ترجمة وتحرير: نون بوست
قد تكون واشنطن وطهران أقرب إلى المواجهة العسكرية أكثر من أي وقت مضى، لكنهما ليستا على شفا حرب بالمعنى التقليدي؛ فالنتيجة الأكثر ترجيحًا للأزمة الراهنة ليست غزوًا أمريكيًا لإيران، ولا حربًا إقليمية شاملة، بل ضربة محدودة ومدروسة بعناية تهدف إلى إعادة تشكيل آليات التفاوض بدلاً من إنهائها.
وفي الأسابيع الأخيرة، أصبحت المفارقة واضحة بشكل لا يمكن تجاهله؛ فمن جهة عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري بشكل كبير في الشرق الأوسط، بينما يصر المسؤولون الإيرانيون على أنهم لن يرضخوا للضغوط. ومن جهة أخرى، يواصل الطرفان الحديث بشكل متزامن عن المفاوضات، وهذه المفارقة الظاهرة ليس علامة على الارتباك، بل تعكس منطقًا معتادا في السياسة الدولية: الحرب أو التهديد بها كأداة للمساومة.
ووفقًا لنموذج المساومات في الحرب، لا يقتصر استخدام القوة العسكرية على الرغبة في هزيمة الخصم فحسب، بل لتغيير التصورات حول التكلفة والصلابة والنوايا المستقبلية عندما تعجز الدبلوماسية وحدها عن إفراز التزامات موثوق بها. وما نشهده اليوم ليس انهيارًا للدبلوماسية، بل عسكرة لها.
ومن اللافت أن هذا المشهد يتزامن مع مفاوضات هادئة ومتواصة في عُمان، حيث يحاول المفاوضون الإيرانيون والأمريكيون استكشاف الخطوط الحمراء لدى الطرف الآخر ومدى استعداد كل طرف لتقديم تنازلات. وهذه المحادثات لا تتناقض مع التصعيد الجاري، بل هي جزء منه. ففي منطق التفاوض، غالبًا ما تمضي الدبلوماسية والضغط العسكري جنبًا إلى جنب، وليس بشكل متتابع.
ومن وجهة نظر واشنطن، تبدو إيران اليوم أضعف مما كانت عليه في أي وقت خلال العقد الماضي. فعلى مدى العامين الماضيين، تآكلت بنية الردع الإقليمي التي كانت تُعرف بمحور المقاومة بشكل ملحوظ، حيث تعرض حزب الله لضغوط كبيرة، وتم تفكيك حماس إلى حد كبير كقوة عسكرية، وانهار نظام الأسد في سوريا. وتعرض المجال الجوي الإيراني ذاته للاختراق خلال حرب الـ12 يومًا مع إسرائيل العام الماضي، مما حطم قناعات راسخة حول حصانة الدفاعات الإيرانية.
بالمقابل؛ لا تزال إيران تمتلك قدرات كبيرة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل وربما تكون قد وسّعت أجزاء من ترسانتها. الأهم من ذلك أن الصواريخ الإيرانية اخترقت جزئيًا منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة. لكن الردع لا يتعلق بالمعدات وحدها، بل بالمصداقية. وهذه المصداقية، ولا سيما قدرة إيران على إلحاق خسائر فادحة بخصومها في جبهات متعددة، قد تراجعت.
وأثار هذا التصور جدلًا حادًا داخل واشنطن حول كيفية استغلال هذه اللحظة.
ويرى المعسكر الأول أن التوقيت أصبح مناسبًا لتصعيد الضغوط؛ فإيران من وجهة نظرهم محاصرة استراتيجيًا وأكثر مرونة من المعتاد. لذلك ينبغي استخدام المفاوضات لا لتثبيت الوضع القائم، بل للحصول أكبر قدر ممكن من التنازلات فيما يتعلق بالبرنامج النووي والترسانة الصاروخية والوكلاء الإقليميين.
