في ظل دفع الولايات المتحدة بالأساطيل البحرية الضخمة إلى الشرق الأوسط، وعلى رأسها حاملتا الطائرات “أبراهام لينكولن” و”جيرالد فورد”، تكشف تسريبات استخباراتية وتقارير غربية عن سعي طهران حثيث لتغيير ميزان القوى الإقليمي.
فلم تعد طهران تعتمد كليًا على ترسانتها المحلية التي تضررت بشدة إبان “حرب الـ 12 يومًا” في يونيو/حزيران 2025، بل تحولت نحو استيراد منظومات استراتيجية كاسرة للتوازن من قوى مناهضة للغرب، وذلك في ظل التوترات والتلويحات الأمريكية بالحرب.
يسلط هذا التقرير الضوء على طبيعة هذه الصفقات الخارجية المحتملة، وحجم الاعتماد الإيراني الفعلي على الاستيراد، وتداعيات ذلك على قواعد الاشتباك المعاصرة.
أسلحة ومنظومات تسعى إيران لاستيرادها
صواريخ CM-302 الصينية
في خطوة تمثل تحولًا جذريًا في قدرات الردع البحري، أفادت تقارير حديثة باقتراب طهران من إبرام صفقة تسليح ضخمة مع بكين للحصول على صواريخ الكروز المضادة للسفن من طراز “CM-302” الأسرع من الصوت.
بدأت المفاوضات بين الجانبين منذ نحو عامين، لكنها اكتسبت زخمًا وتسارعًا حادًا في أعقاب المواجهة المباشرة مع “إسرائيل” والولايات المتحدة الصيف الماضي، بحسب رويترز.
وقد دخلت المحادثات مراحلها النهائية إثر زيارة غير معلنة أجراها نائب وزير الدفاع الإيراني، مسعود أورعي، إلى العاصمة الصينية، حيث وُضعت اللمسات الأخيرة على الصفقة التي تتحدى حظر الأسلحة الأممي المفروض على طهران.

تكمن الخطورة الإستراتيجية لصاروخ “CM-302” (وهو النسخة التصديرية من الصاروخ الصيني YJ-12) في خصائصه التقنية التي تجعله كابوسًا للمنظومات الدفاعية البحرية.
- يبلغ المدى العملياتي للصاروخ نحو 290 كيلومترًا
- مزود برأس حربي يزن نحو 250 كيلوغرامًا
- يعتمد على محرك نفاث يمنحه سرعة تفوق سرعة الصوت تتراوح بين 2 و 4 ماخ طوال مسار رحلته
- يعتمد الصاروخ على تكتيك التحليق المنخفض الملاصق لسطح البحر لتفادي الرادارات
- ينفذ مناورات حلزونية معقدة في المرحلة النهائية من الهجوم، مما يقلص نافذة الاستجابة لدى السفن المستهدفة إلى ثوانٍ معدودة
يُجمع الخبراء العسكريون أن دمج هذه الصواريخ المستوردة في الترسانة الإيرانية يشكل تهديدًا استراتيجيًا للقوات الأمريكية، ويغير قواعد اللعبة تمامًا.
وقد أكد الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، داني سيترينوفيتش، أن حصول إيران على قدرات هجومية بحرية أسرع من الصوت سيعقد بشكل خطير عمليات البحرية الأمريكية في مياه الخليج ومضيق هرمز.
تبرز الصعوبة البالغة في اعتراض هذه المقذوفات، خاصة إذا أطلقت على شكل أسراب لإشباع وإرباك أنظمة الدفاع الجوي المحمولة بحرًا الخاصة بحاملات الطائرات والمدمرات الأمريكية.
2- الجدار الدفاعي الروسي
لم يقتصر التحرك الإيراني على الهجوم البحري، بل امتد لترميم شبكة الدفاع الجوي التي تعرضت لاختراقات واسعة. فقد كشفت وثائق روسية مسربة نقلتها صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية عن إبرام اتفاقية سرية في موسكو خلال ديسمبر/كانون الأول 2025 بقيمة 495 مليون يورو.
تتضمن الاتفاقية توريد 500 وحدة إطلاق محمولة على الكتف من طراز “Verba”، و2500 صاروخ من طراز “9M336” (بتكلفة 170 ألف يورو للصاروخ الواحد)، بالإضافة إلى 500 منظار للرؤية الليلية من طراز “Mowgli-2” مخصصة لتتبع الأهداف في الظلام.
تقدمت طهران بطلب رسمي للحصول على هذه الأنظمة في يوليو/تموز 2025، بعد أيام قليلة فقط من انتهاء حرب الـ 12 يومًا التي شهدت قصفًا أمريكيًا وإسرائيليًا للمنشآت النووية الإيرانية.

