منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، عادت الحدود المصرية مع الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى صدارة المشهد الأمني والسياسي. فهذه الحدود تمثل الرابط الجغرافي الوحيد بين قطاع غزة والعالم الخارجي عبر الأراضي المصرية، وتحديدًا في نطاق محور صلاح الدين الحدودي، المعروف إسرائيليًا بمحور فيلادلفي.
لطالما اعتبر الاحتلال الإسرائيلي هذا المحور بوابة مركزية لتهريب السلاح إلى قطاع غزة، وكرّس سرديته الأمنية حوله لسنوات، متنقلًا بين الحديث عن الأنفاق الأرضية، وعمليات التهريب عبر الشاحنات التجارية، واختراق الحدود البرية، بل وحتى عبر المسار البحري.
غير أن مجريات الحرب أظهرت أن السلاح الأساسي الذي اعتمدت عليه المقاومة – كما وثّقته مشاهد الاشتباك الميداني – كان في معظمه محليّ الصنع، ما أضعف وجاهة تلك الرواية، دون أن يدفع الاحتلال للتخلي عنها.
لكن التطورات اللاحقة كشفت واقعًا مختلفًا بوجود تهريب قائم بالفعل، وإن كان من طبيعة أخرى، وبأدوات مغايرة، ولأهداف لا تتصل بالضرورة بالسردية التقليدية حول تسليح المقاومة، فخلال الأشهر الماضية، تكررت عمليات رصد وضبط – وأحيانًا إحباط – لعمليات تهريب متنوعة عبر الحدود بين إسرائيل وشبه جزيرة سيناء.
بدأت هذه العمليات بأشكال برية تقليدية، قبل أن تتطور إلى نمط أكثر تعقيدًا تمثل في التهريب عبر الطائرات المسيّرة، بمعدل عشرات المحاولات شهريًا، في ظاهرة آخذة في الاتساع، وفق تقديرات دوائر أمنية إسرائيلية وسكان المستوطنات المحاذية للحدود.
في اللحظة الراهنة، يبدو البعد الجنائي هو الأكثر حضورًا، إذ تنشط على هذا الخط شبكات تهريب مرتبطة بعصابات وتشكيلات إجرامية داخل المجتمع الإسرائيلي. غير أن خطورة الظاهرة لا تنحصر في بعدها الإجرامي؛ فالثغرة الأمنية التي تكشفها تحمل في طياتها سيناريوهات أكثر تعقيدًا.
شبكات عابرة للحدود: إرث تهريب متجذر قبل المسيّرات
في مساء الإثنين 16 يناير/كانون الثاني 2024، تحركت مجموعة مسلحة في شمال شرقي شبه جزيرة سيناء، تحمل نحو 174 كيلوغرامًا من المواد المخدرة باتجاه الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديدًا نحو معبر العوجة، المعروف إسرائيليًا باسم “نتسانا”، على بُعد قرابة 40 كيلومترًا من معبر رفح.
لم تكن الحادثة استثنائية بقدر ما أعادت تسليط الضوء على تاريخ طويل من شبكات التهريب المنظمة التي تنشط على هذا الخط الحدودي بين سيناء والأراضي المحتلة، ففي فبراير/شباط 2023، أي قبل أشهر من اندلاع الحرب، أعلن الجيش الإسرائيلي إحباط محاولة تهريب مخدرات تُقدّر قيمتها بنحو 13 مليون دولار قادمة من مصر، وضبط سيارة قرب الحدود يقودها بدوي يحمل الجنسية الإسرائيلية، وعلى متنها 120 كيلوغرامًا من الحشيش والهيروين والكوكايين.
وتشير بيانات الجيش الإسرائيلي إلى أن ذروة تهريب المخدرات عبر الحدود مع مصر سُجلت عام 2019، حين أُحصيت 726 عملية تهريب. ثم تراجعت الأرقام خلال عامي 2020 و2021، قبل أن تعاود الارتفاع مجددًا في 2022 إلى نحو 575 عملية خلال عام واحد، ما يعكس قدرة الشبكات على التكيّف مع الإجراءات الأمنية المتغيرة.

