في قطاع غزة المحاصر، بات معبر رفح الحدودي بمثابة طوق نجاة لآلاف العالقين منذ إغلاقه وعرقلة عمله قبل أكثر من عامين، فيما تتجدد الآمال بقرب افتتاحه مع بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
ولطالما كان هذا المعبر بمثابة المنفذ الوحيد للغزيين إلى العالم الخارجي بعيدًا عن سيطرة “إسرائيل”، لكن الأمر لم يعد كذلك بعد أن اجتاحت قوات الاحتلال مدينة رفح جنوب القطاع في مايو/أيار 2024، وسيطرت عليه وأغلقته تماما.
وبعدها، بات نحو 2.4 مليون فلسطيني عمليًا في سجن مفتوح بلا مخرج. وبينما يأمل كثيرون بالعبور فور فتح البوابة، تثار تساؤلات حول الفئات التي سيتاح لها الخروج أولا وآلية السفر، خاصة في ظل شروط “إسرائيل” المقيدة التي حوّلت معبر رفح من شريان حياة إلى أداة ابتزاز سياسي.
الفئات الأكثر احتياجا للسفر
1- المرضى والجرحى
على رأس قائمة منتظري فتح المعبر، يأتي المرضى والجرحى ممن يستحيل علاجهم في مشافي غزة المتهالكة. فالعدوان الإسرائيلي خلف عشرات الآلاف من الجرحى، بينهم حالات حرجة لا تستطيع المستشفيات المحلية التعامل معها.
وقال مدير مكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة، إسماعيل الثوابتة، في يناير/كانون الثاني 2026 إن هناك نحو 22 ألف مريض وجريح بحاجة ماسة للسفر خارج غزة لتلقي العلاج وإجراء عمليات جراحية لا يمكن تنفيذها محليا.
وأشار إلى الحاجة لإجراء أكثر من نصف مليون عملية أخرى يتطلبها المرضى داخل القطاع، وهو عدد كبير يفوق قدرة المنظومة الصحية على التعامل معه.

وبرغم جهود الإجلاء المحدودة، قضى أكثر من 900 مريض نحبهم وهم على قوائم الانتظار نتيجة منعهم من السفر لتلقي العلاج.
وتُظهر بيانات منظمة أطباء بلا حدود، أنه منذ إغلاق المعبر في مايو/أيار 2024 انخفض معدل خروج المرضى بشكل حاد – فبعدما كان نحو 1,500 مريض يغادرون شهريًا للعلاج، تراجع العدد إلى ما معدله 70 مريضًا فقط شهريًا نتيجة القيود الإسرائيلية.
وتقول المنظمة إن ما تم من إجلاءات حتى الآن ليس سوى “نقطة في بحر” مقارنة بالحاجة الفعلية، مطالِبةً الدول بفتح أبوابها لعلاج عشرات الآلاف من مرضى غزة الذين ينتظرون الفرج.
وتصف رندا سميح (48 عامًا) – وهي مصابة من غزة – المعبر بأنه “شريان الحياة للقطاع”، لكنها تخشى ألا يُسمح لها بالسفر لأن إصابتها ليست ضمن الأخطر.
وأردفت: “هناك عشرات الآلاف من الجرحى في غزة، معظم إصاباتهم أخطر من إصابتي… سنموت أو تتدهور صحتنا قبل أن يحين دورنا للسفر”. هذه المخاوف تعكس الواقع الأليم لآلاف الجرحى الذين يتسابقون مع الزمن لعبور المعبر قبل فوات الأوان.
وفي ظل الانهيار شبه الكامل للنظام الصحي في غزة، أصبحت المساعدات الطبية الدولية والإجلاء عبر رفح مسألة حياة أو موت.
2- طلاب وعالقون
إلى جانب الحالات الطبية، تنتظر شريحة الطلاب دورها بفارغ الصبر لعبور رفح. فالإغلاق حرم مئات الشباب من الالتحاق بجامعاتهم في الخارج أو العودة لمقاعد الدراسة بعد حصولهم على منح وفرص أكاديمية.
فكثير من هؤلاء الطلاب تعثرت إجراءات سفرهم وتأشيراتهم بسبب عدم قدرتهم على إجراء المقابلات والفحوص اللازمة خارج غزة.
وتؤكد شبكة “طلاب وباحثون فلسطينيون في خطر” (PSSAR) وجود ما لا يقل عن 134 طالب دراسات عليا من أبناء غزة قبلوا في جامعات كندا وحدها، لكنهم عالقون بانتظار معالجة تأشيراتهم وإعادة فتح المعبر.
