تداول ناشطون مقطعاً مصوراً يُظهر أحد المرتزقة المنتمين لمليشيا الجنجويد من أبناء المحاميد وهو يعلن عودته إلى بادية مستريحة لحماية أسرته ومجتمعه، داعياً أبناء قبيلته إلى الانسلاخ من المليشيا والتوجه إلى المنطقة.
ويأتي ذلك عقب محاولة مليشيا الدعم السريع اغتيال الشيخ موسى هلال، زعيم… pic.twitter.com/aZLAA1B01Y— Sudan News 🇸🇩 (@Sudan_tweet) February 22, 2026
تاريخ قديم من الصراع
أنهى الدعم السريع وهلال خلافاتهما قبل اندلاع الحرب، لكن سرعان ما تجددت بعد إعلان الأخير، في 22 أبريل/نيسان 2024، وقوفه إلى جانب مؤسسات الدولة وخلف الجيش ضد المليشيا، حيث ظل ثابتًا على موقفه دون أن يشارك بصورة فعلية في معارك دارفور.
سطع نجم هلال، الذي يتزعم قبيلة المحاميد، إحدى عشائر الرزيقات التي ينحدر منها معظم قادة ومقاتلي المليشيا، عندما قاد مليشيات الجنجويد التي شاركت في حملة قمع شنها نظام الرئيس المعزول عمر البشير على حركات دارفور.
ميليشيا الدعم السريع تحوّل النزوح في دارفور من مأساة إنسانية إلى أداة لتغيير ديمغرافي منظم.. كيف يحصل ذلك؟ pic.twitter.com/FiceaV70Lm
— نون بوست (@NoonPost) December 31, 2025
تطورت مليشيات الجنجويد إلى قوات حرس الحدود، ووقف على رأسها موسى هلال، الذي عُيّن مستشارًا في ديوان الحكم الاتحادي وانتُخب نائبًا في البرلمان بترشيح من نظام البشير، لكن الخلافات دبّت بينهما، حيث انعزل هلال في بادية مستريحة.
وفي تلك الأثناء، عمد نظام البشير إلى تشكيل الدعم السريع، مع منحها شرعية قانونية وإعطاء قائدها نفوذًا واسعًا خاصة في دارفور، فيما بدأ موسى هلال يعارض خطة حكومية لجمع السلاح من أيدي المدنيين ودمج قوات حرس الحدود في الدعم السريع.
وصلت الخلافات بين هلال والدعم السريع آنذاك إلى طريق مسدود، حيث شنت الأخيرة هجومًا على معقل الأول أثناء تلقيه العزاء في وفاة والدته في 28 يونيو/حزيران 2017، واعتُقل مع ثلاثة من أبنائه والعشرات من مساعديه وأنصاره، ليستولي حميدتي على ذهب جبل عامر، فيما فر المئات من مناصري هلال إلى ليبيا هربًا من الملاحقة.
وخضع هلال لمحاكمة عسكرية دون أن تصدر بحقه أحكام، إلى أن أُفرج عنه في 11 مارس/آذار 2021، بتدخل من حميدتي الذي كان حينذاك نائبًا لرئيس مجلس السيادة، حيث اتفقا على تبادل العداء، وظل زعيم قبيلة المحاميد متواجدًا في العاصمة الخرطوم، ليعود بعد اندلاع الحرب إلى بادية مستريحة مستعيدًا نفوذه القديم بالتفاف الآلاف من أنصاره حوله.
أبناء المحاميد يعلنون بدء الانسحاب من صفوف قوات الدعم السريع بعد استهداف الميليشيا منطقة مستريحة ومحاولة اغتيال الشيخ موسى هلال#العنوان24 pic.twitter.com/9crKAOC3hu
— العنوان24 (@aleunwan24) February 22, 2026
وبعد إعلان موسى هلال تأييده للجيش عاد التوتر مع الدعم السريع دون أن يصل إلى مرحلة العداء، إلا بعد مقتل مستشار الدعم السريع حامد علي أبوبكر مطلع هذا العام بطائرة مسيّرة في ولاية وسط دارفور، وهو الشخص الذي كانت تعدّه المليشيا لتنصيبه زعيمًا للمحاميد.
نفى الرجل اتهامات الدعم السريع بتورطه في مقتل أبو بكر، كما أكدت لجنة أهلية براءته، لكن محاولات قائد ثاني المليشيا عبد الرحيم دقلو استمرت في تقويض سلطة هلال الأهلية، مما أدى إلى انسحاب قادة بارزين.
ضربة قاصمة
انسحاب قادة مثل النور القبة، الذي شارك في معارك الفاشر، وعلي رزق الله “السافنا”، الذي قاد الدعم السريع للسيطرة على مناطق في شمال دارفور ومدينة النهود بغرب كردفان، ومقاتلين آخرين إلى بادية مستريحة، لن يكون انشقاقًا عابرًا، لأن الانسحاب العلني يعني تآكل احتكار قائد الدعم السريع وأشقائه والمقربين منه لشرعية تمثيل المكون القبلي الذي تأسست عليه وتتغذى منه المليشيا، إضافة إلى إمكانية تحول الصراع إلى نزاع متعدد داخل البنية الاجتماعية للدعم السريع في ظل حشد مقاتلين للهجوم على مستريحة.
