“قلب شجاع” هو اسم العملية التي نفذتها وحدات من جيش الاحتلال، في الخامس والعشرين من يناير المنصرم، بهدف العثور على جثة آخر أسير “إسرائيلي” في قلب القطاع، ران غويلي، واستعادتها، تمهيدًا لإنهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، والمضي قدمًا نحو إغلاق ملف أسرى الاحتلال في يد المقاومة، المفتوح منذ عام 2014.
أما ما وراء اسم العملية، فهو تغطية إعلامية “إسرائيلية” ركزت على مجرياتها الدقيقة، واصفة إياها ببطولة وسط الميدان، واستعادة لرفات آخر المواطنين، وتأكيدًا لمقولة “إسرائيلية” أصبحت بمثابة عهدٍ على الحكومات المتعاقبة، “لن نترك أحدًا خلفنا”، حتى لو عنى ذلك بعثرة رفات 250 جثمان فلسطيني، وترك بقاياهم متناثرة خلفهم في المكان.
لا يقتصر الأمر على البعثرة والقول، بل يتخذ أبعادًا إعلامية وسياسية “إسرائيلية” أخرى، تعيد تأكيد الفلسطيني وجسده وبقاياه، باعتباره شيئًا، ودونه اللاشيء، في السطور التالية نتتبع التغطية الإعلامية “الإسرائيلية” لما وُصف بـ “بطولة” العثور على ران غويلي، في محاولة للإضاءة على سياسات الاحتلال تجاه الجسد الفلسطيني، وآخرها تسليم صناديق الجثث والأشلاء، ومقارنتها بتموقع الجسد والروح الإسرائيلية لديه.
العاطفة والشجاعة من منظورٍ استعماري
على موقع يانيت الإخباري “الإسرائيلي” توثيق لعملية استخراج جثمان غويلي من قلب مقبرة فلسطينية في قطاع غزة، عُنونت المادة “انهمرت دموع المقاتلين وتعانقوا عند القبور”، أما في النص فهناك عملية معقدة وشاقة، تمت في الخطوط الأمامية، وتأكيد عسكري للرائد المسؤول عن العملية “ميهالام” على احترام الموتى، قائلاً “هذا أحد الفروق بيننا وبين أعدائنا”، بعد إشارته إلى فحص الجثث لتأكد خلوها من المتفجرات!
تبدأ رواية القصة من منظور قائد فرقة إبطال المتفجرات، باعتباره “من أوائل من اقتربوا من جثث الفلسطينيين الذين أُخرجوا من المقبرة في شرق مدينة غزة، ولمسوها للتأكد من خلوها من المتفجرات”، ثم يشير التقرير إلى فرحة “المقاتلين” ودموعهم بعد العثور على جثة غويلي، بينما يخلو النص من أي ذكر آخر لرفات الفلسطينيين.
في منصة أخرى، وُصفت العملية بـ “ثورة الحمض النووي في قلب غزة“، وهو وصفٌ لتمكن فرع تحديد الهوية والدفن في الحاخامية العسكرية، من تحديد الحمض النووي تحت نيران العدو وإصدار حكم فقهي سريع” -علمًا أن العملية تمت بالتنسيق مع المقاومة، وبعد إتفاق وقف إطلاق النار، وإلتزامٍ كاملٍ به من طرف المقاومة الفلسطينية.
View this post on Instagram
وفي برنامج إذاعي يُدعى “ثمانية صفر صفر”، أطنب الحاخام نير يافي في وصف العملية، معتبرًا أنها بالغة التعقيد وغير مسبوقة، وتجمع بين صعوبات شخصية ومهنية، وتأتي تكريسًا لتطوير قدرات مكنت الجيش من تحديد الحمض النووي في الميدان”، رغم أن الجيش تخبط طوال عامين وهو ينبش المقابر الفلسطينية بحثًا عن جثامين جنوده.
حتى صفحات الصحة والتنمية البشرية لم تتوانى عن المساهمة في تغطية الحدث الكبير، ولكن من منظورٍ “صحي” عبر مقابلات مع أخصائيي تجميل الفم والوجه والفكين وإعادة بنائهما، ففي صفحة “ماكو هيلث” “الإسرائيلية، حظيت الطبيبة آسي شارون بإضاءة كاملة على مهمتها في تحديد هوية جثة ران غويلي.
