تأتي الجولة الإقليمية التي يجريها الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، خلال اليومين الماضيين، في توقيت تتسم فيه المنطقة بدرجة عالية من عدم اليقين الاستراتيجي، فالتوازنات الإقليمية التي تشكلت خلال العقد الماضي لم تعد مستقرة كما كانت، والتحالفات تشهد إعادة تموضع بطيئة ولكن عميقة، فلا توجد حرب شاملة، لكن لا يوجد سلام مستقر أيضًا، وتعيش المنطقة فيما يمكن وصفه بـ”مرحلة ما بين الصدام الكبير والتسوية الكبرى”.
وتتقاطع عدة مسارات: استمرار الضغوط الاقتصادية على إيران، احتدام التوتر في بؤر إقليمية متعددة، وتزايد النقاش داخل الولايات المتحدة حول كيفية إدارة الملف الإيراني. هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة رمادية، لا هي قابلة للانفجار السريع، ولا هي قابلة للانفراج السلس.
تدرك إيران بأن البيئة الدولية لا تتحمل حربًا جديدة واسعة النطاق، لكنها تدرك أيضًا أن خصومها لن يتراجعوا عن سياسة الضغط بسهولة، لذلك تتحرك ضمن مساحة دقيقة بين الردع والتهدئة، وبين إظهار القدرة على التصعيد والرغبة في تجنبه.
مسقط و”الدبلوماسية الصامتة”
لطالما كانت مسقط مساحة اختبار هادئ للنوايا، ولم تكُ يومًا ساحة استعراض إعلامي في الملفات الحساسة، فالدور الذي لعبته سلطنة عُمان في تسهيل الاتصالات السرية بين إيران والولايات المتحدة قبل الاتفاق النووي عام 2015 جعل منها منصة موثوقة للطرفين.
اليوم، تعود مسقط إلى الواجهة باعتبارها قناة لإدارة مرحلة انتقالية جديدة، ويمكن فهم زيارة لاريجاني إليها يوم 10 فبراير/شباط الجاري. وتحديدًا بعد احتضانها الجولة الأولى من المحادثات بين طهران وواشنطن الجمعة الماضية، على أنها محاولة لإعادة تشغيل “خط الأمان” الدبلوماسي، تحسبًا لأي سوء تقدير قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب، خصوصًا وإنها تأتي مترافقة مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نيتنياهو، إلى واشنطن، فيما يبدو كرغبة إسرائيلية لإرباك أجواء المفاوضات.
وتريد إيران من خلال هذه الزيارة إرسال رسالة بأنها لا تسعى إلى المواجهة المفتوحة، وهي تختبر مدى استعداد واشنطن لفصل مسار التهدئة عن الشروط القصوى التي تطالب بها بعض الأطراف الإقليمية، كما أن اختيار شخصية بحجم لاريجاني يحمل دلالة داخلية أيضًا، إذ يعكس أن الملف يُدار على مستوى استراتيجي رفيع، لا كتحرك تكتيكي.

الدوحة وسياسة تنويع الوسائط وتثبيت التوازن
ويمثّل انتقال لاريجاني إلى الدوحة بعد مسقط خطوة ضمن استراتيجية أوسع لتوسيع شبكة التواصل، إذ إن قطر وخلال السنوات الماضية أثبتت قدرتها على لعب أدوار معقدة في الوساطات، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المتوازنة.
بالنسبة لطهران، فإن الدوحة تمثل نافذة إضافية على واشنطن، ولكن عبر مسار مختلف، فالعلاقة الاستراتيجية بين قطر والولايات المتحدة تمنح أي حوار غير مباشر وزنًا إضافيًا، كما أن انفتاح الدوحة على أطراف متباينة يوفر مساحة أوسع لإدارة التناقضات.
وتسعى إيران إلى تجنب حصر تواصلها في قناة واحدة قد تتعرض لضغوط أو تعطيل، إذ إن تنويع الوسائط يمنحها قدرة على المناورة ويعزز موقعها التفاوضي، وهي بهذا تنتقل من نهج “الوسيط الواحد” إلى “شبكة وسطاء”، بما يقلل من احتمالات العزلة ويعزز صورة الانفتاح الإقليمي.
إدارة الوقت كأداة تفاوضية
تتخذ الاستراتيجية الإيرانية من عامل الوقت أداة للمناورة، فكلما طال أمد الجمود دون انفجار، زادت فرص إعادة ترتيب الأوراق، وتراهن طهران على أن المتغيرات الدولية، سواء داخل الولايات المتحدة أو في البيئة الدولية الأوسع، قد تفتح نافذة جديدة للحوار بشروط أقل تشددًا.
كما أن إدارة الوقت تسمح بتخفيف الضغوط تدريجيًا عبر ترتيبات محدودة أو تفاهمات جزئية، بدل القفز إلى اتفاق شامل محفوف بالمخاطر، وتعكس هذه المقاربة فلسفة “الخطوات الصغيرة” التي تُبقي الباب مواربًا دون تقديم تنازلات جوهرية، لكن هذه السياسة تحمل مخاطرة أيضًا، إذ إن إطالة أمد التوتر قد تمنح خصوم إيران فرصة لتكثيف الضغوط أو بناء تحالفات مضادة.