وتذهب بعض الأصوات داخل هذا المعسكر إلى أبعد من ذلك، حيث تدعو صراحة إلى تغيير النظام كهدف قابل للتحقيق إذا تم استخدام القدر الكافي من القوة. والمنطق هنا واضح: تراجعت قوة الردع الإيرانية، وضعف حلفاء إيران، وأصبحت القيادة في خطر. ويتساءل أصحاب هذا الرأي: لماذا ينبغي للولايات المتحدة أن تمدّ طوق النجاة للجمهورية الإسلامية وهي تغرق؟ ولماذا الاكتفاء بمكاسب محدودة بينما يبدو ميزان القوى في صالح الولايات المتحدة؟
أما المعسكر الثاني فيقدّم قراءة مختلفة. نعم، إيران تحت الضغط، لكن هذا بالذات ما قد يجعل المفاوضات تنجح. ويشدد هذا الفريق على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عارض باستمرار التدخلات العسكرية واسعة النطاق و”الحروب التي لا تنتهي”. ومن هذا المنظور، تمثل اللحظة الراهنة فرصة لترامب ليعلن النصر من دون إقحام الولايات المتحدة في صراع جديد بالشرق الأوسط؛ حيث إن التوصل إلى اتفاق تحت الضغط ستتيح لواشنطن تقييد إيران، وفي الوقت نفسه تعزز السردية التي يكررها ترامب منذ زمن: وهي أن القوة، لا الحرب، هي التي تحقق النتائج.
ومع ذلك، يواجه ترامب معضلة صنعها بنفسه؛ إذ إن تعهده المتكرر بدعم المحتجين الإيرانيين وتصويره قيادة إيران على أنها غير شرعية رفع سقف التوقعات، داخليًا ودوليًا، إلى ما يتجاوز حدود الدبلوماسية النووية، وقد ضيقت هذه الالتزامات هامش المناورة أمامه؛ فعدم القيام بشيء قد يُظهره بمظهر الضعيف، بينما شن حرب شاملة يتناقض مع صورته السياسية الأساسية.
وهنا تبرز إستراتيجية ترامب التصحيحية: “السلام عبر القوة”؛ ففي هذا المنطق، لا تُعتبر القوة العسكرية غاية في ذاتها، بل أداة لفرض التفاوض بشروط مواتية. والهدف من الإجراءات المحدودة والحاسمة هو ردع الخصوم، وطمأنة الحلفاء، وإظهار العزيمة، من دون أن يُدخل الولايات المتحدة في صراع طويل الأمد.
وتفسّر هذه الديناميكيات سبب اعتبار صانعي القرار الأمريكيين الضربة المحدودة، وليس الغزو، الأداة الأكثر جاذبية؛ فالضربة المحسوبة تنسجم مع هذا الإطار أكثر بكثير من الاكتفاء بضبط النفس أو اللجوء إلى الغزو، فهي تُظهر الحزم، وتُرضي الأصوات المتشددة داخليًا، وتحافظ على صورة ترامب الرافض لـ”الحروب التي لا تنتهي”، والأهم أنها تعيد تشكيل بيئة التفاوض قبل الدخول في مفاوضات أكثر جدية. وتصبح الضربة المحدودة مرجّحة إذا امتنعت إيران عن تقديم التنازلات التي يحتاجها ترامب ليعلن النصر.
وعزّزت العملية الأمريكية في فنزويلا أيضًا منطق هذا النموذج؛ فقضية فنزويلا قدّمت مثالًا كاشفًا، وإن كان غير مكتمل، حيث ساهمت في تطبيع فكرة استهداف زعيم سيادي، وهو ما أضعف محرّمًا دوليًا راسخًا. لكن تسلسل الأحداث هناك يختلف جذريًا عمّا قد يحدث في إيران. ففي فنزويلا، سعت واشنطن إلى محادثات هادئة مع شخصيات من داخل النظام قبل اعتقال مادورو. أما في إيران، فقد يكون التسلسل معكوسًا: مفاوضات علنية أولًا، ثم ضربة تستهدف القيادة، تليها مفاوضات جديدة مع قيادات من الصف الثاني. ومع ذلك، كان للسابقة الفنزويلية أثرًا عميقًا في طهران: فقد أوحت بأن استهداف قمة الهيكل القيادي للدولة لم يعد أمرًا مستحيلًا أو باهظ التكلفة، وهو درس بات يشكّل تصورات إيران للتهديد.