ويضطر هؤلاء للبقاء قيد الانتظار؛ إذ لا يمكنهم حتى استيفاء المتطلبات البيروقراطية كإجراء البصمات البيومترية إلا عند مغادرتهم غزة – وهو ما تعذّر تمامًا منذ الإغلاق الكامل لمعبر رفح.
وإلى جانب المرضى والطلاب، هناك آلاف الفلسطينيين العالقين خارج القطاع ينتظرون العودة إلى بيوتهم عبر رفح. فقد كشفت السفارة الفلسطينية في القاهرة أن حوالي 30 ألف فلسطيني سجلوا أسماءهم لديها أملاً في العودة إلى غزة بمجرد إعادة فتح المعبر.
كثير من هؤلاء كانوا قد خرجوا للعلاج أو الدراسة أو لديهم إقامات في الخارج، لكنهم يجدون أنفسهم اليوم مشتتين بعيدًا عن أسرهم.
وتشمل قوائم الانتظار أيضًا حملة الجنسيات الأجنبية والمصرية من سكان غزة الذين لهم حق الخروج؛ فبحسب اتفاقيات التهدئة سيُسمح في المرحلة الأولى بسفر حاملي الجنسية المصرية أو جنسيات أخرى والإقامات الأجنبية إلى جانب المرضى والطلاب.
وتؤكد المصادر الفلسطينية أنه جرى تسجيل مئات الأسماء من أصحاب الجنسية المزدوجة ضمن القوائم المرفوعة للجهات المصرية تمهيدًا لتمكينهم من المغادرة. بالنسبة لهؤلاء العالقين، يمثل فتح رفح أيضًا إنهاءً لمعاناة طويلة لمّوا خلالها شمل أسرهم عبر حدود مغلقة.
آلية الفتح وأولويات العبور
في 22 يناير، أعلن علي شعث رئيس لجنة الإدارة الوطنية المؤقتة لغزة والمدعومة أمريكيًا أن معبر رفح سيُفتح الأسبوع المقبل في كلا الاتجاهين. وقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن المعبر سيعاد فتحه قريبًا جدًا بالتزامن مع دخول الهدنة مرحلتها الثانية.
ورغم أجواء التفاؤل، جاءت شروط تشغيل المعبر صارمة للغاية هذه المرة. فبحسب التصريحات الإسرائيلية، سيُسمح بعبور عشرات الأشخاص فقط يوميًا في البداية، مع اقتصار الحركة على الأفراد دون البضائع حتى إشعار آخر.
ونقلت وكالة أسوشييتد برس عن مسؤول إسرائيلي أنه سيتم السماح لقرابة 50 فلسطينيًا بالمغادرة و50 بالدخول يوميًا عبر رفح، في حين أفادت مصادر أخرى بأن العدد قد يكون 150 مغادرًا مقابل 50 عائدًا.
وحتى عند هذا المعدل المحدود، سيحتاج إجلاء جميع الحالات الحرجة لما يزيد عن عام كامل. وبناءً على تجارب الإجلاء السابقة، يرجح أن تكون الأولوية للأطفال المرضى ومرضى السرطان والمصابين بإصابات بليغة، مع مرافقة اثنين من ذوي المريض في كل حالة إجلاء.
وقد بدأت الاستعدادات بالفعل في غزة لترتيب خروج الدفعة الأولى من الحالات الطبية. وعلى الجانب المصري، أعلنت السلطات جاهزيتها الكاملة للتعامل مع التطورات فور إعادة فتح المعبر. فقد أكد محافظ شمال سيناء اللواء خالد شوشة (مجاوير) أن الجانب المصري من رفح “أتمّ الاستعدادات بنسبة 100% لدخول المساعدات واستقبال جرحى غزة”.

وصرح شوشة للتلفزيون المصري بأن مركز إدارة أزمة قد تم تفعيله لوضع جميع السيناريوهات المحتملة، بالتنسيق بين غرفة العمليات في العريش ونظيرتها في القاهرة وكافة مؤسسات الدولة المعنية.
أما آلية تنظيم السفر عبر رفح بعد الفتح، فستكون مختلفة عما مضى. فقد اتُّفق على أن لجنة الإدارة الوطنية في غزة (برئاسة علي شعث) ستتولى إعداد قوائم المسافرين المستحقين وإرسالها يوميًا إلى الجانب المصري.
بدورها ترفع مصر الأسماء إلى سلطات الاحتلال ليتم فحصها والموافقة الأمنية عليها قبل السماح لأصحابها بالعبور. وأكد مسؤولون إسرائيليون أنه لن يُسمح لأي شخص بالدخول أو الخروج دون تدقيق أمني شامل من قبلهم قبل وصول المقرر سفره إلى المعبر.
