كشف تحقيق لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، نُشر في الأول من فبراير/شباط الجاري، عن ما وصفه بانخراط مصري مباشر في الحرب الدائرة في السودان، عبر قاعدة جوية سرّية في منطقة شرق العوينات بالصحراء الغربية، جرى استخدامها كنقطة انطلاق لطائرات مسيّرة استهدفت مواقع تابعة لـ”قوات الدعم السريع”، ووفقاً للتقرير، تمثّل هذه القاعدة حلقة أساسية في عمليات عسكرية عابرة للحدود، تعكس تصعيداً نوعياً في طبيعة الدور المصري.
واعتمد التحقيق على مزيج من صور الأقمار الصناعية، ووثائق وسجلات طيران، إلى جانب إفادات مصادر أميركية وما سمّاه “مصدرًا من الشرق الأوسط”، لتعزيز فرضية وجود هذا النشاط العسكري، وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن وزارة الخارجية المصرية، والمكتب الصحفي التابع لها، وكذلك الحكومة السودانية، امتنعوا عن الرد على استفسارات الصحيفة، سواء بالتأكيد أو النفي، ما أبقى الرواية في إطار التسريبات المدعومة بالدلائل التقنية.
ورغم أن بعض ما أورده التحقيق لا يُعد جديداً بالكامل، لا سيما ما يتصل بتقارير سابقة تحدثت عن دخول مصري على خط الصراع عقب سقوط مدينة الفاشر في أيدي قوات الدعم السريع المدعومة إماراتياً، فإن الجديد يتمثل في الكشف عن بنية عسكرية أُعدّت خصيصاً لشن هجمات بطائرات مسيّرة، مما يضفي على هذا المعطى حساسية استثنائية في ضوء العلاقة الوثيقة التي تربط القاهرة بأبوظبي، الحليف الإقليمي الأبرز للنظام المصري.
وتشير المعطيات التي أوردها التحقيق إلى أن هذا التحرك جرى بتنسيق تركي سوداني، ما يعكس تحولاً ملموساً في المقاربة المصرية تجاه الحرب السودانية، فبعد ما يقرب من ألف يوم من الاكتفاء بالدور الدبلوماسي والحذر السياسي، يبدو أن القاهرة انتقلت إلى مرحلة الانخراط العسكري غير المعلن، في خطوة قد تعيد رسم توازنات الصراع وتفتح الباب أمام تداعيات إقليمية أوسع.
قاعدة جوية لاستهداف ميليشيا الدعم
يكشف التحقيق عن ظهور مدرج طائرات مجهز بالكامل في قلب الصحراء الغربية المصرية، قرب نطاقات زراعية عملاقة أنشئت ضمن مشروع استصلاح واسع في العوينات (غرب)، تحول إلى قاعدة تنطلق منها طائرات مسيّرة عسكرية متقدمة، لا تقتصر مهمتها على الأراضي المصرية، بل تنفّذ ضربات عميقة داخل السودان، ضمن واحدة من أكبر حروب الطائرات المسيّرة على مستوى العالم.
وتشير صور الأقمار الصناعية وسجلات الطيران، إضافة إلى إفادات مسؤولين غربيين وعرب، إلى أن القاعدة المصرية تستضيف منذ عدة أشهر طائرات مسيّرة تركية الصنع تُستخدم لاستهداف ميليشيا الدعم التي تقاتل الجيش السوداني منذ أكثر من ثلاث سنوات.
ويعكس هذا التحوّل انتقال مصر من دور دبلوماسي حذر إلى انخراط عسكري غير معلن إلى جانب الجيش السوداني، في نزاع تعقده تدخلات متعددة من الإمارات وتركيا وروسيا وإيران ودول خليجية أخرى، لكل منها مصالحه وحساباته الإقليمية.
ويشير المسؤولون إلى أن هذا الانخراط جاء بعد سقوط مدينة الفاشر في دارفور بيد عناصر الدعم، وما تبع ذلك من توسّع الجماعة نحو أقاليم أخرى، مهدداً الاستقرار الإقليمي ومصر نفسها، التي استقبلت أعداداً كبيرة من اللاجئين السودانيين.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت وتيرة الضربات من القاعدة، مستهدفة قوافل الإمداد والمواقع القتالية، في محاولة لقطع خطوط الدعم القادمة للجماعة من ليبيا وتشاد، مستخدمة طائرات بعيدة المدى قادرة على تنفيذ هجمات دقيقة عبر مسافات طويلة.
1000 يوم من الحياد الحذر.. ما الذي تغير؟
منذ اندلاع الحرب في السودان، اعتمدت القاهرة سياسة انخراط محدود وحذر، ركّزت على الحفاظ على مسافة متوازنة من أطراف الصراع لتجنب الانزلاق المباشر إلى مستنقع عسكري مكلف، وعلى الرغم من الضغوط والتهديدات المباشرة وغير المباشرة، استمرت مصر في هذا النهج، متحملةً تبعات إنسانية وأمنية متزايدة، أبرزها موجات النزوح الكبيرة إلى أراضيها وما تفرضه من أعباء اقتصادية واجتماعية، فضلاً عن تعريض حدودها الجنوبية لمخاطر أمنية مستمرة نتيجة حالة الفوضى في السودان المجاور.
