لم تعد العلاقة بين إيران والولايات المتحدة مجرد حالة توتر مزمنة يمكن إدارتها عبر أدوات الاحتواء التقليدية أو الرسائل الدبلوماسية غير المباشرة، فالمشهد الحالي يوحي بأن الطرفين يقتربان من لحظة فاصلة، تتراجع فيها إمكانية المناورة لصالح خيارات أكثر حدة، قد تكون نتائجها مفتوحة على احتمالات خطيرة. في قلب هذه المواجهة يقف منطق اللعبة ذات المحصلة الصفرية، حيث يُنظر إلى الصراع بوصفه معادلة لا تسمح بالحلول الوسط: إما أن يصمد أحد الطرفين ويفرض معادلاته، أو يتراجع الآخر ويتحمل كلفة سياسية واستراتيجية قد تكون وجودية.
رغم المحاولات الدبلوماسية الحالية التي تقوم بها تركيا، ولكن يبدو أنها ليست إلاّ مرحلة لتسكين الأزمة بين طهران وواشنطن، أكثر من كونها انعكاس جدي لطبيعة وخطورة الصراع الموجود، إذ تكمن خطورة هذه المرحلة في أن الصراع لم يعد محصوراً في ملف واحد أو ساحة واحدة، بل أصبح شبكة متداخلة من الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية والداخلية، وكلما ازداد هذا التشابك، تضاءلت فرص الفصل بين مسارات التصعيد، وارتفعت احتمالات الانزلاق غير المقصود إلى مواجهة مباشرة
لعبة محصلتها صفر
تحكم العلاقات الأمريكية الإيرانية اليوم رؤية متبادلة تقوم على الشك العميق وغياب الثقة البنيوية، فالولايات المتحدة تنظر إلى إيران باعتبارها فاعلاً يسعى إلى تقويض النظام الإقليمي القائم وتهديد حلفائها، فيما ترى إيران في واشنطن قوة تسعى بشكل ممنهج إلى إضعاف النظام، ومحاصرته، وربما إسقاطه عند توفر الظروف المناسبة.
ضمن هذا الإطار، يتحول أي تنازل إلى مخاطرة استراتيجية داخلية، فالقيادة الإيرانية تخشى أن يُفسر التراجع على أنه ضعف، وهو مسار أكد عليه المرشد الأعلى الإيراني (علي خامنئي) في ظهوره الأخير أمام حشد جماهيري في حسينية الامام الخميني في طهران، عندما أكد بشكل واضح بأن إيران لا تخشى من الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة، وإن إيران ستوجه ضربة قوية لأي محاولة أمريكية لاستهدافها. في حين تخشى الإدارة الأمريكية من أن يؤدي أي انفتاح غير مشروط إلى تعزيز نفوذ إيران الإقليمي. وهكذا، يغيب منطق الربح المتبادل لصالح معادلة صفرية تُغلّب الحسابات القصيرة المدى على الاستقرار طويل الأمد
إذ تدخل إيران المرحلة الراهنة من التصعيد وهي تحمل سردية استراتيجية ترى أن ما تواجهه ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل صراعاً واحداً متعدد الجبهات. فالمواجهة مع الولايات المتحدة، والضغوط الاقتصادية، والاحتجاجات الداخلية الأخيرة، وحتى التوترات الإقليمية، كلها تُقرأ في طهران ضمن إطار تهديد شامل يستهدف بقاء النظام.
هذا الربط بين الداخل والخارج ليس مجرد خطاب تعبوي، بل عنصر فاعل في صنع القرار، إذ ترى القيادة الإيرانية أن أي تراجع خارجي قد ينعكس مباشرة على توازنات الداخل، ويمنح خصوم النظام فرصة لتصعيد الضغوط الشعبية والسياسية. لذلك، يصبح التشدد في السياسة الخارجية وسيلة للحفاظ على التماسك الداخلي، حتى وإن جاء ذلك على حساب مزيد من العزلة الدولية.
