شهد معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة والأراضي المصرية تشغيلًا جزئيًا، الثاني من فبراير/شباط الجاري، وذلك بعد إغلاق كامل استمر عامين، فرضته حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع وما رافقها من تدمير شامل للبنية الإنسانية والمعيشية في غزة.
تأتي هذه الخطوة في سياق تفاهمات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الموقع في أكتوبر/تشرين الأول 2025، والذي كان من المفترض أن يدخل حيّز التنفيذ قبل أكثر من شهر، لولا العراقيل التي وضعتها حكومة بنيامين نتنياهو، عبر سياسات المماطلة وفرض شروط إضافية تعجيزية ومجحفة، عطّلت مسار التنفيذ وأفرغت الاتفاق من مضمونه العملي.
غير أن المؤشرات الأولية لليوم الأول من إعادة تشغيل المعبر لم ترقَ إلى مستوى التوقعات التي علّقها كثيرون، إذ سادت في البداية نزعة تفاؤلية تتحدث عن استعادة سكان غزة لشريانهم الحيوي الوحيد نحو العالم الخارجي، وإحياء أمل كسر العزلة المفروضة، بل واعتبار الخطوة بداية لإجهاض مخططات التهجير القسري، إلا أن الواقع الميداني سرعان ما كشف عن صورة مغايرة، حيث جاءت النتائج محدودة ومخيبة للآمال، وبعيدة عن الأهداف المعلنة.
وفي الوقت الذي تحدثت فيه أطراف رسمية، من وسطاء إقليميين وقوى دولية، عن ترتيبات لوجستية وإجراءات إنسانية من شأنها إعادة المعبر – ولو جزئيًا – إلى وضعه السابق قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حمل اليوم الأول لإعادة فتحه – بحسب شهادات العائدين للقطاع- مؤشرات سلبية، ألقت بظلال قاتمة على المشهد العام، وعمّقت المخاوف من أن تكون حكومة نتنياهو ماضية في تنفيذ مخطط التهجير، ولكن عبر مقاربة أكثر هدوءًا ومرونة ظاهرية، تقوم على الاستنزاف طويل الأمد بدل الصدمة المباشرة.
عاد معبر رفح للعمل مجددًا بعد عامين من الإغلاق، وسط قيود إسرائيلية صارمة على حركة الخارجين والعائدين من وإلى قطاع غزة. pic.twitter.com/hryRCA9GHN
— نون بوست (@NoonPost) February 2, 2026
نسف للاتفاق
وفقًا لخطة تشغيل معبر رفح التي جرى الإعلان عنها رسميًا، كان من المفترض السماح بخروج خمسين مصابًا من قطاع غزة، يرافق كلٌّ منهم شخصان، أي ما مجموعه مائة وخمسون فلسطينيًا، مقابل إدخال خمسين من العالقين في الأراضي المصرية، غير أن ما جرى في اليوم الأول جاء مناقضًا للاتفاق شكلًا ومضمونًا، وكشف عن فجوة واسعة بين التعهدات المعلنة والتنفيذ الفعلي على الأرض.
بحسب الأرقام الصادرة عن وزارة الداخلية في غزة، لم يغادر القطاع سوى ثمانية مرضى ومرافقيهم، بعدد إجمالي بلغ واحدًا وعشرين شخصًا فقط، في حين سُمح بدخول اثني عشر فلسطينيًا إلى القطاع في ساعة متأخرة من الليل، من بينهم تسع نساء وثلاثة أطفال.
الأكثر دلالة في هذا السياق، أن ثلاثين من العائدين الذين كان مقررًا دخولهم إلى قطاع غزة، أُبعدوا قسرًا عند المعبر، بعد أن رفضت السلطات الإسرائيلية السماح لهم بالعبور، رغم إدراج أسمائهم ضمن القوائم الرسمية التي قدمتها الحكومة المصرية لليوم الأول من التشغيل، في رسالة مفادها أن المعبر لا يزال خاضعًا لإرادة الاحتلال، لا لنصوص الاتفاقات.
