بالرغم من وتيرة المفاوضات المتذبذبة، فإن مؤشرات التصعيد تتزايد على نحو يوحي بحتمية الانزلاق إلى الحرب، خصوصًا مع نشر حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” في الشرق الأوسط، وبالتوازي مع بدء إيران مناورات عسكرية واسعة في مضيق هرمز.
وتترافق هذه التطورات مع تصريحات متضاربة تُبقي باب التفاوض ومرونته مفتوحًا من الطرفين الأمريكي والإيراني، لكنها في الوقت ذاته تقرن هذا المسار بقدرٍ كافٍ من التهديدات؛ بدءًا من تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالحديث عن “يوم سيئ” في حال عدم الوصول إلى اتفاق، وصولًا إلى الرد الإيراني على لسان المرشد الأعلى بأن أقوى الجيوش في العالم قد تتلقى ضربات مؤلمة، فضلًا عن التهديد بإغراق حاملة طائرات أمريكية “إلى قاع البحر”.
في واقع الحال، بات تقدير نجاح الجولات التفاوضية في الوصول إلى اتفاق هو الاحتمال الأبعد، في ظل الفجوة الكبيرة بين المطالب الأمريكية ذات السقف المرتفع، والمدعومة بضغوط إسرائيلية تسعى إلى اتفاق يفضي إلى الإخضاع الكامل، وبين المرونة الإيرانية الجزئية القائمة على فكرة الوصول إلى اتفاق يتضمن تنازلات منطقية لا تمس القدرات الردعية الإيرانية ولا قدرتها المستقبلية على المواجهة؛ وهو ما يعني عمليًا إخراج البرنامج الباليستي وملفات الحلفاء في الإقليم من دائرة النقاش منذ البداية.
وبناءً على ذلك، تتجه الأنظار نحو شكل المواجهة العسكرية المحتملة وحدودها، لا سيما أن أيًّا من الأطراف لا يملك قدرة مسبقة على التحكم بوتيرة التدحرج التي قد تنزلق إليها الأحداث. كما أن أي مواجهة قادمة لن تكون نموذجًا مشابهًا لحرب الاثني عشر يومًا، لاعتبارات عديدة، في مقدمتها الجهة التي ستقود الهجوم والأهداف الموضوعة له؛ إذ تشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة هي من سيقود الضربة، وأن الهدف الرئيسي يتمثل في إحداث تغيير نوعي في بنية النظام القائم، وربما الدفع نحو إسقاطه بشكل أو بآخر.
أعلن الجيش الأمريكي إسقاط مسيّرة إيرانية من طراز “شاهد-139” اقتربت من حاملة الطائرات أبراهام لينكولن أثناء وجودها في بحر العرب، ونُفذت عملية الإسقاط بواسطة مقاتلة “إف-35”.
البيت الأبيض أكد أن إسقاط المسيّرة جاء في إطار تصرف مناسب من القيادة المركزية الأمريكية، مشددًا على أن… pic.twitter.com/HHNYx8yvIw
— نون بوست (@NoonPost) February 4, 2026
وعليه، فإننا أمام حرب يُفترض أن تكون ساحقة وتسعى إلى تحقيق أهداف واضحة، وهو ما يعني بالنسبة للنظام الإيراني معادلة صفرية في الحسابات، تدفعه إلى السعي لرفع كلفة المواجهة إلى الحد الأقصى، واتخاذ الإجراءات الحمائية اللازمة لإفشال الأهداف الأمريكية المتوقعة.
التحول من الضربة القاضية إلى حرب الاستنزاف
بالرغم من أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يغلب عليها الطابع الانعزالي الذي يميل إلى تثبيت الهيمنة بأقل كلفة ممكنة، وتجنب الانجرار إلى حروب طويلة ومكلفة، فإنها تفضّل منطق الصفقات أو التغييرات القسرية تحت مبدأ “السلام عبر القوة” الذي يطرحه الرئيس الأمريكي كناظم لطريقته في “إحلال السلام” على الطريقة الترامبية.
وفي هذا السياق، شكّل نموذج فنزويلا وخطف الرئيس نيكولاس مادورو في “عملية نظيفة” وسريعة أفضت إلى تغيير نوعي في تعاطي النظام الفنزويلي مع المتطلبات الأمريكية، نموذجًا محبذًا لإدارة البيت الأبيض لشكل الخيارات المطلوبة في حال فشل التهديد وحده في تحقيق الأهداف.