وعُنونت مقابلتها بـ “تسارع نبض قلبي وفقدت رباطة جأشي”، قبل أن تبدأ المادة بالتطرق إلى عملها في ظروف ميدانية صعبة إلى جانب الجنود، وعن اللحظة التي أدركت فيها اكتمال عملية تحديد الهوية وإغلاق الملف، واصفةً عملها بـ “المهمة الوطنية” التي فُحصت فيها مئات الجثث، دون أي إشارة لماهية هذه الجثث.
بينما ركز موقع “vilnagaon” الكهنوتي على العقبات اللوجستية والأمنية والجنائية التي صاحبت العملية، وعلى دور الحاخامية العالمية في تطوير أدوات وأساليب لتأمين التحام الروح والجسد اليهودية معًا عند القيامة، بدءًا بعملية البحث التي قادها اللواء الثالث مع قوات اسكندورني، مع وحدة مشاة، ووحدة ياهالوم الهندسية، بالإضافة لـ20 طبيبًا شرعيًا.
أما تفاصيل العملية فقد تركزت على سعي لفحص أكبر عدد من الجثث في أسرع وقتٍ ممكن، لذلك تم تجنيد وحدات متابعة من مشفى أبو كبير، مع وحدات فحص البصمات، والفك والأسنان، والحمض النووي في الميدان، وقد تم العثور على جثته بعد فحص 250 جسدًا.
اللافت أن التقرير الذي يركز على الدقة في فحص الحمض النووي، والبصمات، ويُغرق في إظهار بطولة الوصول إلى الجثة، والعمل في “أرض العدو” وبسرعة، واستخراج 250 جثة بشكل سريع وهائل، كأنه تحدٍ كبير، يؤكد أن جثة غويلي تم العثور عليها سليمة بشكلٍ ملحوظ، وما زالت ترتدي زيها الرسمي، وفي المحيط الذي حدده أسير فلسطيني من حركة الجهاد الإسلامية كان يعلم تنقلات الخلية التي كانت تحتجزه.
“كل الحرب في كفّة والبحث عنهما في كفّة”.. عائلات غزة يفتّشون بين الجثامين عن أحبائهم
هذه المعلومات التي يكشفها التقرير بالقول ” استجوب جهاز الأمن العام (الشاباك) أحد عناصر الجهاد الإسلامي ممن لديهم معرفة مباشرة بموقع الدفن، ما جعل عمليات البحث مركزة” تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن استخراج 250 جثمانًا ورفاتًا لم يكن إلحاحًا حقيقيًا، خاصة وأن بعثرة القبور كانت تتم بشكلٍ متزامن، بهدف تحقيق الوصول السريع.
“أول من يدخل..آخر من يخرج” هذا ما عنونت به صحيفة ميشباخا تقريرها، الذي يشير لخروج غويلي صبيحة السابع من أكتوبر لمواجهة الطوفان، ومن ثم استعادة جثته مؤخرًا، التقرير الذي يفسح مجالًا لوالدة غويلي ولمجلس عزاءه وللمشاعر الجمعية لـ”الإسرائيليين” وحجم ارتياحهم لعودة آخر فردٍ منهم، يكشف أيضًا جانبًا خفيًا من عملية النبش والوصول.
فوفقًا للتقرير، نبشت قوات الاحتلال 800 قبرًا في مقبرة البطش، وعلى الرغم من أن القبور الإسلامية دائمًا تحظى بتفاصيل تشير لسن المتوفى وجنسه، إلا أن ذلك لم يمنع من نبشٍ جماعي وكامل، ومن ثم تصنيف 250 جثمانًا فيها سمات مشتركة، في السن والجنس والطول مع غويلي، وهي الجثامين التي أخضعت للفحص الشرعي.
التقرير يكشف أيضًا أن عدد الخبراء والفنيين والمهندسين وصل إلى 150 شخصًا، من بينهم خبراء في طب الأسنان الشرعي، وفنيو مختبرات يحملون أجهزة أشعة سينية محمولة، وأعضاء من الحاخامية العسكرية في الجيش، ويؤكد المعلومة السابقة حول ارتدائه زي وحدة الشرطة الخاصة “يسام”، ما ينزع أي تبرير عن العبث “الإسرائيلي” بقبور الفلسطينيين وأجسادهم.
