ترجمة وتحرير: نون بوست
تعدّ الإمارات العربية المتحدة لاعبا رئيسيا في وقف إطلاق النار الحالي في غزة. وبصفتها الشريك الخليجي الأهم لإسرائيل، فإنها تقترح استثمارات ضخمة في القطاع المحاصر. وبينما تدّعي الإمارات أن دورها إنساني بحت، كونها أكبر مانح للمساعدات منذ بداية الإبادة الجماعية، تُحاك في الخفاء مؤامرة كبرى.
لم يبدأ النفوذ الإماراتي في قطاع غزة بعد 7 أكتوبر/ تشرين الثاني 2023، ولم يقتصر على بعثات المساعدات الإنسانية. باعتبارها أول دولة عربية وقّعت اتفاقيات “أبراهام” التي ترعاها الولايات المتحدة، تمارس الإمارات نفوذًا واسعًا على المستويات السياسية والاستخباراتية والاقتصادية والعسكرية.
غالبًا ما تُصوّر العلاقة بين الإمارات وغزة على أنها إنسانية بحتة، والدليل هو إنفاق 1.8 مليار دولار على المساعدات للقطاع خلال ما يزيد قليلًا عن عامين.
رغم أن هذه المساعدات الإنسانية كانت مهمة جدا لسكان غزة، إلا أن ذلك لم يمنع من حدوث المجاعة، وبدأت الفئات الأكثر ضعفًا تعاني المرض والموت نتيجة نقص المساعدات. حدث ذلك بسبب الحصار الإسرائيلي الشامل لمدة ثلاثة أشهر، استمرت خلالها الرحلات الجوية التجارية والعسكرية بين الإمارات وإسرائيل.
صحيح أنه لا يُمكن إلقاء اللوم مباشرةً على الإمارات في نقص المساعدات، لكن ما يتم التغافل عنه إلى حد كبير هو أن أبوظبي تشارك بشكل غير مباشر في معاناة المدنيين بقطاع غزة، وتتورط في مؤامرات تزيد من معاناة الشعب الفلسطيني.
في مايو/ أيار 2024، بعد أن اجتاح الجيش الإسرائيلي مدينة رفح وأغلق المعبر الرابط بين مصر وغزة، بدأ بتشكيل مجموعة من العصابات المرتبطة بتنظيم الدولة وعناصر سلفية متشددة، بهدف نهب المساعدات التي تدخل إلى القطاع.
استخدمت إسرائيل هذه المجموعات التي كان يقودها ياسر أبو شباب (قُتل لاحقًا) لعدة أشهر من أجل نهب المساعدات الإنسانية وتسريبها عبر السوق السوداء، مما أدى إلى تجويع السكان.
في وقت لاحق من العام ذاته، تم تصوير عصابات ياسر أبو شباب – التي تعمل تحت حماية إسرائيلية وبإشراف جيش الاحتلال – بشكل مضلل في وسائل الإعلام الغربية الكبرى على أنها قوة شعبية مناهضة لحماس.
وبعد وقف إطلاق النار الذي بدأ في يناير/ كانون الثاني 2025 وانتهكته إسرائيل في مارس/ آذار، عاد هؤلاء المسلحون المرتبطون بتنظيم الدولة إلى الساحة يحملون معدات تكتيكية إسرائيلية، وأطلقوا على أنفسهم اسم “القوات الشعبية”.
ثم ظهر ما يُعرف بـ”مؤسسة غزة الإنسانية”، وهو عبارة عن خطة لخصخصة المساعدات، وهنا دخلت الإمارات على الخط. سبّبت المؤسسة مأساة حقيقية في غزة، إذ استدرجت شركات أمنية خاصة الفلسطينيين الجائعين إلى مواقع المساعدات ليتم إطلاق الرصاص عليهم بشكل جماعي، وقُتل أكثر من 2000 مدني في ما وُصف بـ”فخاخ الموت”.
ما لا يعرفه الكثيرون هو أن جانبا من مؤامرة مؤسسة غزة الإنسانية كان يقوم على استخدام المساعدات كوسيلة لتهجير ما لا يقل عن 600 ألف فلسطيني إلى منشأة مغلقة أشبه بمعسكر اعتقال، بُنيت على أنقاض مدينة رفح.
لم يقتصر الأمر على الشركات الأمنية الخاصة المُستعدة لإطلاق النار لدعم هذا المشروع، بل كان من المقرر أن تتولى “القوات الشعبية” – التي تحوّلت إلى وكيل للإسرائيليين في مواجهة حماس – مهمة حفظ الأمن في هذا المعسكر.
وقبل ظهور المؤسسة على الساحة، كان وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قد أصدر تعليمات لجيشه ببدء بناء المعسكر المقترح، المصمم لاستقبال نحو 600 ألف مدني كانوا يعيشون آنذاك في منطقة المواصي.
في الوقت نفسه، كانت الإمارات العربية المتحدة، تبني تحت ستار “عملية الفارس الشهم 3” – التي تم تسويقها على أنها مهمة إنسانية بحتة – محطات لتحلية المياه في العريش بمصر، على الحدود مباشرة مع غزة.
ذكرت وسائل الإعلام الحكومية الإماراتية في يناير/ كانون الثاني 2024 أن الإمارات أنشأت ست محطات مياه على الحدود المصرية، قادرة على تزويد حوالي 600 ألف شخص في غزة. يا لها من “صدفة” غريبة أن يكون الإماراتيون قد أعدوا البنية التحتية لمثل هذا المعسكر قبل أن تقترحه إسرائيل علنًا بفترة طويلة.