وسيكون غزو إيران خيارًا غير منطقي من الناحية الإستراتيجية. فتكاليفه ستكون باهظة، وتداعياته الإقليمية خارج السيطرة، والدعم الداخلي له غير مضمون. ولا تفتقر الولايات المتحدة إلى القدرة على غزو إيران، لكنها تفتقر إلى المبرر السياسي والإستراتيجي للقيام بذلك. ولا يزال نموذج العراق حاضرًا بقوة؛ حيث يعتقد قليلون في واشنطن أنهم قادرون على إدارة حجم إيران وسكانها وتعقيداتها الداخلية من دون الانزلاق إلى حالة طويلة من عدم الاستقرار.
وعلاوة على التكاليف العسكرية والسياسية المباشرة، فإن غزوًا أمريكيًا لإيران سيمثل أيضًا جرحًا استراتيجيًا ذاتيًا في سياق المنافسة بين القوى الكبرى. فحرب برية طويلة في إيران ستؤدي حتمًا إلى تحويل الموارد العسكرية والمالية والسياسية الأمريكية بعيدًا عن التركيز الإستراتيجي الأساسي لواشنطن: وهو المنافسة مع الصين. وسيؤدي صراع استنزافي في الشرق الأوسط إلى رفع أسعار الطاقة عالميًا، وزيادة التضخم داخليًا، وإضعاف التحالفات الأمريكية، وتقليص قدرة واشنطن على إبراز قوتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومن منظور بكين، ستعمل مثل هذه الحرب كتشتيت إستراتيجي، يقيّد انتباه الولايات المتحدة بينما تعزز الصين موقعها في تايوان وبحر الصين الجنوبي وسلاسل توريد التكنولوجيا الحيوية. وحتى الغزو الناجح في بدايته لن يضمن انهيار النظام، نظرًا لبنية إيران السياسية الشبكية والمرنة، لكنه سيورّط الولايات المتحدة على الأرجح في جهد تثبيت مكلف بعوائد إستراتيجية متناقصة. ولصانعي القرار الأمريكيين الذين يزداد تركيزهم على تجنّب الإفراط الاستراتيجي، يجعل هذا الغزو ليس فقط خيارًا غير مرغوب فيه، بل متعارضًا جوهريًا مع أولويات الولايات المتحدة العالمية طويلة الأمد.
ويدرك المخططون العسكريون ذلك، وكذلك القادة السياسيون، ولهذا تحوّل النقاش بعيدًا عن الغزو نحو الاستخدامات الأكثر دقة للقوة.
وفي السيناريو الذي تتم مناقشته في واشنطن، يُعتبر الخيار الأكثر ترجيحًا ليس الاحتلال بل الضربة الاستئصالية. مثل هذه الضربة ستستهدف مجموعة محدودة من الأهداف: المرشد الأعلى، وشخصيات عسكرية وسياسية بارزة، ومنشآت نووية مختارة، والبنية التحتية للصواريخ، ومراكز القيادة والسيطرة. ومن المرجح أن يتبع ذلك إستراتيجية أمريكية تقوم على هيمنة التصعيد، على غرار النهج الذي اعتمدته واشنطن بعد اغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني عام 2020، بهدف ردع إيران عن تصعيد انتقامها المعلن إلى حرب شاملة. ولن يكون الهدف هو تدمير قدرات إيران بالكامل، وهي مهمة مستحيلة، بل إظهار تفوق ساحق في السيطرة على التصعيد.