View this post on Instagram
الصراع بوصفه اختباراً وجودياً
يلعب المرشد الأعلى دوراً محورياً في صياغة هذا المنظور بالوقت الحالي. فبالنسبة له، لا تقتصر المواجهة مع الولايات المتحدة على خلافات سياسية أو أمنية، بل تمثل اختباراً لمستقبل المشروع الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية. ومن هذا المنطلق، تُحدد خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها دون المخاطرة بتآكل شرعية النظام من الداخل.
هذا الفهم يجعل من التسوية السياسية مسألة شديدة الحساسية، فالتنازل في قضايا تُعد ركائز أيديولوجية قد يُنظر إليه على أنه بداية لمسار انحداري يصعب وقفه. لذلك، يصبح الاستعداد لتحمل كلفة عالية – سواء كانت اقتصادية أو عسكرية – خياراً أقل خطورة من منظور القيادة من تقديم تنازلات قد تقوض أسس النظام.
حيث إنه لا تتحدث إيران عن نصر حاسم بقدر ما تركز على مفهوم الصمود، فالبقاء في مواجهة ضغوط غير مسبوقة يُقدم دليلاً على القدرة على التحدي وإفشال أهداف الخصم. هذا المنطق يمنح القيادة مساحة نفسية وسياسية للاستمرار في سياسة حافة الهاوية، مع الاعتقاد بأن الولايات المتحدة غير مستعدة لتحمل كلفة حرب شاملة.
ويعزز هذا التصور تجارب سابقة أظهرت أن واشنطن، رغم تفوقها العسكري، تميل إلى تجنب الانخراط المباشر طويل الأمد في صراعات جديدة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، فمن أبرز سمات السلوك الإيراني في هذه المرحلة مفارقة الضعف والتشدد. فكلما ازدادت الضغوط وضيقت الخيارات، ارتفع منسوب التشدد في الخطاب والسلوك.
وهذا ما تأكد من تصريحات القيادات العسكرية والسياسية في إيران. ويرجع ذلك إلى أن القيادة ترى في التراجع تهديداً وجودياً يفوق مخاطر التصعيد. هذا المنطق يدفع إيران إلى استخدام أدوات غير مباشرة، وتوسيع هامش المخاطرة المحسوبة، في محاولة لمنع الخصم من فرض معادلات جديدة أو استغلال نقاط الضعف.
الحسابات الأمريكية وحدود القوة
في المقابل، تواجه الولايات المتحدة معضلة استراتيجية مركبة تتجاوز مجرد كيفية التعامل مع إيران كخصم إقليمي. فواشنطن تسعى، من جهة، إلى ردع طهران ومنعها من توسيع نفوذها الإقليمي أو تطوير قدرات عسكرية تُعد تهديداً مباشراً لمصالحها ولمصالح حلفائها، لكنها في الوقت نفسه تحاول تفادي الانزلاق إلى حرب واسعة النطاق قد تكون كلفتها السياسية والعسكرية والاقتصادية أعلى من المكاسب المتوقعة.
تعكس هذه المعضلة حدود القوة الأمريكية في المرحلة الراهنة. فعلى الرغم من التفوق العسكري الواضح، لم تعد الولايات المتحدة تمتلك حرية الحركة نفسها التي تمتعت بها في مراحل سابقة. فالإنهاك الاستراتيجي الناتج عن حروب طويلة في الشرق الأوسط، وتنامي التحديات الدولية الأخرى، لا سيما في آسيا وأوروبا، يفرضان على صناع القرار الأمريكيين حسابات أكثر تحفظاً، تجعل من خيار الحسم العسكري المباشر قراراً بالغ الكلفة والمخاطر.
في هذا الإطار، تبنت واشنطن حتى الآن سياسة تقوم على الضغط دون الحسم، مستخدمة أدوات متعددة تشمل العقوبات الاقتصادية، والحشد العسكري، والضغوط الدبلوماسية. غير أن هذه المقاربة، على الرغم من فعاليتها الجزئية، تخلق منطقة رمادية خطرة بين الردع والتصعيد. ففي غياب خطوط حمراء واضحة ومتفق عليها، يصبح سوء التقدير احتمالاً دائماً، سواء من جانب واشنطن أو من جانب طهران.
