في ظل شرق أوسط يموج بالاضطرابات ويشهد إعادة رسم صامتة لخرائط النفوذ، تقف العلاقات المصرية الإيرانية على رقعة شطرنج جيوسياسية بالغة الدقة؛ حيث تتداخل التصريحات الدبلوماسية المتفائلة مع رسائل التهدئة الإقليمية المتحفظة.
ففي 19 فبراير/شباط، ألقى مجتبى فردوسي بور، رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في مصر، حجرًا ثقيلًا في بركة الدبلوماسية الهادئة، معلنًا عبر وكالة “تسنيم” اتخاذ قرار نهائي بتبادل السفراء بين طهران والقاهرة، بانتظار إعلان “ساعة الصفر” الرسمية.
وأكد المسؤول الإيراني أن الروابط بين الدولتين دخلت مرحلة متقدمة، متجاوزةً في عمقها علاقات طهران مع العديد من الدول، ومستندةً إلى إرث حضاري مشترك. غير أن القاهرة، المعتادة دائمًا على إدارة ملفاتها الخارجية بحذر بالغ، سارعت إلى ضبط إيقاع هذا الاندفاع الإعلامي.
إذ نفى مصدر مصري مطلع لوكالة أنباء الشرق الأوسط اتخاذ قرار رسمي فوري بهذا الشأن، واضعًا الاتصالات المكثفة بين العاصمتين في إطار الجهود الإقليمية المبذولة لخفض التصعيد وحدة التوتر مع الولايات المتحدة. فما أبرز محطات العلاقات بين الطرفين وما أسباب توترها سابقا؟
جذور العلاقات زمن الشاه
ترجع جذور الروابط بين البلدين إلى القرن العشرين، ففي عام 1939 تزوّج ولي العهد الإيراني محمد رضا بهلوي من الأميرة فوزية فؤاد، شقيقة الملك فاروق، في محاولة لربط العائلتين الملكيتين، إلا أن الزواج لم يدم طويلاً وتطلق الزوجان في عام 1948، لكن تلك الفترة شهدت تقارباً رسمياً ظل محدوداً.

خلال خمسينيات القرن الماضي، حاول رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق تعزيز التعاون، وصرّح في مؤتمر مشترك عام 1951 بأن اتحاد مصر وإيران سيُغلق أبواب الإمبريالية. ومع قيام حركة الضباط الأحرار في مصر عام 1952 وصعود جمال عبد الناصر، دخلت العلاقات مرحلة تنافس حاد.
وخاصة أنه قبلها بعامين وتحديدا في مارس/آذار عام 1950، اعترفت إيران بـ”إسرائيل” دون إعلان رسمي، في خطوة أثارت غضب القاهرة التي تبنّت فكرة القومية العربية وعدّتها دليلاً على ارتباط الشاه بالمحور الغربي.
بدوره كان الشاه يخشى نفوذ عبد الناصر وتدخّله في الشؤون الإيرانية، ودعم البثّ المضاد للزعيم المصري عبر محطة سرية في الأهواز، وأدى ذلك إلى قطع العلاقات في يوليو/تموز 1960 عندما هاجم ناصر الشاه واصفاً إياه بأنه عميل للإمبريالية والصهيونية، فردت طهران بوصفه “فرعوناً مختلاً”.
ثورة المرشد والتدهور الحاد
رغم عودة دفء محدود خلال عهد الرئيس الأسبق أنور السادات، الذي وصفه الشاه بأخيه العزيز، فإن الثورة الإيرانية عام 1979 قلبت المعادلة، إذ كانت العلاقات جيدة في سبعينيات القرن الماضي، لكن مرشد إيران وقتها الخميني قرّر قطع العلاقات في 1979 رداً على توقيع مصر معاهدة كامب ديفيد مع “إسرائيل”. وزاد التوتر عندما استقبل السادات الشاه المخلوع في القاهرة ومنحه اللجوء حتى وفاته ودفنه في مصر.