استراتيجية الأمن القومي الأمريكية في عهد ترامب، التي صنّفت أمريكا اللاتينية ضمن دائرة النفوذ الأمريكي الحصري، في إعادة إحياء لمبدأ مونرو التاريخي ضمن ملحق ترامبي معاصر، هي ذاتها الاستراتيجية التي صنّفت إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي المستمر والمصدر الرئيسي لعدم الاستقرار الإقليمي.
وتعتمد إدارة ترامب (وفق وثائق 2025/2026) نهج “السلام عبر القوة” لإضعاف إيران اقتصاديًا وعسكريًا، ومنع امتلاكها للسلاح النووي، وتعزيز أمن الحلفاء بما يمنح واشنطن مساحة مستقبلية لتقليص وجودها العسكري المباشر.
وقد تطور الموقف الأمريكي من البحث عن اتفاق “مرضي” حول البرنامج النووي الإيراني إلى الانحياز أكثر لفرضية تغيير بنية النظام القائم بشكل أو بآخر؛ بما يعني إما تغييرًا من داخل البنية القائمة مسنودًا بتدخل عسكري أمريكي يتيح لأي حليف جديد تنفيذ انقلاب داخلي، أو شنّ هجوم عسكري دعمًا للاحتجاجات التي سادت الشوارع الإيرانية في مطلع العام الحالي.
View this post on Instagram
إلا أن كلا المسارين بدا أنهما تراجعا مع الإجراءات الاحتوائية التي اتخذها النظام الإيراني، في الوقت الذي تورطت فيه إدارة البيت الأبيض برفع سقف التوقعات، وهو سقف عززه النجاح السريع والحاسم في فنزويلا.
ويبدو أن السقف الذي حدده الرئيس الأمريكي بات القيد الرئيسي على المسارين الدبلوماسي والعسكري معًا؛ إذ انحصر المشهد بين خيارين: الإخضاع الكامل دبلوماسيًا أو الحسم الكامل عسكريًا، الأمر الذي يعقّد كلا المسارين في ظل غياب “خطط سحرية” قادرة على التعامل مع هذا السقف بسرعة ونجاعة، خصوصًا في ظل الموقف الإيراني محدود المرونة. وهو ما فتح الباب أمام خطط عملياتية أكثر تدحرجًا وتشعبًا.
في هذا السياق، كشف مسؤولان أمريكيان أن الجيش يستعد لاحتمال شن عمليات متواصلة تستمر أسابيع ضد إيران إذا أمر الرئيس دونالد ترامب بشن هجوم، بما قد يحوّل المواجهة إلى صراع أكثر خطورة مما شهدناه سابقًا بين البلدين، وفق ما نقلت وكالة “رويترز”.
وأضافا أن وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) أرسلت حاملة طائرات إضافية إلى الشرق الأوسط، إلى جانب آلاف الجنود وطائرات مقاتلة ومدمرات صواريخ موجهة وقوة نارية أخرى قادرة على شن هجمات والدفاع عنها.
كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، أن وزارة الدفاع (البنتاغون) أبلغت مجموعة حاملة طائرات ثانية بالاستعداد للانتشار في الشرق الأوسط، في قرار قد يصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الساعات المقبلة. pic.twitter.com/DxmhUsp7dL
— نون بوست (@NoonPost) February 11, 2026
كما أكد المسؤولون أن التخطيط الجاري هذه المرة أكثر تعقيدًا؛ إذ يمكن للجيش الأمريكي تنفيذ حملة مستمرة تستهدف المنشآت الحكومية والأمنية الإيرانية، وليس فقط البنية التحتية النووية، مع توقع رد إيراني مباشر يقود إلى تبادل الضربات والانتقامات على مدى فترة زمنية ممتدة.
في المقابل، يرى عدد من الخبراء أن المخاطر التي ستتعرض لها القوات الأمريكية ستكون أكبر بكثير في مثل هذه العملية ضد إيران، التي تمتلك ترسانة صاروخية هائلة، فضلًا عن أن الضربات الانتقامية الإيرانية قد تزيد من خطر اندلاع صراع إقليمي واسع.