يزيد من تعقيد هذه المعادلة تعدد الفاعلين والساحات. فالمواجهة لا تجري بين دولتين فقط، بل تتوزع عبر مسارح مختلفة، تشمل الخليج، والعراق، والبحر الأحمر، وغيرها من نقاط الاحتكاك. وهذا التعدد يحد من قدرة الولايات المتحدة على ضبط الإيقاع الاستراتيجي للتصعيد، إذ يمكن لأي حادث محدود في إحدى هذه الساحات أن يفرض نفسه على الأجندة السياسية والعسكرية، ويدفع باتجاه ردود فعل متسارعة يصعب التحكم بمآلاتها.
إضافة إلى ذلك، تواجه واشنطن تحدياً يتمثل في الحفاظ على مصداقية الردع دون تجاوز عتبة الحرب، فالإفراط في ضبط النفس قد يُفسَّر في طهران على أنه تراجع أو ضعف إرادة، في حين أن الرد القاسي قد يفتح الباب أمام دوامة تصعيد لا ترغب بها الولايات المتحدة ولا حلفاؤها. وبين هذين الخيارين الضيقين، تتحرك السياسة الأمريكية في مساحة محدودة، تحاول فيها إرسال إشارات قوة من دون التزام فعلي بمسار تصادمي شامل.
وفي المحصلة، تعكس الحسابات الأمريكية حدود القوة أكثر مما تعكس غيابها، فالقدرة على إلحاق ضرر كبير بإيران لا تعني القدرة على التحكم بنتائج هذا الضرر أو بمسار ما يليه. ومن هنا، تبدو واشنطن أسيرة معادلة دقيقة: ردع بلا حسم، وضغط بلا ضمانات، وسياسة تقوم على إدارة المخاطر أكثر مما تقوم على حل جذري للصراع.
غياب الأفق التفاوضي
يزيد من تعقيد المشهد غياب مسار تفاوضي واضح ومستدام، فعدم الثقة المتبادل، والقيود السياسية الداخلية في كلا البلدين، تجعل أي مبادرة دبلوماسية عرضة للتعطيل أو الفشل. وبدون أفق سياسي، يتحول التصعيد من خيار استثنائي إلى حالة شبه دائمة.
إذ يمكن القول في هذا السياق، إنه رغم وجود مؤشرات بسيطة على انطلاق مسار تفاوضي جديد بين طهران وواشنطن برعاية تركية في قادم الأيام، إلاّ إنه هناك صعوبة كبيرة في نجاحها في بلورة مسار سياسي يبعد مسار الحرب ويعيد مسار السلام، بل يمكن القول بأنها يمكن أن تفضي إلى أحد المسارات الثلاثة هي: أولاً، استمرار التوازن الهش، حيث يواصل الطرفان تبادل الضغوط دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، مع اعتماد متزايد على الردع المتبادل. أو تصعيد غير مقصود نتيجة حادث محدود أو سوء قراءة للإشارات الاستراتيجية، قد يتدحرج بسرعة إلى مواجهة أوسع. أو تسوية سياسية جزئية ومؤقتة، تهدف إلى تجميد الصراع لا حله، وتبقى عرضة للانهيار عند أول اختبار جدي.
في المحصلة، تعكس المواجهة الحالية بين إيران والولايات المتحدة صراعاً تحكمه معادلة صفرية لا تترك مجالاً واسعاً للحلول الوسط، فكل طرف يسعى إلى تجنب الخسارة الكبرى أكثر مما يسعى إلى تحقيق نصر حاسم. وفي ظل غياب تحول جذري في التصورات المتبادلة، سيبقى هذا الصراع مفتوحاً على احتمالات متعددة، يحمل كل منها كلفة عالية، ويجعل الاستقرار هدفاً مؤجلاً لا أكثر.