غير أن التطورات الميدانية الأخيرة أعادت صياغة حسابات القاهرة، إذ أصبح واضحاً أن خيار الحياد لم يعد مستداماً في ظل التمدد السريع لقوات الدعم وسيطرتها على الفاشر ومعظم ولايات دارفور، ويعكس هذا التحول انتقال الصراع من مرحلة الاستنزاف المتبادل إلى مرحلة إعادة تشكيل موازين القوة، بما يهدد بتقويض بنية الدولة السودانية التقليدية ويضع مستقبل وحدة البلاد على المحك، كما يضع الأمن القومي المصري على الحدود الجنوبية في مواجهة تهديد مباشر.
ونظرًا لما تكتسبه منطقتا الفاشر وكردفان من أهمية جيوسياسية واستراتيجية خاصة بالنسبة لمصر، تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ تمثلان عقدة حيوية في العمق الغربي للسودان، ونقطة تحكم في مسارات الأمن والتهريب والموارد العابرة للحدود، ومن ثم، جاء سقوطها، تزامنًا مع الإعلان عن النزعة الانفصالية لدى حميدتي ورفاقه، ليشكل جرس إنذار للقاهرة بأن أمنها القومي لم يعد في مأمن، وأن استمرار الحياد والدبلوماسية التقليدية لم يعد خياراً آمناً، بل مخاطرة قد تقترب من حدود المغامرة.
وعليه جاء الانخراط الذي اتخذ صورًا وأشكالا عدة، ما بين السياسي والعسكري والاستخباراتي، بعدما بات يقينًا أن المرحلة الحالية تفرض على مصر إعادة تعريف دورها في السودان، من مجرد وسيط حذر إلى فاعل مؤثر يشارك في ضبط موازين القوة وحماية مصالحه الاستراتيجية على الحدود الجنوبية.
مقاربة القاهرة بين الرياض وأبو ظبي
رغم التدخلات الإماراتية التي اعتُبرت مساسًا بالأمن القومي المصري في عدة ساحات، من غزة إلى اليمن مرورًا بالسودان ووصولًا إلى إثيوبيا، تبنّت القاهرة مقاربة ضبط النفس وغض الطرف النسبي عن هذه التفاعلات، استنادًا إلى حسابات استراتيجية تحرص على طبيعة العلاقة مع أبوظبي، فالنظام المصري يرى في الإمارات شريكًا رئيسيًا، لعب دورًا محوريًا في دعم السلطة بعد عام 2013، ما جعل كلفة المواجهة المباشرة مع أبوظبي مرتفعة سياسيًا واستراتيجيًا.
غير أن تصاعد حجم التحديات وتشابكها، إلى جانب التحولات التي شهدها المشهد الإقليمي، ولا سيما التحرك السعودي الأخير في اليمن، فرض على القاهرة مراجعة حساباتها. ولم يكن هذا التوجه باتجاه الاصطدام مع الإمارات بقدر ما تمثل في اعتماد رؤية أكثر حسمًا ووضوحًا في الدفاع عن محددات الأمن القومي المصري، وفي هذا الإطار، ظهر التقارب وتطابق الرؤى مع الرياض كاستجابة براغماتية لإعادة ترتيب الأولويات والتحالفات الإقليمية.
وبعيدًا عن التأويلات المتعلقة بانخراط مصر في السودان وتأثيره على العلاقات مع الإمارات، يمكن التأكيد على أن القاهرة لا تتبع سياسة المحاور الصلبة أو الانحياز الكامل، بل تتحرك وفق مرونة استراتيجية، فالشراكة مع أبوظبي تبقى الأساس، مع إدارة الخلافات بشكل لا يمس جوهر العلاقة، انطلاقًا من قناعة أن العلاقات الإقليمية لا تعرف شراكات مطلقة ولا صدامات مفتوحة.
ومن هذا المنطلق، ورغم التقديرات التي تشير إلى استهداف مصر لميليشيا الدعم المدعومة إماراتيًا، لن تُعلن القاهرة عن هذا الانخراط بشكل علني، تجنبًا للصدام المباشر مع أبوظبي، التي تسعى للحفاظ على العلاقات الدافئة مع القاهرة، وفي الوقت ذاته حرصًا على تداعيات هذا الانخراط على الأمن القومي المصري.
وفي المقابل، لن تُفسر الإمارات هذه الخطوات المصرية على أنها تخندق ضدها، بل ستسعى للحفاظ على شراكتها مع مصر، خاصة في ظل مساعي الرياض لاستقطاب القاهرة إلى معسكر منافس للإمارات في الفترة الأخيرة.
في النهاية، يبدو أن القاهرة تتقدم في المشهد السوداني بخطوات تدريجية محسوبة، مستندة إلى التطورات الميدانية المستمرة من جانب، والمستجدات الإقليمية من جانب أخر، وفق بوصلة تتأرجح بين الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
ومع استمرار تحولات النزاع وتعقيدات المحاور الإقليمية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستنجح هذه البوصلة في تحقيق أهداف مصر الاستراتيجية في السودان، أم أن التحديات ستجعل من هذا الانخراط غير المباشر اختبارًا عسيرًا لقدرة القاهرة على ضبط التوازن بين مصالحها الداخلية والخارجية؟