القرار إسرائيلي في المقام الأول
تكشف طبيعة حركة العبور عبر معبر رفح، بتفاصيلها الإجرائية ومساراتها التنفيذية، أن القرار الحاكم لعمل المعبر هو قرار إسرائيلي في جوهره، إن لم يكن قرارًا أحاديًا خالصًا، بمعزل فعلي عن أي دور حقيقي لوسطاء إقليميين أو لمنظمات أممية، ويتجلى ذلك بوضوح في البنية الأمنية المعقدة ومتعددة المراحل التي فرضتها حكومة الاحتلال، والتي تحكم السيطرة الكاملة على حركة الدخول والخروج.
وتبدأ هذه المنظومة بإعداد قوائم يومية بأسماء المرشحين للسفر، سواء المغادرين لقطاع غزة أو العائدين إليه، قبل إحالتها إلى الجانب الإسرائيلي لإخضاعها لفحص أمني مسبق، ووفقًا لذلك، لا يُسمح لأي فرد بالعبور في الاتجاهين إلا بعد الحصول على موافقة أمنية إسرائيلية مكتوبة، ما يحوّل المعبر عمليًا إلى نقطة عبور خاضعة للفيتو الإسرائيلي المباشر.
أما بعثة الاتحاد الأوروبي المتواجدة في المعبر، فينحصر دورها في الإطار الإداري والإجرائي، من حيث مراقبة سير العمل والتحقق من الهويات، دون امتلاك أي صلاحيات تتعلق بتحديد هوية الداخلين أو المغادرين، وبذلك، تبدو البعثة أقرب إلى جهة رقابية شكلية، منزوعة التأثير السياسي والقرار التنفيذي.
وبناءً على طلب إسرائيلي صريح، يقتصر تشغيل المعبر في هذه المرحلة على مرور الأفراد فقط، مع منع عبور البضائع والشحنات التجارية، في استمرار واضح لسياسة خنق القطاع اقتصاديًا، كما يقتصر السماح بالعودة إلى غزة على فئة محددة ممن غادروها خلال الحرب، دون فتح المجال أمام عودة أوسع للفلسطينيين المقيمين في الخارج، بما يعكس مقاربة انتقائية تخدم اعتبارات سياسية وأمنية ضيقة.
يُضاف إلى ذلك إخضاع العائدين إلى القطاع لسلسلة تحقيقات أمنية مكثفة، تبدأ بعد التحقق من هوياتهم، وتمتد إلى إجراءات تفتيش معقدة في محيط محور فيلادلفيا، ليبقى القرار النهائي، في جميع الأحوال، بيد إسرائيل، سواء بالسماح بالدخول إلى قطاع غزة أو بإجبار الأفراد على العودة مجددًا إلى الأراضي المصرية.
ممر “ريغافيم”.. المعبر كـ “سجن” صغير
يُعد إنشاء ممر “ريغافيم” الأمني قرب معبر رفح أحد أكثر المشاهد دلالة على التوجه المسبق للاحتلال نحو توظيف المعبر ضمن أجندته القمعية، إذ حوّله من أداة إنسانية يفترض أن تسهّل حركة العبور، إلى جزء من منظومة رقابة أمنية مشددة تهدف إلى إخضاع الوافدين إلى قطاع غزة لإجراءات فحص وتحكم صارمة.
ووفق ما أعلنه جيش المحتل، تتولى قوات الأمن في هذا الممر تدقيق هويات القادمين ومطابقتها مع القوائم التي صادقت عليها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مسبقًا، في إطار ما وصفه الاحتلال بإجراءات تهدف إلى تشديد الرقابة وتعزيز السيطرة على حركة العبور من وإلى القطاع.
ويقع الممر في منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية بمحاذاة معبر رفح، ويُستخدم لإخضاع العائدين والمسافرين إلى تدقيق أمني صارم، يشمل الفحص الفردي للهويات والتحقق منها بالاستناد إلى قواعد بيانات إسرائيلية معتمدة، بما يجعل المرور عبره خاضعًا لاعتبارات أمنية بحتة تتجاوز الطابع الإنساني المعلن لعمل المعبر.