ومن جهتها، أوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، ردًا على سؤال حول الاستعدادات لعملية عسكرية أمريكية محتملة طويلة الأمد، أن “ترامب يضع جميع الخيارات على الطاولة فيما يتعلق بإيران”، مضيفة أنه يستمع إلى وجهات نظر متنوعة حول أي قضية، لكنه يتخذ القرار النهائي بناءً على ما يراه الأفضل لأمن الولايات المتحدة ومصالحها القومية.
في المقابل، كان الحرص الإيراني واضحًا على تثبيت فكرة أن أي هجوم سيعني اندلاع “حرب إقليمية” بشكل مباشر، واضعًا إسرائيل في مقدمة الأهداف المحتملة، إلى جانب المصالح والقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط.
وقد جاءت تصريحات حلفاء إيران في المنطقة، خصوصًا في اليمن والعراق ولبنان، منسجمة مع هذا التوجه، مؤكدة أنهم لن يكونوا أطرافًا محايدة في أي مواجهة من هذا النوع. وهو ما يوسّع على نحو مضطرد احتمالات التدحرج نحو اشتباك مفتوح يصعب حصره في بقعة جغرافية محددة أو ضبط نتائجه مسبقًا، في سياق حرب استنزاف مطولة قد يدخل الشرق الأوسط في أتونها.
كيف تفكر إيران في الحرب الطويلة؟
يكمن مصدر التردد في أن استخدام القوة في الحالة الإيرانية لا يفضي تلقائيًا إلى حسم سريع، بينما تُعد السرعة العملة السياسية التي يوليها دونالد ترامب أهمية قصوى، وفي حال انزلاق المواجهة إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات عقب ضربة أميركية–إسرائيلية أولى، فإن شكل التعامل الإيراني المرجّح لن يقوم على محاولة تحقيق تفوق عسكري مباشر، بل على إدارة زمن الحرب وتحويلها من صدمة سريعة إلى صراع طويل مرتفع الكلفة سياسيًا واقتصاديًا للطرف المقابل.
ويشير الباحث الإيراني آرش مرزبانمهر، في دراسة منشورة، إلى أن إيران أمضت عقودًا في الإعداد لصراع من نوع مختلف تمامًا؛ ليس من أجل نصر خاطف، بل لضمان أن يكون أي نزاع مع خصومها طويل الأمد ومكلفًا. فاستراتيجيتها لا تقوم على السيطرة الإقليمية أو تحقيق انتصارات استعراضية، بل على الصمود وفرض كلف مرتفعة على الخصوم. وهي لا تسعى إلى ضربة قاضية، بل إلى استدراج خصومها إلى حروب استنزاف تُهدر مواردهم، ويتآكل فيها رصيدهم السياسي، ويُستنزف الزمن نفسه إلى أن تُنهك حتى أقوى الجيوش.
وهذا ما يفسر تحديدًا استمرار التردد الأميركي، ولماذا يتصرف ترامب بحذر خاص. فهو مقامر بطبعه، لكنه ليس مقامرًا انتحاريًا؛ إذ يخوض المخاطرة حين يرى أن الاحتمالات تصب في صالحه وأن العائد سريع ومباشر. أما إيران فتمثل، بالنسبة له، سيناريو مغايرًا: مخاطر مرتفعة مع مكاسب محدودة، وطريق شبه مسدود نحو حسم نهائي، من دون ضمان لنصر نظيف وسريع، وذلك وفقًا للباحث الإيراني.
ويُقدّر أن تعامل إيران مع أي هجوم سيرتكز أولًا إلى الاحتواء الأولي واستيعاب الضربة في الساعات الأولى، فيما سيكون الهدف الإيراني تثبيت معادلة ردع نفسية قبل أن تكون عسكرية. ومن المرجح أن يُعلن رسميًا أن الضربة “لم تحقق أهدافها”، مع إبراز صور لمنشآت أو قدرات ما تزال قائمة.
View this post on Instagram
وبالتوازي، قد تُنفَّذ ضربات صاروخية محدودة ومركّزة ضد قواعد عسكرية أميركية في الخليج أو العراق، مع الحرص على أن تكون محسوبة بما يكفي لإظهار القدرة من دون دفع واشنطن إلى تصعيد شامل فوري. ويهدف هذا الرد الأول إلى منع تثبيت صورة “الضربة القاضية” وإعادة إدخال عنصر عدم اليقين إلى مسار المواجهة.
