شهدت مدينة عدن اليمنية خلال الساعات القليلة الماضية حالة من التوتر والفوضى الأمنية على خلفية التظاهرات التي دعت إليها بعض التيارات المحسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي، وذلك في أعقاب محاولات اقتحام بوابة قصر معاشيق الرئاسي، الذي احتضن مؤخرًا أول اجتماع للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا برئاسة شائع الزنداني يوم الخميس 19 فبراير/شباط الجاري.
وقد أسفرت المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن عن سقوط قتيل وإصابة نحو عشرين شخصًا، فيما تمكنت الأجهزة الأمنية من تفريق المتظاهرين وإبعادهم عن محيط القصر الرئاسي، كما أصدرت اللجنة الأمنية في عدن بيانًا حذّرت فيه من أي محاولات لزعزعة الأمن أو إثارة الفوضى، مؤكدة عزمها التعامل بحزم مع كل من يثبت تورطه في أعمال شغب أو تحريض أو اعتداء على مؤسسات الدولة والقوات الأمنية.
يأتي هذا التصعيد في ظل استمرار الجدل السياسي منذ قرار حل المجلس الانتقالي الجنوبي وتجميد نشاطاته في التاسع من يناير/كانون الثاني الماضي، حيث تتهم بعض الأطراف قوى خارجية -وفي مقدمتها الإمارات- بالوقوف وراء محاولات تأجيج التوتر في الجنوب اليمني ودعم توجهات انفصالية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني في البلاد.. فماذا يريد المجلس المنحل ومن يدعمه من وراء هذا التحرك؟
تحريض ممنهج.. ماذا يريد الانتقالي؟
يأتي اقتحام محيط القصر الرئاسي في سياق موجة تحريض واضحة قادتها تيارات موالية للمجلس الانتقالي الجنوبي، وقائده المقيم في الإمارات عيدروس الزبيدي، فخلال الأيام الثلاثة الماضية، صدرت بيانات ودعوات تحث أنصار “الجنوب” على الاحتشاد أمام قصر معاشيق رفضًا لوصول وزراء من المحافظات الشمالية، باعتبار ذلك -وفق خطابهم- تحديًا لإرادة الجنوبيين ولمطلب “تقرير المصير”، كما تضمن هذا الخطاب اتهامات بـ”الوصاية الأجنبية” في إشارة إلى السعودية.
لم يقتصر خطاب الانتقالي على التحريض الداخلي وتصعيد التوتر فحسب، بل اتجه أيضًا إلى تدويل القضية، عبر مطالبته بتدخل دولي لوقف ما وصفه بـ”القمع الممنهج” بحق أبناء المحافظات الجنوبية، داعيًا في بيان له إلى تشكيل لجنة تحقيق للنظر في ملابسات الحادثة وتحديد المسؤوليات.
بيان إدانة صادر عن هيئة الإعلام والثقافة في الأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبيhttps://t.co/3qdX9QGceO pic.twitter.com/BuBvNlvYk2
— المجلس الانتقالي الجنوبي (@STCSouthArabia) February 20, 2026
هذا التحريض الممنهج على التصعيد يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن الأهداف الكامنة وراء هذه الخطوات، والتي يأتي في مقدمتها سعي الانتقالي إلى توجيه رسالة مفادها أن حضوره الشعبي والعسكري لا يزال قائمًا، وأنه لم يرفع الراية البيضاء رغم الانتكاسات التي تعرض لها مؤخرًا، والتي تُوّجت بقرار حله وتجميد نشاطه.
ويعكس هذا التصعيد إصرار الانتقالي على الاستمرار في خوض معركة الصراع على الشرعية والنفوذ في الجنوب، فما جرى لا يمكن قراءته باعتباره احتجاجًا عابرًا بقدر ما يبدو أداة ضغط سياسي تهدف إلى فرض موقع داخل معادلة السلطة مستقبلًا، وتجنب الخروج من المشهد “خالي الوفاض”، بعد أن ظل لسنوات طرفًا مهيمنًا على أجزاء واسعة من مدن الجنوب بما تختزنه من ثروات وموارد.
إعادة إنتاج الفوضى
يرى متابعون أن ما تشهده عدن لا يمكن فصله عن مسار يُقرأ بوصفه محاولة ممنهجة لإعادة إنتاج الفوضى، بعد مرحلة من الهدوء النسبي بدأت خلالها مؤشرات التحسن تلامس حياة المواطنين بصورة ملموسة.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة “سبأ” عن مصدر مسؤول في رئاسة مجلس القيادة الرئاسي وصفه لما جرى بأنه تحركات تقودها “عناصر خارجة عن النظام والقانون”، عبر أعمال تحريض وحشد مسلح ومحاولات اعتداء على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن.
وفي موازاة ذلك، أصدر الانتقالي الجنوبي بيانًا يوم الجمعة أعلن فيه رفضه الاعتراف بشرعية الحكومة اليمنية المشكّلة حديثًا، واصفًا وجودها في عدن بأنها “سلطة أمر واقع” تفتقر -بحسب تعبيره- إلى الغطاء السياسي والشعبي، ومؤكدًا أنها “لا تمثل إرادة أبناء الجنوب”، كما لوّح بأن أي حضور رسمي للحكومة في عدن أو في المحافظات الجنوبية “لن يترتب عليه التزامات سياسية” من قبل ممثلي الجنوب.