تتميز منظومة “فيربا” بكونها من أحدث أنظمة الدفاع الجوي الروسية المحمولة على الكتف، بالإضافة إلى أنها:
- تعمل بتوجيه أشعة تحت الحمراء ثلاثية الأطياف، مما يمنحها قدرة فائقة على التمييز بين الأهداف الحقيقية والبالونات الحرارية الخداعية.
- تعد فعالة ضد الطائرات بدون طيار وصواريخ كروز على ارتفاعات تصل نحو 4.5 كيلومترات ومدى نحو 6 كم.
- توفر مرونة عالية للمجموعات القتالية الصغيرة لإنشاء دفاعات جوية مشتتة وسريعة الانتشار لا تعتمد على رادارات ثابتة يسهل استهدافها.
حصول إيران على هذه المنظومات سيزيد قدرتها على نشر دفاعات جوية متنقلة وصعبة الرصد، ما يحد من تأثير الغارات الإسرائيلية أو الأمريكية.
هندَس هذه الصفقة ممثل وزارة الدفاع الإيرانية في موسكو، روح الله كاتبي، بالتنسيق مع وكالة “روسوبورون إكسبورت” الروسية.
وتفيد بيانات تتبع رحلات الطيران بوجود جسر جوي نشط لطائرات الشحن الروسية من طراز “Il-76TD” بين مدينة مينيرالني فودي الروسية ومدينة كرج الإيرانية، مما يرجح تسليم دفعات مبكرة من المنظومة فعليًا.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استلام إيران لما يصل إلى ست مروحيات هجومية روسية مستوردة من طراز “Mi-28” في يناير/كانون الثاني 2026.
كما جرى التوصل إلى صفقة لشراء طائرات مقاتلة من طراز سوخوي-35 روسية الصنع، وفق ما نقلته شبكة أخبار الطلاب الإيرانية عن المسؤول في الحرس الثوري علي شادماني. ولم يوضح الأخير عدد الطائرات المقاتلة التي جرى شراؤها، ولا ما إذا كانت قد سُلمت بالفعل إلى إيران.
3- مواد دافعة من الصين وكوريا الشمالية
لم يقتصر اهتمام طهران على صواريخ بكين المضادة للسفن، فقد كشفت فايننشال تايمز أن سفينتين إيرانيتين نقلتا في يناير/كانون الثاني 2025 أكثر من ألف طن من بركلورات الصوديوم من الصين، وهي مادة تُستخدم لصنع بركلورات الأمونيوم، المكون الأساسي لوقود الصواريخ.
قالت الصحيفة إن هذه الكمية تكفي لإنتاج وقود لنحو 260 صاروخًا متوسط المدى. من جهة أخرى، أورد مركز هدسون للأبحاث أن الصين باعت إيران أيضًا طنًّا من هذه المادة في فبراير/شباط 2025.
وأوضح أن الدعم الصيني يشمل تزويد طهران بمكونات إرشاد وشرائح إلكترونية وصور أقمار اصطناعية، مما يساعد إيران ووكلاءها مثل الحوثيين على تطوير صواريخ أكثر دقة وقدرات “منع الوصول” في الخليج.
ويشير تقرير لموقع “إيران إنترناشيونال” إلى أن شحنات المواد الدافعة تمت مقابل ديون نفطية لدى الصين، وهي نفس الآلية التي تقترحها التقارير لتسديد صفقة صواريخ CM‑302 عبر شحنات نفط.
وتحدثت تقارير إعلامية عن اهتمام إيراني بمنظومات دفاع صينية مثل HQ‑22 أو HQ‑9 للدفاع الجوي، لكن لم تظهر تأكيدات على توقيع عقود.
وتلفت تقييمات استخباراتية أخرى إلى أن طهران تعتمد على محركات الوقود السائل الكورية الشمالية، وتحديدًا محرك “RD-250” القادر على توليد قوة دفع تبلغ 80 طنًا، والذي يشغل صواريخ “هواسونغ-15” العابرة للقارات.
دمج هذه المحركات المستوردة ضمن برنامج الفضاء الإيراني يوفر لطهران طريقًا مختصرًا لامتلاك صواريخ باليستية عابرة للقارات (ICBM) تتجاوز مداياتها 8000 كيلومتر.
وفي خطاب “حالة الاتحاد” الذي ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 24 فبراير/شباط 2026، وضع قدرات إيران الصاروخية في صدارة التحذيرات الأمنية.
وادعى ترامب أن إيران طورت بالفعل صواريخ قادرة على تهديد أوروبا والقواعد الأمريكية في الخارج، محذرًا من أنها تعمل حاليًا على بناء صواريخ ستصل قريبًا جدًا إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة.

ما حجم الاكتفاء الذاتي؟
لطالما روجت القيادة الإيرانية لنجاحها في تحقيق الاكتفاء الذاتي العسكري، إلا أن القراءة التحليلية لواقع ما بعد حرب 2025 تكشف عن اتجاهها نحو استيراد منظومات متطورة من الخارج.
إذ تندرج الصناعة العسكرية الإيرانية تحت تصنيف “المورد المتخصص” (Niche Supplier)، الذي يجيد تجميع الهياكل النهائية، لكنه يعاني من بعض التبعية للخارج في استيراد المكونات الإلكترونية الدقيقة، ومحركات الدفع، والمواد الكيميائية المعقدة.
ولكن رغم حجم الضجيج حول الصفقات الأخيرة، تظل واردات إيران من الأسلحة منخفضة جدًا مقارنة بجيرانها، ويستمر الإنتاج المحلي في تلبية معظم الاحتياجات.
يعتمد الحرس الثوري الإيراني على صناعات محلية لصناعة صواريخ باليستية (حاج قاسم، خيبر شكن)، وصواريخ كروز بحرية، وطائرات بدون طيار.
ويشير معهد ستوكهولم إلى أن العقوبات أجبرت إيران على تطوير صناعتها الدفاعية، ما جعلها أقل اعتمادًا على الاستيراد باستثناء بعض الأنظمة المعقدة.
مع ذلك، فإن الصفقات مع الصين وروسيا تمثل “قفزات تكنولوجية” لا تستطيع الصناعة الإيرانية الوصول إليها سريعًا.
إذ تمنح صواريخ CM‑302 قدرة بحرية هجومية لا توفرها النماذج المحلية، ومنظومات فيربا تغطي فجوة في الدفاع الجوي ضد الصواريخ كروز والطائرات بدون طيار، كما أن مقاتلات سو‑35 تسد النقص في أسطول إيران القديم.
ويضيف التعاون مع الصين وروسيا طبقة سياسية واقتصادية، حيث تُستخدم النفط أو العملات المحلية كوسيلة دفع لتفادي العقوبات، ما يفتح قنوات تكنولوجية جديدة لإيران