وخلال الأيام التالية، من المرجّح أن تنتقل طهران إلى نمط الاستنزاف المتدرّج. فبدل إطلاق وابل كثيف دفعة واحدة، قد تعتمد موجات متقطعة من الصواريخ والمسيّرات، مع تغيير أنماط الإطلاق والمواقع، والاعتماد على بنية تحت أرضية موزعة.
في ذات الإطار، يُقدّر أن تعمل إيران على التفعيل التدريجي لحلفائها بدرجات متفاوتة: ضغط صاروخي من لبنان، واستهداف مصالح أميركية في العراق، وتهديد الملاحة في البحر الأحمر أو الخليج، على قاعدة توسيع رقعة التوتر تدريجيًا بحيث تصبح إدارة المخاطر أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب.
اقتصاديًا، سيكون المجال البحري والطاقة أحد أدوات الاستنزاف الرئيسية، حتى وإن لم يصل في بدايته إلى إغلاق كامل لمضيق هرمز؛ إذ يكفي رفع مستوى المخاطر والتأمين البحري لإحداث أثر ملموس في أسعار النفط. وهو ما يمنح إيران ورقة ضغط غير مباشرة على العواصم الغربية والآسيوية، ويحوّل الصراع من مواجهة عسكرية ثنائية إلى أزمة اقتصادية عالمية جزئية.
View this post on Instagram
سياسيًا، ستعمل القيادة الإيرانية على تصوير الصراع بوصفه حربًا وجودية، بما يعزز تماسك الجبهة الداخلية. فالمجتمع الإيراني، وإن كان جزء مهم منه مختلفًا مع النظام، إلا أنه يتمتع بإحساس قومي مرتفع؛ وتاريخيًا تميل الأنظمة التي تواجه تهديدًا خارجيًا مباشرًا إلى الاستفادة من تأثير “الالتفاف حول الهوية الوطنية”، وهو ما قد يمنحها وقتًا إضافيًا لتصليب الجبهة الداخلية خلال الأسابيع الأولى من الحرب.
وفي حال تراجعت وتيرة الضربات المعادية، قد تميل طهران إلى تثبيت معادلة ردع جديدة من دون تصعيد إضافي. أما إذا استمرت الحملة أو توسعت، فقد تُفعَّل جبهات أكبر –خصوصًا لبنان– بما يرفع مستوى الخطر الإقليمي بشكل كبير.
وفي سيناريو الاستنزاف، لن تسعى إيران إلى “النصر العسكري التقليدي” بالدرجة الأولى؛ لأن مواجهة قوة بحجم الولايات المتحدة تفرض التعامل وفق قاعدة منع الخصوم من تحقيق نصر حاسم، وتحويل الزمن ذاته إلى عامل ضغط عليهم.
ويعتمد نجاح هذه المقاربة على ثلاثة عوامل رئيسية: قدرة الصمود الداخلي اقتصاديًا، ودرجة انخراط الحلفاء في الشرق الأوسط وتأثيرهم، ومستوى تحمّل الرأي العام في الولايات المتحدة وإسرائيل لحرب طويلة متعددة الجبهات، خصوصًا إذا نجحت إيران في رفع كلفتها بشكل نوعي وملموس على الطرفين ومصالحهما.
حدود القدرة الأميركية على تحمّل الاستنزاف
لا تُقاس القدرة الأميركية على إدارة حرب استنزاف طويلة ومتعددة الجبهات بحجم القوة العسكرية وحده؛ إذ ينبغي أن تأخذ في الحسبان القدرة على تحمّل الزمن سياسيًا، واحتواء الانتشار الجغرافي، ومنع تراكم الكلفة الاستراتيجية على المدى المتوسط والبعيد.
لا شك أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا عسكريًا نوعيًا وتقنيًا واسعًا يتيح لها بدء أي مواجهة بزخم كبير، غير أن حرب الاستنزاف تختلف جوهريًا عن الحروب القصيرة الحاسمة؛ فهي اختبار للصبر والاقتصاد والتحالفات بقدر ما هي اختبار للنار والحديد.
أول عناصر القوة الأميركية يتمثل في العمق الاستراتيجي البعيد عن مسرح العمليات، إذ إن الأراضي الأميركية ليست عرضة مباشرة للقصف التقليدي، ما يمنح صانعي القرار هامشًا واسعًا للتحرك من دون ضغط وجودي فوري.