وعلى الرغم من إقامة الاحتلال جدارًا حدوديًا فولاذيًا بطول يقارب 246 كيلومترًا يشمل كاميرات مراقبة ورادارات وكواشف حركة، واكتمل بناؤه في ديسمبر/كانون الأول 2013 ويمتد من مثلث الحدود شمالًا قرب قطاع غزة، وصولًا إلى إيلات جنوبًا، فإن هذه الشبكات لم تتوقف.
وحتى مع هذا التحصين التكنولوجي، بقيت الحدود مسرحًا لنشاط تهريب نشط، ويُرجع مراقبون ذلك إلى عوامل اقتصادية وأمنية معقدة؛ إذ يفضّل تجار المخدرات في سيناء السوق الإسرائيلي، الذي يُعد من وجهة نظرهم “أكثر أمانًا” مقارنة بإدخال الشحنات إلى العمق المصري، حيث يتطلب الأمر عبور عدد كبير من نقاط التفتيش، خصوصًا قبل وبعد قناة السويس.
في المقابل، يكفي إيجاد ثغرة على امتداد السياج الحدودي البالغ نحو 245 كيلومترًا، مستفيدين من شبكة علاقات تاريخية متجذرة بين مهربي سيناء ونظرائهم داخل إسرائيل، ما يضمن استمرار خط تجارة فعّال وقابل لإعادة الإنتاج.
من البر إلى الجو: المسيّرات كأداة التكيّف الجديدة لشبكات التهريب
أفرزت حرب الإبادة على قطاع غزة واقعًا أمنيًا جديدًا على الحدود المصرية مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، تمثل في تركيز إسرائيلي مضاعف على هذا الشريط الحدودي، وتشديد إجراءات المراقبة والانتشار.
هذا التحول فرض بدوره نمطًا مختلفًا من التكيّف لدى شبكات التهريب الناشطة تاريخيًا في المنطقة، والتي يتكوّن عمودها الفقري أساسًا من أبناء القبائل البدوية المنتشرة على جانبي الحدود، والضالعة في أنشطة التهريب منذ عقود.
في هذا السياق، برزت الطائرات المسيّرة كأداة تهريب أكثر نجاعة في التعامل مع الواقع الجديد، مع الإشارة إلى أن استخدام المسيّرات لم يبدأ مع اندلاع الحرب؛ إذ سبق الإعلان عن إحباط حالات محدودة قبل ذلك، غير أن الطرق البرية ظلت مفضّلة لدى المهربين نظرًا لانخفاض تكلفتها وقدرتها على نقل كميات أكبر. لكن تشديد الرقابة بعد الحرب دفع الشبكات إلى تسريع الانتقال نحو المسار الجوي بوصفه البديل الأكثر مرونة وأقل عرضة للاعتراض.
ومع تصاعد الحالات المرصودة، بدأت تتكشف ملامح ظاهرة آخذة في الاتساع، حيث تشير تقديرات إسرائيلية إلى عبور مئات الطائرات المسيّرة الحدود خلال أشهر قليلة، خصوصًا فوق نطاق المجلس الإقليمي “رمات هنيغف”، الذي يمتد على مساحات واسعة بمحاذاة الحدود المصرية جنوب الأراضي المحتلة.
ونقل موقع “واينت” العبري شهادات لمستوطنين في المنطقة تعكس حجم الظاهرة، إذ يقول أحدهم: “تمر عشرات المسيّرات يوميًا. لم تعد الأعداد تفاجئنا. بالنسبة للمهرّبين هذا مسار مفتوح وناجح. أحيانًا تسقط مسيّرة بسبب خلل أو يتم إسقاطها، لكنهم يواصلون العمل. الأمر أشبه بخدمة توصيل؛ يمكن تهريب كل شيء تقريبًا: أسلحة، ذخيرة، بطاريات، وحتى مواد غذائية. يرسلون المسيّرة وتعود، ويمكن استخدامها مرارًا. إنهم يتصرفون في الأجواء وكأنها ملكهم، وهذا مخيف للغاية”.
