة، دون أن تفتح بابًا لحرب شاملة قد تهدد وجود النظام؟ وكيف تمتص الضربة دون أن يظهر النظام بمظهر العاجز أمام جمهوره الداخلي؟
الاستثناء الوحيد الذي يكاد يجمع عليه المراقبون هو استهداف حياة المرشد الأعلى أو رأس القيادة العليا، في هذا السيناريو، قد تتغير قواعد اللعبة بالكامل، لأن النظام سيعتبر أن الضربة لم تعد سياسية أو عسكرية، بل وجودية، وأن أي سقف سابق للرد لم يعد قائمًا. كما أن القيادة البديلة، إن وجدت، ستحتاج إلى فعل كبير لإثبات شرعيتها داخليًا وخارجيًا.
أما من الناحية الجغرافية، فإن اختيار الولايات المتحدة الاعتماد على قواعد بعيدة مثل دييغو غارسيا في المحيط الهندي، إلى جانب انتشار حاملات الطائرات في الخليج العربي والبحر المتوسط، يشير إلى رغبة واضحة في تجنب استخدام قواعد دول الخليج في أي ضربة مباشرة. الهدف هنا ليس تقنيًا فقط، بل سياسي واستراتيجي: تحييد دول المنطقة عن الرد الإيراني المحتمل، وتقليص احتمالات توسع المواجهة إقليميًا.
هذا لا يلغي أن إسرائيل تبقى حالة خاصة في الحسابات الإيرانية، فسواء شاركت بشكل مباشر أو غير مباشر، ستظل جزءًا من معادلة الرد، بحكم موقعها ودورها في الصراع الممتد مع طهران. ووسط كل ذلك، يطفو السؤال الأهم: هل الهدف النهائي هو إسقاط النظام في إيران؟
مستقبل النظام: الضربة أم تداعياتها؟
إذا كان الحديث عن إدارة (دونالد ترامب) أو تيار متشدد داخل المؤسسة الأمريكية، فإن الإجابة قد لا تكون إسقاطًا مباشرًا عبر القوة العسكرية، السيناريو الأكثر تداولًا يقوم على كسر شروط بقاء النظام، لا إسقاطه فورًا، أي ضرب قدرته على إدارة الدولة، وإضعاف اقتصاده، وشل خدماته، وتركه يواجه شارعًا مثقلًا بالأزمات من موقع الضعف لا من موقع التعبئة الوطنية.
هذا الرهان يفترض أن النظام، حين يفقد أدوات السيطرة الاقتصادية والخدمية، سيتآكل من الداخل، وأن الضغط الاجتماعي قد يتحول إلى أزمة سياسية لاحقة، لكنه رهان غير مضمون، فالتاريخ مليء بأنظمة صمدت تحت ضربات قاسية، بل وتصلبت أكثر، حين تمكنت من ضبط الأمن وتوجيه الغضب الشعبي نحو الخارج.
وهنا تكمن المفارقة: الحرب التي يُراد لها أن تُضعف النظام قد تعيد إنتاج شرعيته إذا فُهمت داخليًا كعدوان خارجي يستهدف الدولة لا القيادة فقط. وفي المقابل، النظام الذي يعجز عن إدارة ما بعد الضربة قد ينهار دون أن يحتاج خصومه إلى إسقاطه عسكريًا.
في النهاية، تبدو المواجهة المحتملة – إن وقعت – أقل شبهًا بحرب تقليدية، وأكثر شبهًا بصراع طويل على الأعصاب، والقدرة على التحمل، وإدارة المجتمع تحت الضغط. الولايات المتحدة تراهن على صدمة محسوبة وتداعيات ممتدة، فيما تراهن إيران على امتصاص الضربة ومنعها من التحول إلى انهيار سياسي.
وبين هذين الرهانين، تبقى المنطقة معلقة على حافة حرب قد لا تُحسم بصاروخ، بل بقدرة كل طرف على إدارة ما بعد الصدمة، وعلى الصمود حين يصبح السؤال الحقيقي ليس “من ضرب أولًا”، بل “من يستطيع أن يعيش بعد الضربة”.