وقد أشار نتنياهو صراحةً إلى ذلك بقوله: “كل من يدخل أو يخرج سيخضع لتفتيشنا الكامل”. وحسب المخطط، لن يتواجد جنود إسرائيليون بشكل مباشر في ساحة المعبر المصرية، بل سيتولى ضباط من بعثة الاتحاد الأوروبي وموظفون من السلطة الفلسطينية إدارة إجراءات العبور على الأرض – كما كان عليه الحال ضمن ترتيبات عام 2005.
وسيعمل موظفو السلطة (بالزي المدني) على ختم جوازات المسافرين، في حين تراقب “إسرائيل” كل ما يجري عن بعد عبر منظومة تفتيش واتصالات.
وإضافة إلى ذلك، أبقت “إسرائيل” قواتها مسيطرة على المنطقة العازلة بين رفح وبقية قطاع غزة، بحيث تتولى نقل الحافلات التي تقل المسافرين من وإلى المعبر لضمان السيطرة الأمنية المستمرة.
وبذلك، ورغم الحديث عن إدارة فلسطينية-مصرية مشتركة للمعبر، تبقى “إسرائيل” فعليًا ممسكة بمفتاح بوابة رفح عبر تحكمها بمن يُسمح له بالمغادرة أو العودة.
“إسرائيل” تحول المعبر إلى أداة ابتزاز
كان إعادة فتح معبر رفح بندًا أساسيًا في المرحلة الأولى من خطة وقف إطلاق النار التي دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
لكنه بقي مغلقًا بسبب ابتزاز “إسرائيل”، التي ربطت فتحه بإنجاز ملفات أخرى مثل الإفراج عن جميع الأسرى الإسرائيليين واستعادة جثث المفقودين.
وبعد العثور على جثمان راني غيفعي آخر الأسرى الإسرائيليين المفقودين في 26 يناير 2026، أعلن الاحتلال أنه سيشرع بفتح المعبر “خلال أيام”.
وتثير الشروط والإجراءات الإسرائيلية المحيطة بإعادة فتح رفح انتقادات واسعة، إذ يعتبرها كثيرون ابتزازًا سياسيًا يفرغ الهدنة من مضمونها الإنساني.
فقد اتهمت الخارجية القطرية “إسرائيل” بممارسة “الابتزاز السياسي” عبر استخدام المساعدات الإنسانية كورقة ضغط في مفاوضات فتح المعبر.
وأكدت الدوحة أنها تعمل مع الوسطاء لضمان الوصول إلى المرحلة الثانية من الهدنة دون مقايضة المساعدات، مشددًا بالقول: “طالبنا بألا يتم استخدام المساعدات الإنسانية كأداة ابتزاز سياسية”.
جاءت هذه التصريحات في وقت ربطت فيه “تل أبيب” إعادة فتح رفح باشتراط العثور على جثمان آخر المحتجزين، مما عرقل تدفق الإغاثة خلال المرحلة الأولى من وقف النار رغم النص عليها في الاتفاق.
وتعتبر المنظمات الإنسانية استمرار العرقلة انتهاكًا واضحًا لبنود الهدنة. فبحسب تلك المنظمات، بقيت القيود الإسرائيلية تعيق وصول القوافل الإغاثية عبر رفح طيلة الأسابيع الماضية، مما فاقم الكارثة الإنسانية في غزة.
كما أثارت السياسة الإسرائيلية حيال المعبر مخاوف من استغلالها لتحقيق أهداف تتجاوز الملفات الإنسانية. فخلال فترة العدوان، طرحت حكومة نتنياهو خطة تقضي بفتح رفح باتجاه واحد لخروج المدنيين من غزة إلى مصر، الأمر الذي نددت به القاهرة وعواصم أخرى باعتباره محاولة لـ”تفريغ” القطاع من سكانه.
حتى بعد القبول بفتح محدود في الاتجاهين، كشفت مصادر لرويترز أن “إسرائيل” تسعى لتقييد عدد الفلسطينيين العائدين إلى غزة عبر رفح لضمان أن الخارجين منها يفوقون الداخلين إليها. أي أن سلطات الاحتلال تستغل المعبر لتقليص أعداد سكان القطاع عبر تشجيع الهجرة القسرية ومنع عودة المغتربين.
وبين التفاؤل الحذر والخشية من الانتكاس، يترقب الفلسطينيون في غزة ما ستسفر عنه الأيام القادمة مع الأنباء عن احتمال فتح المعبر مطلع فبراير.