وكان جيش الاحتلال قد نشر صورًا للممر الجديد، أظهرت ممرًا ضيقًا محاطًا ببوابات حديدية وأسلاك شائكة وكاميرات مراقبة وأجهزة فحص متطورة، من بينها أنظمة للتعرف على الوجه. وقد أثارت هذه المشاهد موجة غضب واسعة في أوساط سكان قطاع غزة، حيث شبّهها كثيرون بـ“بوابة سجن”، معتبرين أن الآلية الجديدة تحوّل معبر رفح من نافذة للسفر وكسر العزلة، إلى أداة سيطرة أمنية محكمة تعمّق منطق الحصار بدل تخفيفه.
شهادات العائدين..
كشفت شهادات عدد من السيدات اللواتي تمكنّ من دخول قطاع غزة عبر معبر رفح عن سلسلة من الانتهاكات القاسية التي رافقت رحلتهن، وحوّلت لحظة العودة المنتظرة إلى تجربة إنسانية بالغة القسوة.
فقد بدأت المعاناة، وفق إفادتهن، بإبعادهن قسرًا عن نقطة تفتيش تبعد نحو 500 متر عن المعبر، واحتجازهن هناك لساعات طويلة، رغم وجود أطفال برفقتهن، في ظروف افتقرت إلى الحد الأدنى من الاعتبارات الإنسانية.
وأجمعت الشهادات على أنهن تعرضن للتوبيخ والإهانة المباشرة من قبل جنود الاحتلال، فيما أطلق ضباط من جهاز “الشاباك” صرخات استجواب قاسية في وجوههن، متسائلين بلهجة استنكارية عن سبب عودتهن إلى غزة “في مثل هذه الظروف”.
"بدهمش يانا نرجع على غزة".. سيدة فلسطينية عائدة إلى غزة تحكي بهلع وحرقة عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في معبر رفح. pic.twitter.com/tCkCPrBbPt
— نون بوست (@NoonPost) February 3, 2026
إحدى السيدات روت أن ضباط الأمن عرضوا عليها، وبصورة فجّة، التعاون معهم ضد أبناء شعبها، في انتهاك صريح لأبسط القيم الأخلاقية، مشيرة إلى أنه جرى عرضهن كذلك على عناصر تابعة لعناصر العميل المقتول، أبو شباب، قبل السماح لهن بالعبور إلى القطاع، في حين حذّرت سيدة أخرى من الأسلوب الذي جرى التعامل به معهن خلال العودة، معتبرة أنه يحمل مؤشرات واضحة على إصرار الاحتلال على الدفع باتجاه مخطط التهجير، ولو بأساليب غير مباشرة.
أما شهادة ثالثة، فاختزلت حجم القسوة في تفاصيل موجعة، إذ أكدت أنها جُرّدت من جميع الأمتعة التي كانت بحوزتها، بما في ذلك ألعاب أطفالها، ولم يُترك لها سوى قطعة قماش “شال” على كتفها، بعد مصادرة كل ما كانت تعتمد عليه لتخفيف مشقة السفر.
ماذا أراد الاحتلال من هذا المشهد؟
استنادًا إلى مؤشرات اليوم الأول من إعادة فتح معبر رفح، يمكن القول إن الكيان الإسرائيلي المحتل نجح في توظيف المشهد بما يخدم سرديته السياسية وأجندته المعلنة، محققًا حزمة من الأهداف المتداخلة ذات الأبعاد الدعائية والأمنية والسياسية.
أول هذه الأهداف تمثّل في استثمار لحظة إعادة التشغيل لتوجيه رسالة مباشرة إلى المجتمع الدولي مفادها الالتزام ببنود اتفاق وقف إطلاق النار، والتقيد بما جرى التوافق عليه بشأن فتح المعبر، في محاولة لتكريس رواية مغايرة لتلك التي يطرحها الفلسطينيون والوسطاء.