يتجاوز التقرير أي إشارة للفلسطينيين، مركزًا على رد فعل الجنود الذين عملوا لـ 24 ساعة متواصلة في نبش المقبرة، والذين سارعوا لتغطية جثته بالعلم “الإسرائيلي” ثم الغناء له، لتُختتم الإشارة إلى غويلي بالقول: “لعلّ جمع رفات ران غويلي ودفنها في أرض إسرائيل يبشر بخلاصنا نحن أيضاً”.
في الواقع لا تختلف تغطية بقية المواقع “الإسرائيلية” فجميعها يشيد بالعملية البطولة، وبحجم الشجاعة في استعادة جثمانٍ من بين مئات الجثامين، وفي البحث السريع في أرض العدو، وتقديم خاتمة لملف الأسرى بعد أكثر من عقدٍ على فتحه على يد المقاومة، بينما لا تكاد كلمة “فلسطينيين” تُذكر في أي نص، لتقتصر الإشارة لهم باعتبارهم “جثامين ورفاتًا” فقط.
بل يتعاظم ذلك بمعرفة أن عددًا من الجثث الفلسطينية نُقلت إلى معهد الطب العدلي “أبو كبير” في القدس، وأن جيش الاحتلال أعلن المنطقة ممنوعة وضمن الخط الأصفر وداخل سيطرته العسكرية بعد انتهاء عمليات بحثه، فيما أظهرت مقاطع صحفية قبورًا مهشمة وجثثًا مبعثرة خارج قبورها، وتخريبًا كبيرًا في المقبرة، ما ينزع عن الفلسطينيين إمكانية تحديد المثوى الأخير لأحبائهم.
عظام وبقايا
هذا التسليم لم يأت نتيجة ترتيبات اتفاق وقف إطلاق النار، أو بعد تهيئة الجهات الرسمية والصحية والطواقم الطبية الفلسطينية، بل جاء مفاجئًا، ما دفع مدير عام وزارة الصحة في غزة الدكتور منير البرش، للقول عبر حسابه على منصة إكس، أن الهدف من هذا الفعل هو “كأن الهدف لم يكن إنهاء الحياة فحسب، بل محو الهوية، وكسر الذاكرة، وإذلال الأحياء قبل الأموات”.
View this post on Instagram
وكانت اللجنة الخاصة بالمفقودين والجثامين مجهولة الهوية في وزارة الصحة بقطاع غزة، قد أعلنت تفعيل غرفة الاستعراف الخاصة بجثامين منذ نهاية يناير المنصرم، مشيرة إلى أن ذلك يأتي للتحقق من هويات الشهداء، تمهيدًا لاستكمال الإجراءات القانونية ومواراتهم الثرى بما يليق بكرامتهم.
حيث دعت عائلات المفقودين وذويهم ممن لديهم أقارب مفقودون إلى الحضور والمشاركة في عملية الاستعراف، للمساهمة في إنهاء معاناة البحث وتمكين العائلات من استلام جثامين أبنائهم، مبينةً أن مواعيد الاستعراف ستستمر لمدة ثلاثة أيام، ابتداءً من يوم غد الثلاثاء وحتى يوم الخميس، من الساعة التاسعة صباحًا وحتى الثانية بعد الظهر، وأن الاستعراف في المحافظات الشمالية سيتم في مجمع الشفاء الطبي.
أمام هذه الفاجعة اكتفى إعلام الاحتلال، بنشر مواد مقتضبة باللغة الإنجليزية فقط، تُشير إلى ما جرى باعتباره شأنًا خارجيًا، حيث عنونت صحيفة تايمز أوف إسرائيل الخبر بـ “أعلنت وزارة الصحة التي تديرها حركة حماس عن إعادة رفات عشرات الفلسطينيين الذين سقطوا إلى غزة”، بينما أشار مضمونه إلى أن “لم تعلق إسرائيل على بيان الوزارة”.
فيما غاب أي ذكر لما جرى في أي وسيلة إعلام عبرية، كأنه لم يكن، ما يؤكد أن السياسة “الإسرائيلية” رديفة للإعلام، وكلاهما مساند للآخر في نظرة واحدة عنوانها “لا وجود لشيء اسمه الشعب الفلسطيني” كما قال وزير المالية “الإسرائيلي” سموتريتش سابقًا.