وفي هذا السيناريو المتوقع، ستكون الرسالة واضحة: الولايات المتحدة قادرة على ضرب قلب النظام الإيراني، واستيعاب رد محدود، مع الاستمرار في التحكم بسلم التصعيد.
والأهم من ذلك، أن هذا سيتبعه ضبط النفس؛ فالضربة ستكون مصمَّمة لتُختتم سريعًا، في إشارة إلى أن واشنطن تسعى إلى أوراق ضغط تفاوضية وليس الحرب.
ومن منظور التفاوض، هذه هي النقطة الجوهرية؛ فالضربة التي تستهدف القادة تعيد تشكيل التوازن العزيمة، وترفع كلفة التحدي، وتفتح الباب أمام مفاوضات جديدة ولكن بشروط مختلفة.
ويبقى رد إيران العامل الأكثر غموضًا؛ فقد تختار طهران ردًا محدودًا ورمزيًا، محسوبًا للحفاظ على الردع والمصداقية الداخلية من دون الانزلاق إلى تصعيد غير منضبط. وقد يتضمن مثل هذا الرد عملًا غير مباشر عبر شركاء إقليميين، أو ضربات صاروخية أو بطائرات مسيّرة محدودة النطاق، لإظهار العزيمة من دون مواجهة مباشرة مع القوات الأمريكية. وينسجم هذا المسار مع تفضيل إيران التقليدي للغموض والرد التدريجي.
وبديلًا من ذلك، قد ترفض إيران منطق الهيمنة التصعيدية الأمريكي بالكامل. وفي هذا السيناريو، قد تستنتج طهران أن ضبط النفس لا يجلب سوى مزيد من الضغط، فترد بأساليب توسّع الصراع عمدًا وتتحدى قدرة واشنطن على التحكم في وتيرة ونطاق التصعيد. وقد يشمل ذلك استهداف أصول أمريكية في مسارح إقليمية متعددة، أو تهديد الممرات البحرية، أو تسريع الأنشطة النووية لتغيير الحسابات الاستراتيجية.
ويكمن الخطر هنا تحديدًا، فالتفاوض عبر القوة بطبيعتها غير مستقرة. حتى عندما يسعى الطرفان لتجنب حرب شاملة، فإن سوء الحساب أو سوء قراءة العزيمة أو الضغوط الداخلية قد يدفعهما إلى ما يتجاوز الحدود المقصودة. وحين يصبح العنف وسيلة للتواصل، يسهل أن تُشوَّه الإشارات، وأن تتحول إجراءات الردع إلى استفزازات. وفي مثل هذا المناخ، يصبح الخط الفاصل بين التصعيد المحسوب والانزلاق إلى صراع خارج السيطرة رفيعًا للغاية ولا يُرى إلا بأثر رجعي.
ولهذا السبب تُعد اللحظة الراهنة شديدة التقلب؛ فالتسلسل المرجَّح ليس التفاوض ثم القوة، بل القوة أولًا ثم التفاوض: تقع الضربة، حيث تُظهر الولايات المتحدة هيمنتها التصعيدية، وترد إيران، وبعدها تبدأ المفاوضات الجدية حين يعتقد الطرفان أن مساحة التفاوض قد أُعيد ضبطها.
وبهذا المعنى، لا تُعتبر الضربة فشلًا للدبلوماسية، بل شرطًا قاسيًا لعودتها. والسؤال لم يعد ما إذا كانت القوة ستُستخدم، بل ما إذا كان يمكن استخدامها من دون إطلاق صراع لا ينوي أي من الطرفين خوضه، لكنه سيجد صعوبة في احتوائه.
وهذه هي مفارقة التفاوض عبر القوة: يتم استخدامها لتجنب الحرب، لكنها تقرّبها أكثر. وتعمل إيران والولايات المتحدة الآن في ممر ضيق حيث كل إشارة لها وزن، وكل خطأ له ثمن، وهامش الخطأ يكاد يتلاشى.
المصدر: فورين بوليسي