أما الهدف الثاني، فجاء بطابع أمني سياسي واضح، إذ كرّس الاحتلال سيطرته الكاملة على المعبر، وأثبت أنه صاحب القرار الحاسم في تحديد هوية من يُسمح له بالدخول أو الخروج، وبهذا، يكون قد اقترب خطوة إضافية من تحقيق أحد المطالب الجوهرية لتيارات اليمين المتطرف، والمتمثل في فرض سيطرة دائمة على المعبر ومحور فيلادلفيا، تحت ذرائع أمنية متجددة.
وفي السياق ذاته، سعى الاحتلال إلى ترسيخ منطق الردع كأداة تخويف وترهيب لكل من يفكر في العودة إلى قطاع غزة، وهي رسالة انعكست بوضوح في شهادات العائدين، الذين تحدثوا عن المعاملة القاسية والمهينة التي تعرضوا لها على أيدي عناصر الأمن الإسرائيلية.
وقد بدا جليًا أن الهدف من هذه الممارسات يتجاوز الإجراءات الأمنية، ليصب في إطار ردعي يرمي إلى ثني الفلسطينيين عن العودة، بما يخدم مخطط التهجير، وإن جرى ذلك بأساليب غير مباشرة وأقل صخبًا.
وأخيرًا، أسفرت ترتيبات اليوم الأول عن فرض جملة من العراقيل أمام عمل اللجنة الوطنية المقرر أن تتولى إدارة شؤون القطاع، إذ رسّخ الاحتلال نفسه كسلطة حاكمة بحكم الأمر الواقع، بينما جرى حصر دور اللجنة في نطاق تنسيقي محدود، بلا صلاحيات فعلية، ما يقوض أي مسعى حقيقي لإدارة فلسطينية مستقلة للمرحلة المقبلة.
خطوة يمكن البناء عليها
على الرغم من أن مؤشرات اليوم الأول لإعادة فتح معبر رفح جاءت بعيدة عن سقف التوقعات والآمال التي عُلّقت على هذه الخطوة، فإن ثمة قراءة مغايرة ترى في مجرد إعادة تشغيل المعبر، بعد عامين كاملين من الإغلاق، اختراقًا لافتًا في جدار التعنت الإسرائيلي، وخطوة ذات دلالة سياسية في مسار كسر الحصار المفروض على قطاع غزة وتقليص عزلته القسرية.
ومنذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن إسرائيل تتعامل مع المعبر باعتباره ورقة ابتزاز وأداة ضغط سياسية، تسعى من خلالها إلى انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب، وهو إدراك لا يغيب عن الوسطاء ولا عن الجانب الفلسطيني، وقد تجلى ذلك في سلسلة العراقيل التي وضعتها تل أبيب أمام إعادة فتح المعبر، وفي المبررات الأمنية التي ساقتْها لتقييد عمله والتحكم في آلياته.
وفي هذا السياق، يرى بعض المراقبين أن فرض إعادة فتح المعبر، رغم الإصرار الإسرائيلي السابق على إبقائه مغلقًا، يمكن تصنيفه كإنجاز دبلوماسي نسبي قابل للبناء والتطوير.
صحيح أن الصورة القاتمة التي رسمها اليوم الأول أثارت مخاوف مشروعة، غير أن آخرين يعتبرون أن ما جرى كان متوقعًا في ظل الضغوط المكثفة التي يمارسها اليمين المتطرف على نتنياهو وحكومته، وما يفرضه ذلك من حسابات داخلية معقدة.
وعليه، يبقى المسار مرهونًا بحجم الضغوط السياسية والتكتيكات الدبلوماسية التي سيتمكن الوسطاء والقوى الإقليمية والدولية من توظيفها، بهدف تحقيق مكاسب تدريجية تعيد معبر رفح إلى وضعه الطبيعي كما كان قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهي خطوة، إذا ما تحققت، من شأنها أن تقوض فعليًا مخططات التهجير وتغلق هذا المسار إلى غير رجعة.