وقبل ذلك، انشق قادة ومقاتلون في منطقة كردفان الكبرى التي تضم ثلاث ولايات تربط وسط وشمال السودان بإقليم دارفور، وانضموا إلى الجيش، حيث يتجاوز هذا الانقسام البعد القبلي إلى السيطرة الميدانية، رغم أنهم ينحدرون من المسيرية التي تعد ثاني أكبر قبيلة في الدعم السريع من حيث عدد المقاتلين.
والانقسام الذي حدث في كردفان، وهو الثاني من نوعه داخل البنية الاجتماعية للمليشيا بعد انسحاب قادة من المحاميد والانضمام إلى موسى هلال، ليس بعيدًا عن تواجد قادة أهليين من المسيرية في بورتسودان، التي لا تزال مركزًا حيويًا لقيادة عمليات الجيش رغم استئناف مؤسسات الدولة أعمالها من العاصمة الخرطوم.
وإن كان تواجد القادة الأهليين في بورتسودان يعني انقسامًا داخل المسيرية بين تأييد الجيش والمليشيا، إلا أن انشقاق قادة ميدانيين ومقاتلين يمثل ضربة قاضية، حيث إنهم يعرفون الطبيعة الجغرافية وخطوط الإمداد.
وحدث الانقسامان اللذان يُحتمل أن يتصاعدا في الفترة المقبلة، بعد شكاوى وسط المقاتلين من التمييز الأهلي وعدم تلقي الرواتب وإهمال علاج الجرحى وعدم التكفل بأسر القتلى، وهو ما وضع المليشيا وقادتها أمام أزمة شرعية داخلية تزيد خطورتها على التماسك أكثر من الضربات العسكرية.
غضب قادة ميدانيين بـ “الدعم السريع” من التهميش وسوء المعاملة.. انشقاق يضرب صفوف قواتها وبعض عناصرها ينضمون للجيش السوداني في شمال كردفان pic.twitter.com/YA4TDyWfyy
— ا لـحـدث (@AlHadath) February 17, 2026
التأثير على الوضع العملياتي
ظهر التصدع في صفوف المليشيا سريعًا، حيث تآكلت قدرتها على الحشد عبر طريقة “الفزع” في جنوب كردفان، بينما نجح الجيش في الوصول إلى كادوقلي والدلنج بعد عامين من الحصار دون معارك برية كبيرة.
وفشلت حملة المليشيا في إعادة حصار مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان رغم المحاولات المتكررة، كما تعثرت في الهجوم على النيل الأزرق رغم الإمداد الواسع الذي وصل إليها من الإمارات عبر إثيوبيا.
معسكر سري، آلاف المقاتلين، وتمويل إقليمي…
تحقيق لرويترز يكشف تورّطًا جديدًا قد يوسّع رقعة الحرب في #السودان ويحوّلها إلى صراع عابر للحدود.🔴 التفاصيل في هذا التقرير المترجم من #نون_بوست عن معسكر تدريب قوات الدعم السريع في #إثيوبياhttps://t.co/jPzfhcMQIE#السودان…
— نون بوست (@NoonPost) February 10, 2026
ومع ذلك، فإن تأثير هذه الانقسامات سيظهر بوضوح خلال الأشهر المقبلة، إذ إنها تُضعف الروح المعنوية في صفوف المقاتلين، وتُقوِّض فعالية استراتيجية الدعم السريع القائمة على الانتشار الواسع بأقل عدد من العناصر، اعتمادًا على شبكات الإمداد القبلي والولاءات المحلية.
ويُرجَّح أن يؤدي تصدّع هذه الشبكات إلى انتقال السيطرة من قبضة محكمة إلى حضور هش، ومن قوة متماسكة إلى تحالف فضفاض يفقد القدرة على توظيف مزاياه السابقة، وفي مقدمتها الحشد السريع والمرونة في المناورة.
كما تكشف الانقسامات عن أزمة قيادة غير قادرة على صون مصالح الكيانات القبلية التي شكّلت ركيزة التعبئة والحشد، ما يدفع هذه المكونات إلى البحث عن بدائل تحفظ نفوذها ومصالحها. وعليه، قد تمثل هذه التطورات بداية مرحلة إعادة تشكيل ميزان القوى لصالح الجيش.
ويمكن القول إن ما يجري داخل الدعم السريع يُعدّ تحولًا بنيويًا في مسار الحرب، لأنه يمس الأسس التي قامت عليها المليشيا، بما تشمله من الولاء القبلي، والقدرة على الحشد، والقيادة المركزية.
وتُظهر تجارب الحروب في السودان أن هزيمة القوى المتمردة نادرًا ما تتحقق في معركة فاصلة، بل تنجم غالبًا عن تآكل تماسكها الداخلي وتراجع ثقة حلفائها بها، حين تتحول من حليف إلى عبء يستنزف الموارد البشرية والمادية، فيصبح الابتعاد عنها خيارًا حتميًا.
وخلاصة القول إن هذه الانقسامات، إذا استمرت في الاتساع، قد تُحوِّل المليشيا من كيان موحَّد إلى مجموعات متفرقة من الفصائل المسلحة، يسعى كل منها إلى حماية مصالحه الخاصة وبناء تحالفاته المنفصلة؛ وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا ما لم تطرأ معطيات استثنائية تغيّر مسار الأحداث.