وتصاعد الموقف الإيراني أيضاً بعد إعدام خالد الإسلامبولي، الضابط المصري الذي اغتال السادات في 1981، إذ أطلقت طهران اسمه على شارع في العاصمة، ما اعتبرته القاهرة إهانة بالغة.
وبلغ الخلاف ذروته خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) حين دعمت مصر الرئيس العراقي صدام حسين؛ ما عمّق العداء وأبقاه عقدين.
محاولات الانفراج منذ التسعينيات
على الرغم من التوتر المزمن، شهدت التسعينيات محاولات خجولة لاستئناف الحوار؛ إذ توصّل البلدان إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية على مستوى القائم بالأعمال، لكنهما لم يبادلا السفراء.
في 2003، التقى الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك نظيره الإيراني وقتها محمد خاتمي في جنيف، في أول لقاء رئاسي منذ عقدين. وبعد عام، رضخ البرلمان الإيراني لمطلب القاهرة وأعاد تسمية شارع خالد الإسلامبولي إلى “شارع الانتفاضة” تمهيداً لتحسين العلاقات.
عام 2010 وافقت مصر وإيران على استئناف الرحلات الجوية بعد انقطاع دام ثلاثين عاماً، لكن وزارة الخارجية المصرية سارعت لتوضيح أن ذلك لا يعني استئناف العلاقات السياسية وأن القاهرة لا تزال منزعجة من تمجيد طهران لقاتل السادات.
بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، بدا أن هناك نافذة للتقارب، إذ أعلن وزير الخارجية المصري حينها نبيل العربي أن إيران ليست دولة عدوة وأبدى استعداد بلاده لفتح صفحة جديدة.
في أغسطس/آب 2012، زار الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي طهران لحضور قمة حركة عدم الانحياز، في أول زيارة لرئيس مصري لإيران منذ الثورة.

وردَّ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الزيارة في فبراير/شباط 2013 حيث حضر قمة منظمة التعاون الإسلامي في القاهرة؛ لكنه تعرض لانتقادات من شيخ الأزهر بسبب الدور الإيراني في سوريا وقتل أهل السنّة.
وتجمد التقارب مع الانقلاب العسكري على مرسي وعودة الجيش في مصر عام 2013، وعادت العلاقات إلى مستوى التمثيل الأدنى.
انفراج بطيء في العقد الأخير
منذ 2021 بدأت بوادر جديدة للتقارب. ففي يوليو/تموز من ذلك العام، زار وفد استخباراتي إيراني القاهرة للتحاور مع جهاز المخابرات العامة المصري، وتبعته لقاءات أمنية في مسقط وبغداد بوساطة عُمانية وعراقية.
وعقد رئيس النظام الحالي عبد الفتاح السيسي لقاءً مع الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي على هامش قمة الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وهو أول لقاء رئاسي منذ عقد.
كما رحّب المرشد الأعلى علي خامنئي في مايو/أيار 2023 بتحسين العلاقات مع مصر وذلك خلال لقاء مع سلطان عمان هيثم بن طارق، ما منح الضوء الأخضر للمفاوضات.
دفع اتفاق استئناف العلاقات بين إيران والسعودية بوساطة صينية في مارس/آذار 2023 القاهرة إلى مراجعة حساباتها، إذ ترى مصر أن تقارب طهران مع الرياض قد يخلق توازناً إقليمياً جديداً ويخفف التوترات في غزة واليمن.
وكشف مسؤولون إيرانيون عام 2024 عن محادثات في بغداد لإعادة فتح السفارات، فيما اعتبر المتحدث السابق باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني استعادة العلاقات مع مصر أولوية.

وزار الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان، مصر نهاية العام 2024، في أول زيارة لرئيس إيراني منذ أكثر من عقد، فيما التقيا عدة مرات سابقا ولاحقا بمناسبات مختلفة.
وتأتي التصريحات الأخيرة بشأن تبادل السفراء وإن كانت لا تحمل إعلانًا رسميًا لتكشف عن تقدم كبير في الحوار، خصوصاً بعد تشكيل لجنة تشاور سياسي مشتركة وبحث قضايا مثل تبادل السجناء وتوقيع مذكرات قضائية.
وتدفع الظروف الاقتصادية الصعبة في مصر إلى البحث عن شركاء جدد للاستثمار والتجارة، وهو ما توفِّره إيران في مجالات النفط والصناعات التحويلية. من جانبها تحتاج طهران إلى اختراق عزلتها الدولية وتوسيع علاقاتها العربية للاستفادة من السوق المصري وتخفيف الضغوط الأمريكية والغربية.
هذه المصالح المشتركة قد تُفضي إلى تجاوز الخلافات إذا رعت القوى الإقليمية عملية الوساطة وعالجت الهواجس الأمنية وخاصة حال حدوث اتفاق بين واشنطن وطهران بشأن الملف النووي.