وتشير روايات متقاطعة في الإعلام العبري إلى أن آلية التهريب تتم غالبًا عبر اقتراب المهربين من السياج الحدودي بمركبات تحمل مسيّرات يتم تشغيلها عن بُعد، ثم إطلاقها من مسافة آمنة باتجاه الجانب الآخر، حيث تُحمَّل بالمخدرات أو الأسلحة وتُعاد إلى نقطة الانطلاق داخل الأراضي المحتلة. وفي بعض الليالي، تنفذ المسيّرة الواحدة عدة رحلات ذهابًا وإيابًا، ويُحتسب كل مسار عملية تهريب مستقلة.
وعند الهبوط، يتولى المهربون داخل الأراضي المحتلة استلام المسيّرة وإخفاءها سريعًا داخل مركباتهم، قبل نقل الشحنة إلى شبكات إجرامية أو مشترين ينتظرونها مسبقًا، وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن قيمة بعض الشحنات قد تصل إلى نصف مليون شيكل في العملية الواحدة.
في المقابل، نقلت صحيفة “هآرتس” عن ضباط في جيش الاحتلال رواية مختلفة جزئيًا لمسار التهريب، مفادها أن بعض المسيّرات تُطلق من عمق الأراضي المصرية، أحيانًا من مسافة تصل إلى 20 كيلومترًا داخل سيناء، قبل أن تهبط في مناطق متفرقة داخل النطاق الإسرائيلي، ما يجعل تعقب مصدرها أو مشغليها مهمة شبه مستحيلة.
وبحسب التقديرات ذاتها، فإن هذه المسيّرات كبيرة نسبيًا وقادرة على حمل حمولات تصل إلى 60 كيلوغرامًا، وتتراوح تكلفة الواحدة بين 50 و100 ألف شيكل، وتشير المعطيات الإسرائيلية إلى أن معظم المسيّرات التي جرى إسقاطها أو ضبطها تم شراؤها من داخل إسرائيل نفسها، حيث يُحظر بيع هذا النوع في السوق المصري، ما يضيف بعدًا جديدًا لتعقيد الظاهرة وتشابك مساراتها.
أرقام قياسية وثغرة مفتوحة: فشل أمني متعدد المستويات
تكشف المعطيات الإسرائيلية المنشورة خلال عامي 2025–2026 عن تصاعد غير مسبوق في ظاهرة التهريب بالطائرات المسيّرة عبر الحدود المصرية، إلى مستوى باتت فيه الأرقام تعكس أزمة أمنية مركبة تتجاوز قدرة الأجهزة المختلفة على الاحتواء.
فوفق معطيات نشرتها صحيفة “يديعوت أحرونوت” في سبتمبر/أيلول 2025، بلغ عدد حالات تسلل الطائرات المسيّرة إلى داخل إسرائيل مئات الحوادث خلال فترة زمنية وجيزة، ففي شهر واحد فقط، بين 16 يوليو/تموز و25 أغسطس/آب، سُجل في لواء فاران الحدودي ما لا يقل عن 384 حادثة عبور لمسيّرات تجاوزت السياج الحدودي، إلى جانب رصد 248 حادثة ظهور لمهربين في الجانب المصري، و254 حادثة على الجانب الإسرائيلي.
وتشير بيانات عُرضت أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست إلى تصاعد حاد في حجم الظاهرة؛ إذ سُجل خلال ثلاثة أشهر من العام المنصرم 896 عملية تهريب بواسطة الطائرات المسيّرة، مقارنة بـ464 عملية فقط في الفترة ذاتها من عام 2024، ما يعني تضاعف النشاط تقريبًا خلال عام واحد.
أما تقديرات الميدان، التي نقلتها قناة i24NEWS عن سكان المستوطنات الحدودية، فتشير إلى أرقام أكثر لفتًا؛ إذ يُرصد يوميًا ما بين 20 و40 طائرة مسيّرة تعبر الحدود محمّلة بأسلحة وذخائر ومخدرات وسجائر، وأحيانًا حيوانات حيّة. وفي كثير من الحالات تنفذ الطائرة الواحدة عدة رحلات خلال الليلة نفسها، ما يرفع المعدل الشهري إلى ما بين 700 و1,000 عملية.