في المقابل، تتحرك إسرائيل ضمن مقاربة مختلفة تقوم على التأثير المباشر في صانع القرار الأمريكي، ولعل هذا ما يوضح سبب زيارة نيتنياهو إلى واشنطن يوم 11 فبراير/شباط الجاري، فمن منظورها، أي تخفيف للضغط عن إيران، أو أي اتفاق جزئي معها، يشكل تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد، سواء عبر تعزيز قدراتها الاقتصادية أو توسيع نفوذها الإقليمي.
ولا يقتصر القلق الإسرائيلي على الملف النووي وحده، فهو يشمل الصواريخ الباليستية وشبكة الحلفاء الإقليميين لإيران، لذلك تسعى إلى توسيع شروط أي تفاوض ليشمل هذه الملفات، ما يجعل الوصول إلى تسوية أكثر تعقيدًا.
ويظهر هذا تباينًا في طريقة إدارة الصراع: فإيران تميل إلى إدارة التوتر عبر قنوات خلفية، بينما تعتمد إسرائيل على الضغط العلني والتحشيد السياسي.

واشنطن في قلب المعادلة
تبقى واشنطن العقدة المركزية في هذه الشبكة المعقدة، فهي الطرف القادر على تخفيف العقوبات أو تشديدها، وعلى فتح باب التفاوض أو إغلاقه، لكنها في الوقت ذاته محكومة بحسابات داخلية معقدة، تشمل التوازنات الحزبية والاعتبارات الانتخابية والتحالفات الإقليمية.
فرغم التحشيد العسكري الأمريكي الكبير في المنطقة، إلاّ إنه ليس من المؤكد حتى الآن بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تراهن على الحل العسكري، فالإدارة الأمريكية قدمت مؤشرات عديدة على ميلها صوب تجنب التصعيد العسكري، لكنها لا ترغب في تقديم تنازلات تُفسر على أنها ضعف، لذلك تعتمد سياسة مزدوجة تجمع بين الإبقاء على الضغوط العسكرية وترك نافذة محدودة للحوار.
هذا التردد يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن أي قرار حاسم قد تكون له تداعيات إقليمية واسعة، سواء باتجاه التهدئة أو باتجاه التصعيد، وهي نقطة أكدّ عليها لاريجاني عشية زيارته إلى مسقط، بأن على الولايات المتحدة ألّا تنساق خلف الجهود التخريبية التي تقودها إسرائيل لعرقلة مسار المفاوضات.
صراع على هندسة النظام الإقليمي
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بالملف النووي أو بالعقوبات، بل بصراع أوسع حول شكل النظام الإقليمي المقبل، هل سيبقى قائمًا على توازن الردع والاحتواء، أم سيتحول إلى نظام تفاهمات مرنة تُدمج فيه إيران بشروط جديدة؟
جولة لاريجاني إلى مسقط والدوحة تعكس رغبة إيرانية في أن تكون شريكًا في صياغة هذا النظام، لا موضوعًا له، أما خصومها، فيسعون إلى ضبط هذا الإدماج بشروط صارمة تمنع تحوله إلى مصدر تفوق استراتيجي.
فما يجري اليوم هو اختبار طويل للإرادات، لا مواجهة خاطفة، فطهران تحاول إدارة الأزمة دون الانزلاق إلى صدام شامل، وتل أبيب تسعى إلى منع أي مسار يمنح إيران هامشًا مريحًا، فيما تحاول واشنطن الموازنة بين الضغط والانفتاح.
النتيجة هي حالة شد مستمر، تُدار فيها الرسائل عبر مسقط والدوحة، كما تُدار في أروقة واشنطن، إنها مرحلة انتقالية قد تطول، حيث لا أحد يريد الحرب، لكن لا أحد مستعد للتراجع الكامل، وفي مثل هذه اللحظات، لا تُحسم المعادلات بضربة واحدة، بل بتراكم الرسائل الصغيرة التي تعيد رسم حدود الممكن في الشرق الأوسط.
إن أكثر ما يربك حسابات إيران بالوقت الحاضر هو أن تنساق إدارة ترامب خلف رغبات إسرائيل في تضييق شروط التفاوض، أو العودة مرة أخرى للتصعيد العسكري، فعلى ما يبدو أن مخرجات الجولة الأولى من المحادثات في مسقط، حققت الحد الأدنى من الرغبة الإيرانية حتى الآن، في إبعاد شبح الحرب، والعودة لمسار الدبلوماسية، ولكن مع زيارة نيتنياهو إلى واشنطن، تدخل المفاوضات في نفق مظلم، قد يجعل مسألة استمرارها مرهون بشكل مباشر على مدى صمود إدارة ترامب أمام الضغوط الإسرائيلية الرافضة لأي فرصة تمنح للنظام الإيراني البقاء على قيد الحياة.