وعندما بدأت إسرائيل تقترح علنًا إنشاء المعسكر الجديد في رفح عام 2025، قبل وقف إطلاق النار، تعهدت الإمارات صراحةً بالمساعدة في توفير المياه لهذا “المجتمع” الجديد المخطط لإقامته في جنوب غزة.
انهار هذا المشروع سريعًا، ثم جاء وقف إطلاق النار وحلّ مؤسسة غزة الإنسانية سيئة السمعة. مع ذلك، لم يتخلَّ الإسرائيليون عن وكلائهم المرتبطين بتنظيم الدولة، بل شرعوا في إنشاء المزيد من المجموعات، ليصل العدد الآن إلى خمس ميليشيات معادية لحماس.
ولم يمض وقت طويل حتى بدأت المعلومات تتسرب حول الدور الإماراتي في دعم هذه المجموعات المرتبطة بتنظيم الدولة، والتي تتمركز اليوم خلف ما يُسمى بـ “الخط الأصفر” في الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي داخل غزة.
في 21 يناير/ كانون الثاني الجاري، قال موقع “دروب سايت نيوز” إنه اطّلع على وثائق مسرّبة تكشف عن مؤامرة لبناء معسكر جديد في رفح، وُصف في المقال بأنه “سجن إسرائيلي للمراقبة الشاملة”.
ثم نشرت صحيفة “الغارديان” بعد يومين معلومات صادمة جديدة حول هذا “المعسكر” المقرر بناؤه في الأراضي التي تحتلها إسرائيل كجزء من مشاريع “إعادة الإعمار” المزعومة ضمن وقف إطلاق النار في غزة، مؤكدة أن الإمارات تخطط لتمويله.
يبقى احتمال نجاح فكرة بناء منشأة أشبه بمعسكر اعتقال على أنقاض رفح، قادرة على استيعاب 600 ألف شخص، موضع شك، خصوصًا في ظل فشل محاولة بناء نموذج مشابه قبل وقف إطلاق النار الأخير.
لكن مثل هذه التسريبات التي تؤكد أن الإسرائيليين والإماراتيين كانوا يستعدون لتزويد مثل هذا التجمع السكاني بالمياه، بعد أشهر قليلة من بدء الإبادة، أمر مثير للدهشة.
إلى جانب دورها في دعم فرق الموت المرتبطة بتنظيم الدولة في غزة، والمساهمة في جهود بناء معسكر الاعتقال في رفح، وفرت الإمارات أيضًا شريانًا اقتصاديًا ولوجستيًا لإسرائيل خلال الإبادة الجماعية.
تعمّقت العلاقات التجارية بين أبوظبي وتل أبيب أثناء الإبادة، رغم التصريحات الإماراتية المتكررة التي تدين جرائم الحرب الإسرائيلية. في عام 2025، ارتفعت المبادلات التجارية بنسبة 21 بالمئة، متجاوزًا الرقم القياسي البالغ 3.2 مليار دولار أمريكي في عام 2024، وهو العام الذي شهد مجاعة في غزة صممتها إسرائيل بعناية.
وفي ظل الإلغاءات الواسعة لرحلات الطيران الدولية ورفض شركات الطيران السفر إلى إسرائيل، واصلت الإمارات تسيير الرحلات بين البلدين، ولعبت دورًا محوريًا كممر عبور للإسرائيليين. أصبحت دبي الوجهة السياحية الأولى للإسرائيليين العام الماضي، بينهم عدد كبير من الجنود الإسرائيليين الذين خدموا في غزة.
وكانت الإمارات شريان الحياة الدبلوماسي الإقليمي الرئيسي لإسرائيل طوال فترة الإبادة الجماعية. كما أن الممر التجاري الذي أنشأه الإماراتيون لمساعدة الإسرائيليين مكنهم من الصمود والالتفاف جزئياً على الأضرار الناجمة عن الحصار الذي فرضه “أنصار الله” على البحر الأحمر.
وتتعاون أبوظبي مع الإسرائيليين في أهدافهم الخارجية الأوسع نطاقا، بما في ذلك بناء قاعدة جوية في أرض الصومال، وجزيرة سقطرى اليمنية، وغيرها من المناطق.
يتجلى التحالف الإماراتي الإسرائيلي في القرن الأفريقي وغرب آسيا وشمال أفريقيا، ويتدخل في الشؤون الداخلية لعدد كبير من الدول. كما يتعاون الطرفان في مشاريع مشتركة لعزل جماعة الإخوان المسلمين وحظرها، بالإضافة إلى تمويل مشاريع دعائية مناهضة للإسلام.
وتلعب الإمارات دورا باستخدام رئيس جهاز الأمن الوقائي في السلطة الفلسطينية سابقا، محمد دحلان، لقيادة مبادرات متعددة في قارات مختلفة، ودفع أجندات محددة في قطاع غزة، وحتى في الضفة الغربية.
أما الممثل السامي لغزة في ما يسمى بـ”مجلس السلام” الذي أطلقه دونالد ترامب، فهو نيكولاي ملادينوف، الذي يقيم في الإمارات، وقد أصبح في عام 2021 المدير العام لأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبوظبي.
كما يشغل ملادينوف منصب زميل متميز زائر في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، الذي يُوصف غالبًا بأنه الذراع الفكري للوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة.
من خلال التستر وراء واجهة أنها “أكبر مانح للمساعدات الإنسانية” لغزة، تمكنت الإمارات من العمل جنباً إلى جنب مع إسرائيل في مشاريعها الرامية لتدمير الشعب الفلسطيني وإجهاض مشروع إقامة دولته.
المصدر: فلسطين كرونيكل