وخلال ثلاثة أيام فقط من عطلة رأس السنة العبرية، جرى تسجيل 550 طائرة مسيّرة، بمعدل يومي تجاوز 100 عملية، وتشير تقديرات أمنية إسرائيلية إلى أن المسيّرة الواحدة قادرة على نقل ما يصل إلى 100 كيلوغرام من المواد، بما يشمل بنادق M-16 أو رشاشات متوسطة، بل وأحيانًا أسلحة نوعية مثل قذائف مضادة للدروع أو عبوات ناسفة.
وتؤكد بيانات مجلس مستوطنات “رمات هنيغف” الإقليمي، استنادًا إلى معطيات الفرقة العسكرية 80، المنحنى التصاعدي للظاهرة، فقد سُجلت 104 عمليات تهريب في النصف الأول من عام 2024، وارتفعت إلى 464 عملية في النصف الثاني، ثم 559 عملية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام نفسه. وفي الربع الأول من 2025 قفز الرقم إلى 627 عملية، أي نحو ضعف الفترة المقابلة من العام السابق.
هذا التصاعد الكمي ترافق مع إخفاق واضح في منظومة الاستجابة الأمنية متعددة الأذرع داخل إسرائيل. فمن الناحية النظرية، تتوزع المسؤوليات بين عدة جهات: الجيش مسؤول عن تأمين الحدود، والشرطة عن ملاحقة المهربين داخل العمق، وجهاز الأمن العام “الشاباك” عن متابعة الشبكات المنظمة، فيما يتولى حرس الحدود عمليات القبض الميدانية. غير أن تعدد هذه المستويات لم يتحول إلى عنصر قوة، بل كشف عن خلل مركّب في التنسيق وتبادل المعلومات، مع تبادل مستمر للاتهامات حول المسؤولية عن الفشل.
وأمام تصاعد الظاهرة، أعلن وزير الحرب الإسرائيلي ما وصفه بـ”الحرب على التهريب”، وجرى إعلان المنطقة الحدودية منطقة عسكرية مغلقة. كما وجّه رئيس الأركان في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بتكثيف الجهود المشتركة لمواجهة “التهديد المتصاعد للطائرات المسيّرة في الجبهة الغربية”، في إشارة إلى الحدود مع مصر.
وفي السياق ذاته، أنشأ الجيش الإسرائيلي مركز مراقبة جديدًا بقيادة سلاح الجو ضمن قيادة الفرقة 80، مخصصًا لرصد النشاط الجوي على الحدود، بما في ذلك حركة المسيّرات، وتشير تقديرات المؤسسة العسكرية إلى أنها تتعامل مع الملف باعتباره “تهديدًا أمنيًا مركبًا”، وتسعى لتطوير حلول تكنولوجية قصيرة وبعيدة المدى لمواجهته.
ومع ذلك، تكشف المعطيات عن فجوة بين القرارات السياسية والقدرة التنفيذية على الأرض. فبينما أعلن وزير الحرب المنطقة الحدودية منطقة عسكرية مغلقة، نقل الإعلام العبري عن مصادر عسكرية اعتبار هذه الخطوة “غير قابلة للتنفيذ عمليًا” في ظل الظروف الميدانية. وفي الشهر ذاته، أعلن الجيش إحباط 130 محاولة تهريب عبر المسيّرات خلال شهر واحد فقط، في إقرار ضمني بأن الظاهرة ما تزال متواصلة بوتيرة مرتفعة رغم الإجراءات المتخذة.
من ظاهرة تهريب إلى تحدٍ استراتيجي مفتوح
التعامل الإسرائيلي مع ظاهرة التهريب عبر الطائرات المسيّرة تجاوز البعد الجنائي، وانتقل إلى توصيفات أمنية واستراتيجية أوسع، تعكس حجم القلق المتصاعد داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية.
في ديسمبر/كانون الأول الماضي، انضم جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” رسميًا إلى الجهود الهادفة لملاحقة تهريب الوسائل القتالية بواسطة الطائرات المسيّرة عبر الحدود مع مصر والأردن.