وبحسب هذه القراءة، فإن الانتقالي كان يراهن على تعثر الحكومة المعترف بها في فرض الأمن والاستقرار وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، غير أن بوادر التحسن التي بدأت تتشكل دفعت -وفق تقديرات متابعين- نحو تحريك أدوات التصعيد بهدف إرباك المشهد وقلب المعادلات وإعادة الوضع إلى نقطة الصفر.
وفي تعليقه على تطورات المشهد جنوبًا، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن المحرمي على أن “أمن عدن واستقرارها أولوية لا نقبل فيها المساومة أو التهاون”، مؤكدًا، وهو النائب السابق للزبيدي، على عدم السماح بـ “أية محاولات لزعزعة السكينة العامة أو جرّ المدينة إلى الفوضى أو الصراعات العبثية”.
التحذير من دور مشبوه للإمارات
كانت الإمارات حاضرة في خلفية المشهد، وإن لم يرد ذكرها صراحة، وهو ما ألمح إليه مصدر داخل مجلس القيادة الرئاسي، حيث اتهم أطرافًا بالوقوف خلف توقيت هذا التصعيد، بما يثير تساؤلات جدية حول أدوار بعض القوى الإقليمية التي يُنظر إليها على أنها تسعى لإعادة إنتاج الفوضى وتعطيل مسار توحيد الصف الوطني في مواجهة مليشيات الحوثي.
وفي هذا الإطار، شددت الرئاسة اليمنية على أن الدولة لن تسمح بتحويل عدن والمحافظات الجنوبية إلى ساحة لتصفية “مشاريع إقليمية مشبوهة”، مؤكدة مضيّها -بدعم من السعودية- في حماية المواطنين وردع أي أنشطة تستهدف زعزعة الأمن أو عرقلة مسار استعادة مؤسسات الدولة.
ويرى مراقبون أن التنافس السعودي–الإماراتي في الملف اليمني لم يتوقف، حتى وإن تبدلت أشكاله من حضور عسكري مباشر إلى صراع نفوذ غير معلن تتقاطع فيه الحسابات السياسية والأمنية.
وضمن هذه القراءة، تُطرح اتهامات لأبوظبي بتغذية حالة الاضطراب جنوبًا عبر أدوات محلية، في حين يُنظر إلى عيدروس الزبيدي -المقيم في الإمارات- بوصفه أحد أبرز من يقودون خطاب التصعيد والتحشيد من خارج البلاد.
في ضوء ذلك فإن استمرار هذا النمط من الاشتباك الإقليمي، متعدد الأوجه، لا يرفع منسوب التوتر بين الرياض وأبوظبي فحسب، بل يهدد أيضًا بنقل المواجهة إلى ساحات أكثر حساسية، بما يجعل اليمنيين هم الطرف الذي يدفع الكلفة الأكبر من أمنه واستقراره، حين يصبح البلد ساحة مفتوحة لتقاطع أجندات تتلاعب بمصيره ومستقبله.
المعركة لم تنته بعد
تكشف المؤشرات التي أعقبت قرار حل الانتقالي الجنوبي وتجميد نشاطه أن المواجهة لم تُحسم بإجراءات الحل وحدها، وأن المشهد لا يزال مفتوحًا على جولات إضافية من الصراع، تُدار تارة تحت لافتة “حق تقرير مصير الجنوبيين”، وتارة أخرى عبر شعار “رفض الوصاية الأجنبية”، بما يعكس استمرار توظيف العناوين السياسية لتعبئة الشارع وتغذية مناخ التوتر.
وتذهب غالبية التقديرات إلى أن الغطاء الإماراتي عن المجلس الانتقالي لم يُرفع بصورة نهائية، رغم ما يبدو انسحابًا عسكريًا في الشكل من الجنوب، ومن ثم انتقلت المعركة إلى مسار مختلف، أقل صخبًا وأطول أمدًا، تُدار أدواته من خارج الحدود، وتقوم استراتيجيته على إنتاج الفوضى وإرباك المشهد وتشتيت الأولويات الوطنية.
ما تعرضت له أبوظبي مؤخرًا على أيدي الرياض، وما أعقب ذلك من حملات إعلامية وانتقادات وُجهت للإمارات، شكّل -في نظر مراقبين- صدمة غير متوقعة أربكت حساباتها وأفقدتها قدرًا من الاتزان، غير أن هذا الارتباك لا يعني بالضرورة ابتعادها عن الميدان بصورة كاملة، وهو ما توحي به التطورات الأخيرة وخطاب التحريض والتعبئة الذي تتبناه تيارات محسوبة على المجلس الانتقالي، تتلقى توجيهاتها من قياداته المقيمة في أبوظبي.
من هنا.. قد تمثل إزاحة المجلس الانتقالي الجنوبي واحتواء مشروعه الانفصالي خطوة مهمة على طريق الحفاظ على وحدة الدولة اليمنية، إلا أن تثبيت الاستقرار وفرض الأمن والانخراط في مسار التعافي لن يكون مسارًا سهلًا أو “مفروشًا بالورود”، في ظل تحديات متوقعة وتعقيدات مرشحة لأن تجعل المرحلة المقبلة أكثر صعوبة.