كما أن شبكة القواعد الممتدة في الخليج وشرق المتوسط وأوروبا توفر مرونة عملياتية تسمح بتدوير القوات وتوزيع المخاطر، وهو ما يمنع الخصم من تركيز الضغط في نقطة واحدة، لكنه في الوقت ذاته يخلق نقاط احتكاك متعددة يمكن استهدافها بصواريخ أو مسيّرات أو عمليات غير مباشرة.
اقتصاديًا، تمتلك الولايات المتحدة قدرة على تمويل حرب طويلة تفوق خصومها بكثير، غير أن حرب الاستنزاف الحديثة تتجاوز تكاليف العمليات العسكرية المباشرة إلى تأثيراتها في أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، ومستويات التضخم.
وإذا دخلت موجات الاشتباك الإقليمية على الخط –سواء عبر استهداف الملاحة أو ضرب منشآت نفطية– فإن الضغط الاقتصادي العالمي قد يرتد سياسيًا على واشنطن، خاصة إذا طال أمد الصراع من دون نتائج حاسمة واضحة.
العامل السياسي الداخلي يمثل متغيرًا حاسمًا أيضًا؛ فالتجربة الأميركية في العراق وأفغانستان أظهرت أن الرأي العام قد يتحمل ضربات جوية محدودة، لكنه يصبح أكثر حساسية تجاه الحروب المفتوحة وغير محددة الأهداف، خصوصًا في حال وجود كلفة بشرية إلى جانب كلفتها الاقتصادية. وفي حال تعددت الجبهات (لبنان، العراق، الخليج، وربما البحر الأحمر)، فإن إدارة الرسائل السياسية تصبح بقدر أهمية إدارة المعركة نفسها.
الولايات المتحدة قادرة ماديًا على خوض حرب استنزاف طويلة، لكنها تسعى عادة إلى تجنبها لأنها تستهلك الرأسمال السياسي أكثر مما تستهلك الذخيرة
كما أن الحاجة إلى تحالف دولي داعم، وتجنب الانزلاق إلى عمليات برية واسعة، سيشكلان عنصرين مركزيين في أي استراتيجية استنزاف أميركية. وهما عنصران معقدان؛ إذ إن الدعم السياسي الدولي لحرب بهذا الحجم يظل محدودًا، مع تحفظ ملحوظ لدى عدد من حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط –باستثناء إسرائيل– إزاء الانخراط في مواجهة واسعة.
عسكريًا، تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على تفوق جوي وبحري طويل الأمد، واستخدام أدوات بعيدة المدى لتقليل الخسائر البشرية المباشرة، إضافة إلى الاعتماد على قدراتها الاستخبارية والفضائية لتعقب شبكات الإطلاق والتحرك. غير أن الخصم في حرب الاستنزاف لا يسعى إلى هزيمة الأسطول الأميركي، بل إلى إدامة مستوى منخفض–متوسط من النزف المستمر، يراكم الكلفة ويستنزف الانتباه الاستراتيجي الأميركي عن مسارح أخرى لا تقل أهمية مثل شرق آسيا وأوروبا.
وفي حال توسعت موجات الاشتباك الإقليمية، ستواجه واشنطن تحدي “إدارة الأولويات”؛ فكل جبهة إضافية قد تتمكن إيران من فتحها –سواء عبر حلفاء مسلحين أو عبر تهديدات بحرية– ستفرض توزيعًا للقوة والموارد، مما يرفع أهمية التحالفات وحيوية مشاركة شركاء إقليميين في تحمّل العبء الدفاعي لتقليل الضغط المباشر. غير أن ذلك لا يلغي المخاطر المرتبطة بتوسّع غير محسوب قد يجرّ الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مما خُطّط له.
الخلاصة أن الولايات المتحدة قادرة ماديًا على خوض حرب استنزاف طويلة، لكنها تسعى عادة إلى تجنبها لأنها تستهلك الرأسمال السياسي أكثر مما تستهلك الذخيرة. وفي سيناريو تداخل موجات الاشتباك الإقليمية المتتالية، ستكون المعركة الحقيقية لواشنطن هي إدارة الزمن والتحالفات، ومنع تحوّل الاستنزاف إلى استنزاف شامل يربك أولوياتها الاستراتيجية الكبرى.