ووصف رئيس الجهاز ديفيد زيني الظاهرة بأنها “كارثة متواصلة” و”تهديد استراتيجي على إسرائيل”، في تصريحات نقلتها صحيفة “هآرتس”، جاءت خلال مداولات أمنية مكثفة عُقدت بمشاركة قادة من الشاباك والشرطة والجيش، إلى جانب جهات قانونية عليا، في اجتماع استثنائي لدى المستشارة القضائية للحكومة.
ووفق المعطيات التي عُرضت في تلك المداولات، سُجلت خلال العام الأخير عشرات آلاف حالات اختراق لمسيّرات دخلت الأجواء الإسرائيلية، ونقل عن مسؤول أمني رفيع قوله خلال النقاشات: “نحن متأخرون أربع إلى خمس سنوات في التعامل مع هذه الظاهرة”، في إقرار ضمني بتراكم فجوة أمنية يصعب سدها سريعًا.
القلق ذاته انعكس داخل المستوى السياسي؛ إذ عقدت لجنة الخارجية والأمن في الكنيست جلسات عاجلة لمناقشة الظاهرة، شهدت تحذيرات غير معتادة من تداعياتها، فقد اعتبر عدد من النواب أن تدفق الأسلحة عبر الحدود المصرية قد يهدد قواعد عسكرية ومواقع حساسة في الجنوب، بينما شبّه أحدهم الظاهرة بوجود “أنفاق في الجو”، في إشارة إلى التحول من تهديد الأنفاق الأرضية إلى مسارات تهريب جوية يصعب ضبطها.
كما حذر نواب من أن استمرار تدفق السلاح قد يُستخدم من قبل تنظيمات مسلحة أو شبكات إجرامية لتنفيذ عمليات واسعة داخل الأراضي المحتلة، في ظل تقديرات إسرائيلية بأن بعض الفصائل تسعى لإعادة بناء قدراتها العسكرية والاستفادة من هذه الثغرة.
ولم يكن قطاع غزة بعيدًا تمامًا عن مسار التهريب الجوي المذكور، فقد وثقت مصادر محلية وصول عدد من الطائرات المسيّرة من النمط ذاته إلى مناطق جنوب القطاع، لا سيما في محيط رفح، حيث جرى رصد تسلّم مواد مهربة – شملت مخدرات وأسلحة وأجهزة إلكترونية – من قبل شبكات تهريب مرتبطة بنظرائها على جانبي الحدود.
وفي حوادث متفرقة، وصلت مسيّرات إلى مناطق مأهولة بالنازحين غرب خانيونس، حيث استهدفتها الطائرات الإسرائيلية أحيانًا، بينما نجحت أخرى في الوصول إلى جهات إجرامية محلية استولت على حمولتها، في وقائع تعكس محدودية القدرة على فرض سيطرة كاملة على المجال الجوي المنخفض، حتى في مناطق تخضع لرقابة عسكرية مكثفة.
وتكشف هذه الظاهرة عن تحدٍ يتجاوز حدود التهريب التقليدي، ليطرح إشكالية أوسع تتعلق بتحولات أدوات الاختراق الأمني في العصر الرقمي، فانتشار الطائرات المسيّرة الصغيرة في الأسواق، وانخفاض تكلفتها، وسهولة تشغيلها من مسافات بعيدة، يجعلها أداة متعددة الاستخدامات قادرة على اختراق أكثر الحدود تحصينًا ومنظومات المراقبة تطورًا.
وبينما ينحصر الاستخدام الحالي – في معظمه – ضمن شبكات الجريمة المنظمة، فإن البعد الأخطر -من منظور الاحتلال- يكمن في الإمكانات الكامنة لهذه الثغرة في حال جرى استثمارها عسكريًا أو أمنيًا من قبل جهات أكثر تنظيمًا، وهو ما يفسر انتقال الملف من نطاق مكافحة الجريمة إلى خانة التهديد الاستراتيجي المفتوح، الذي يعكس حدود السيطرة الأمنية في بيئة تتغير أدواتها بوتيرة أسرع من قدرة حتى أكثر الأنظمة تطورًا على مواكبتها.