أكثر من مجرد سياسة
من جانبها تعتبر باحثة علم الاجتماع والمختصة بسوسيولوجيا المقاومة وسياسات الاحتلال، إيمان البديوي، في حديثٍ لها مع “نون بوست”، أن “سياسة نبش المقابر وإعادة تسليم الرفات المشوهة بعد الاحتجاز، إنما يمثلًان ضلعين متقابلين في عملية بناء هيكل قوة استعماري يعيد إنتاج العنف والصراع باستمرار، حيث يمتد العنف على الجسد الميت إلى العنف على الجسد الحي”.
مشيرة إلى أن أسلوب تسليم الجثث، والحالة الصحية السيئة التي تصل بها، ودلائل التعذيب ومشاهد الأشلاء، تقوم بأكملها في إدخال المجتمع الفلسطيني مجددًا في حالة متكررة من الصدمة بدلًا من الدخول في مرحلة التعافي وإغلاق دائرة معاناته.
أما نبش المقابر، وهو الفعل الذي كررته الآلة الحربية “الإسرائيلية” مرارًا خلال الإبادة، فهو يعمل بطريقة أو بأخرى على تحويلها من فضاءات تكريم وحفظ للذاكرة الجماعية إلى مواقع صراع على المعنى والهوية، لأنها تمثل آلية حداد واعترافًا جماعيًا بالموتى ضمن نسق ثقافي موروث.
مقابر الأرقام وثلاجات الموتى.. حوار مع منسق حملة استرداد الجثامين
لذا فعندما تتجاوز قوات الاحتلال ذلك، بتدمير وتجريف المقابر، وفتح القبور، وخلط الرفات وتهجير الجثث من مواقعها الأصلية، وسرقتها دون تسجيل هوية واضحة لها ثم احتجازها، فإنها تمارس استهدافًا ممنهجًا للبنية الرمزية والوطنية التي تبني الذاكرة الجماعية وتوفر إمكانية لتحقيق بعض الثبات والصمود الاجتماعي، وتفكك العلاقات الرمزية بين الأحياء والأموات، مولدةً إحساسًا فرديًا وجماعيًا بأن الموت نفسه ليس نهاية للألم.
أمّا عن إعادة الرفات في حالة تشويه وتشظّي- والكلام للباحثة-، فهي سياسة تعمل على تعميق الألم النفسي لعائلات الشهداء، وإثارة الألم والإحباط الجماعي – (لا سيما من فكرة المقاومة وجدواها مقارنة بحجم الألم والتضحيات ومآلات الواقع) -، باعتبارها تجربة مشهديّة تؤكد عبرها “إسرائيل” سيطرتها الميدانية والرمزية على كل مستويات الحياة والموت.
بالمحصلة، تحرص “إسرائيل” ألا ينسى الفلسطينيون أنها قادرة على التنكيل بوجودهم ونهاياتهم، وأنها حتى حين تُريد ممارسة فعلٍ إنساني، كتسليم الجثامين ومنح أهالي المفقودين خاتمة لأحزانهم، فإنها تقوم بذلك بأقبح طريقة يمكن لها من خلالها امتهان الجسد الفلسطيني والعبث بكرامته.
ليست لأنها قوة احتلالية فحسب، ولا لأن رغبتها بالانتقام من الفلسطيني ووجوده قائمة ومتعاظمة، بل لأن الفلسطيني بالنسبة لها لا يستحق حتى النهايات المشرفة، ولا الخاتمة الإنسانية، والترانيم والصلوات، التي تمنحها لجنودها ومقاتليها، فيما مضى كان مناحيم بيغن يقول: “الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت”.
أما اليوم، فقد أصبح الفلسطيني الجيد ليس فقط الميت، بل الميت الذي لا يُسمح له أن يُدفن بكرامة أو يُتذكَّر كاملًا، الفلسطيني الذي يظل حتى بعد موته موضوعًا للفحص والاشتباه والمقايضة وانتزاع الجلود والأعضاء، الفلسطيني الذي يظل جسده وحياته مساحة لسيطرة المحتل وتلاعبه.