وأول ما تواجهه واشنطن في سيناريو التمدد التدريجي هو سؤال الهدف: إذا لم يتحقق الحسم بعد الضربات الأولى، فهل أصبح الهدف إضعافًا طويل الأمد؟ أم تغيير سلوك؟ أم تغيير نظام؟ وكلما طال أمد الحرب من دون وضوح في الهدف النهائي، ازدادت كلفة الغموض سياسيًا، وقد تميل إدارة البيت الأبيض في هذه الحالة إلى إعادة تعريف الأهداف بصورة أكثر واقعية، لتجنب الوقوع في فخ “الحرب من أجل الحرب”.
وفي هذا السياق، قد تتجه الحسابات الأميركية إلى أحد ثلاثة مسارات:
- تثبيت معادلة ردع طويلة منخفضة الوتيرة: قبول حالة مواجهة مضبوطة دون سعي إلى حسم شامل.
- تصعيد قصير عالي الكثافة لإعادة فرض الردع: محاولة “إعادة ضبط” الصراع عبر موجة ضربات قوية جديدة.
- الانخراط في مسار تفاوضي غير مباشر لوقف التصعيد مقابل ترتيبات محددة تفرضها الولايات المتحدة في ضوء نتائج الضربات الكبرى التي وُجهت لإيران، وإن لم تحقق الحسم المطلوب.
إسرائيل في مواجهة حرب استنزاف متعددة الجبهات
بالنسبة لإسرائيل، وفي سيناريو حرب متتابعة تتطوّر تدريجيًا دون حسم حاسم ضد إيران، فإن حساباتها تختلف جوهريًا عن الحسابات الأميركية، بحكم اختلاف الجغرافيا والعمق الاستراتيجي وطبيعة التهديد المباشر.
في حالة تصعيد متدرّج، ستجد إسرائيل نفسها في بيئة أكثر حساسية لعامل الزمن؛ فعلى خلاف الولايات المتحدة، لا تمتلك إسرائيل عمقًا جغرافيًا واسعًا، وأي استنزاف طويل يعني بقاء الجبهة الداخلية تحت ضغط صاروخي أو تهديد أمني مستمر. لذلك، وبينما تستطيع خوض موجات تصعيد قصيرة بكفاءة عالية، فإن الاستنزاف الممتد يمثل تحديًا استراتيجيًا أكبر من كونه تحديًا عسكريًا بحتًا.
عسكريًا، تمتلك إسرائيل قدرة واضحة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى والحفاظ على تفوق جوي إقليمي، إضافة إلى منظومات دفاع جوي متعددة الطبقات. غير أنه في سيناريو حرب متتابعة تتحول المسألة من “القدرة على الضرب” إلى “القدرة على تحمّل الرد المتكرر”. فإذا دخلت جبهات مثل لبنان بقوة، فإن حجم النيران اليومية المحتملة قد يفرض واقعًا ضاغطًا اقتصاديًا واجتماعيًا، حتى مع استمرار التفوق العسكري الإسرائيلي.
القدرة الدفاعية الإسرائيلية متقدمة تقنيًا، مع منظومات متعددة الطبقات لاعتراض الصواريخ. إلا أن هذه المنظومات –مهما بلغت فعاليتها– ليست مصممة للتعامل مع تدفق يومي طويل الأمد وعالي الكثافة دون تكلفة اقتصادية وعملياتية كبيرة، فالاعتراضات المتكررة تستهلك موارد باهظة وتتطلب إعادة إمداد مستمرة، ما يحوّل الاستنزاف إلى مسألة لوجستية بقدر ما هو مسألة عسكرية وقد كان هذا جليًا في المواجهة السابقة.
وتكمن إحدى المقاربات الأكثر ترجيحًا لدى إيران وحلفائها في اعتماد نمط “الإغراق الصاروخي”، القادر على استنزاف منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، وفتح ثغرات تسمح بوصول دفعات صاروخية مؤثرة إلى العمق الإسرائيلي. ويزداد هذا التحدي في حال مشاركة فاعلة من جبهات مثل لبنان واليمن، بما يضاعف الضغط العملياتي والدفاعي على إسرائيل.
الفرق الأساسي عن الولايات المتحدة أن إسرائيل لا تستطيع تحويل الحرب إلى ملف بعيد جغرافيًا؛ فهي تبقى في قلب المعركة، ما يجعل هامش المناورة الزمنية لديها أضيق
في حال طال أمد الحرب دون تحقيق حسم ضد إيران، ستواجه القيادة الإسرائيلية سؤالًا مركزيًا: هل يخدم الاستمرار في العمليات هدف الردع، أم أن عدم القدرة على إنهاء التهديد بالكامل سيخلق صورة استنزاف متبادل تضعف الردع نفسه؟
تاريخيًا تميل إسرائيل إلى البحث عن حسم سريع أو إعادة ضبط قواعد الاشتباك بدل إدارة صراع طويل منخفض الوتيرة قائم على تبادل الضربات؛ لأن استمرار التهديد الصاروخي للجبهة الداخلية يراكم ضغطًا سياسيًا واجتماعيًا متزايدًا.
وكلما طال الصراع، ازدادت حساسية الرأي العام للخسائر الاقتصادية وتعطل الحياة اليومية، فضلًا عن استنزاف قوات الاحتياط التي أُنهكت أصلًا بفعل دوامة الحروب خلال العامين الماضيين، وما يرافق تعبئتها الطويلة من تأثير مباشر في الاقتصاد وسوق العمل.
وبينما يستطيع الاقتصاد الإسرائيلي تحمّل موجات قصيرة من التصعيد، فإن الاستنزاف الممتد متعدد الجبهات قد يفرض ضغطًا متراكمًا، خاصة إذا ترافق مع تعطّل مطارات أو موانئ أو مراكز صناعية رئيسية.
كما ينعكس طول أمد الحرب على الحسابات السياسية الداخلية، بما في ذلك الحظوظ الانتخابية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وائتلافه الحكومي في عام انتخابي حساس، وهو ما قد يدفع إسرائيل في سيناريو الاستنزاف الطويل إلى أحد مسارين: إما تصعيد مركّز وعالي الكثافة لمحاولة تسريع الحسم، أو الضغط على واشنطن للدفع نحو تسوية أو إعادة احتواء.
الفرق الأساسي عن الولايات المتحدة أن إسرائيل لا تستطيع تحويل الحرب إلى ملف بعيد جغرافيًا؛ فهي تبقى في قلب المعركة، ما يجعل هامش المناورة الزمنية لديها أضيق. وفي المقابل، تمتلك دافعًا أكبر لمحاولة إنهاء التهديد جذريًا بدل القبول بردع متبادل طويل الأمد.
وقد يتمثل المسعى الإسرائيلي المركزي في محاولة شلّ القدرة الإيرانية على توجيه ضربات صاروخية مؤثرة نحو العمق الإسرائيلي، أو على الأقل تحقيق توازن بين حجم الصواريخ المُطلقة وقدرة الدفاعات الإسرائيلية على التصدي لها.
وفي سيناريو حرب تتوسع تدريجيًا دون حسم، تصبح الحسابات الإسرائيلية قائمة على مجموعة عوامل رئيسية: مستوى انخراط جبهة الشمال وحزب الله، وحجم الضرر المستمر في الجبهة الداخلية، ومدى التزام الولايات المتحدة بالبقاء في المعركة وعدم تقليص انخراطها مبكرًا، إضافة إلى عمق البنية التحتية الإيرانية للإطلاق الصاروخي وقدرتها على الاستدامة.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن إسرائيل قادرة عسكريًا على الاستمرار في حرب متتابعة، لكنها أكثر حساسية من الولايات المتحدة لعامل الزمن. لذلك، وفي حال غياب الحسم، ستسعى إما إلى تصعيد يعيد تشكيل قواعد اللعبة، أو إلى إنهاء الصراع بشروط تضمن إعادة ترميم الردع؛ لأن الاستنزاف الطويل غير المحسوم يمثل لها تحديًا استراتيجيًا ذا أبعاد وجودية أكثر منه تكتيكيًا.
كلمة السر في الضربة الأولى
تتحدد مسارات التدحرج في المواجهة المحتملة بصورة أساسية بطبيعة الضربة الأولى وبالطريقة التي ستُحوّل بها الولايات المتحدة حجم القوة العسكرية التي حشدتها في الشرق الأوسط –والتي تُعد الأكبر منذ حرب العراق عام 2003– إلى ترجمة عملياتية في الهجوم المزمع توجيهه إلى إيران.
تتعدد السيناريوهات المطروحة لشكل هذه الضربة، سواء تلك التي قدّمها محللون ومقدّرون، أو التي رُشّحت تفاصيلها عبر مصادر محيطة بالإدارة الأميركية. غير أن العامل المشترك بينها جميعًا يتمثل في غياب رؤية ناضجة حتى الآن تلبي المعايير التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتنسجم مع طبيعة تفكيره القائم على حسابات الربح والخسارة؛ فهو يريد حسمًا واضحًا، لكنه في الوقت ذاته يخشى التورط في حرب طويلة مفتوحة.
وفقًا لتقدير نشره الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تامير هيمان عبر القناة العبرية N12، فإن الولايات المتحدة تحشد عسكريًا مجموعتَي ضرب بحريتين، وهو حشد لا يكفي –وفق المقارنة التي يطرحها– لإسقاط النظام الإيراني، إذا ما قورن بست مجموعات ضرب جرى حشدها قبل عملية إسقاط نظام صدام حسين عام 2003. غير أن المواجهة مع إيران تبدو أكثر تعقيدًا بكثير مما كانت عليه الحال في العراق آنذاك.
إذا تمكنت طهران من امتصاص الصدمة الأولية وتجاوز أثر الضربة الأولى وحجمها، ونجحت في تطبيق مقاربات رفع الكلفة على الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن جميع الخيارات ستصبح أكثر تعقيدًا أمام مختلف الأطراف.
ويرجّح هيمان أن الخيار المفضل في هذا السياق قد يكون شنّ عملية واسعة لإضعاف النظام الإيراني بدل إسقاطه المباشر. ويشير إلى أن مثل هذه العملية قد تشمل استهدافات عالية الحساسية، من بينها احتمال تصفية المرشد الأعلى، إلى جانب ضرب بنى النظام ومؤسساته الأساسية: الحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، والمنظمات المعنية بضبط الاحتجاجات الداخلية. كما قد تشمل خيارًا آخر يتمثل في تدمير القدرات العسكرية، مع احتمال إسناد مهمة تفكيك منظومة الصواريخ الإيرانية إلى إسرائيل بالتوازي مع العملية الأميركية.
تسلّط هذه التقديرات الضوء على الأهمية الحاسمة للضربة الأولى التي قد تتجاوز استهداف إيران وحدها، لتشمل عمليات متزامنة تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران وحلفائها في الإقليم، ضمن عملية هجومية مركبة قد تتضمن شقًا استباقيًا يهدف إلى تحييد قدرة طهران على تفعيل تحالفاتها لتشتيت الهجوم الأميركي واستنزاف المصالح الأميركية. كما قد تستهدف هذه الضربة تحييد قدرة إيران على الضغط على مصالح حلفاء واشنطن في المنطقة، ولا سيما دول الخليج.
في المقابل، يرجّح الصحفي الإسرائيلي رونين برغمان في تقرير نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن الهدف البديل عن إسقاط النظام –حتى وإن أُعلن خلاف ذلك– يتمثل في توجيه ضربة نارية قاسية ومركّزة على مدى عدة أيام، تُلحق بالنظام الإيراني أكبر قدر ممكن من الضرر، ثم تدفعه إلى العودة إلى طاولة المفاوضات والقبول بتنازلات كان يرفضها سابقًا.
وتشير التقديرات التي أوردها الصحفي الإسرائيلي، إلى أن المقترحات التي قدّمتها إيران في جنيف، رغم ما تضمنته من تسويات ذات مغزى في الملف النووي، ومن دون مرونة تُذكر في ملف الصواريخ، لا تزال بعيدة عن الحد الأدنى الأميركي. ورغم أن هذا السيناريو يبدو أكثر واقعية، فإن التجربة مع إيران تُظهر أنها لا تتصرف دائمًا وفق ما يتوقعه خصومها.
في ضوء ذلك، يعود التركيز إلى القدرة الإيرانية على التعامل مع نتائج الضربة الأميركية الأولى، وطبيعة الاستجابة التي ستعتمدها. فإذا تمكنت طهران من امتصاص الصدمة الأولية وتجاوز أثر الضربة الأولى وحجمها، ونجحت في تطبيق مقاربات رفع الكلفة على الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن جميع الخيارات ستصبح أكثر تعقيدًا أمام مختلف الأطراف.
وقد تدخل المنطقة برمتها في أتون مواجهة ممتدة يصعب الخروج منها بانتصار واضح لأي طرف، وتتجاوز آثارها حدود ساحة القتال إلى إعادة تشكيل توازنات الإقليم برمّته. وكما أثبت التاريخ مرارًا، نادرًا ما تنتهي الحروب في الشرق الأوسط بالضربة الأولى، بل غالبًا ما تبدأ منها فقط.