قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كان ملف الأموال الإيرانية العالقة يُناقش غالبًا داخل قنوات العقوبات والمقايضات الدبلوماسية المحدودة، لكن هذا الوضع تغير عندما قادت باكستان مفاوضات لوقف القتال.
فخلال المحادثات التي في إسلام أباد، كشف مصدر إيراني لرويترز أن واشنطن وافقت على الإفراج عن أموال إيرانية مجمَّدة، لكن مسؤولًا أمريكيًا نفى هذا الادعاء على الفور.
أثار الحديث عن الأموال العالقة سؤالًا مركزيًا: ما هي هذه الأموال فعلًا، وأين توجد، وما الاختلاف بين الرصيد المجمَّد والمقيَّد والتدفقات المرتبطة بإيران عبر شبكات تجارية؟ التقرير التالي يحاول رسم خريطة الأرصدة وتصنيفها وتوضيح أسباب عودتها إلى طاولة المفاوضات بعد الحرب.
خريطة الأرصدة الإيرانية في الخارج
1- حسابات مجمدة في قطر
تتمثل أشهر الأرصدة الإيرانية المعروفة في 6 مليارات دولار من عائدات النفط الإيراني كانت مجمَّدة في كوريا الجنوبية ثم نقلت إلى حسابات مقيدة بدولة قطر في سبتمبر/أيلول 2023 ضمن صفقة تبادل أسرى بين واشنطن وطهران.
وتؤكد الوثائق الرسمية الأمريكية أن انتقال هذه الأموال من بنوك كوريا الجنوبية إلى حسابات قطر كان مشروطًا باقتصار استخدامها على التجارة الإنسانية، وأن الأموال لا تُصرَف مباشرة لإيران بل تُدفع للموردين بعد إشراف وزارة الخزانة.
بعد هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على “إسرائيل”، أوقفت إدارة الرئيس السابق جو بايدن إتاحة الوصول إلى هذه الأموال، وجُمِّدت مجددًا فعليًا مع إبقائها تحت الرقابة وفي نطاق الاستخدام الإنساني فقط.
في أبريل/نيسان 2026 قال مصدر إيراني لرويترز إن الإفراج عن هذه الأموال شرط لضمان مرور آمن للسفن عبر مضيق هرمز، لكن الولايات المتحدة نفت التوصل إلى أي اتفاق.
2- أموال متراكمة في العراق وعُمان
يستورد العراق الكهرباء والغاز من إيران لكن العقوبات تحول دون تحويل المدفوعات بسهولة والتي تراكمت على مدار سنوات ووصلت إلى نحو 10 مليارات دولار بحسب آخر التقديرات.
وسمحت الولايات المتحدة لبغداد في 2023 و2024 بإيداع هذه المستحقات في حسابات مصرفية مقيدة داخل العراق، بل وفي حسابات مع أطراف ثالثة مثل عُمان.
وأوضح مسؤولو الخزانة الأمريكية أن استخدام الأموال يقتصر على شراء سلع إنسانية كالغذاء والدواء، وأن الهدف هو تخفيف ضغط طهران على بغداد دون أن تحصل إيران على سيولة حرة.
في جلسة للكونغرس الأمريكي في أبريل/نيسان 2024 أكد النائب غريغوري ميكس أن هذه الأموال “محفوظة في حسابات ضمان”، وأن جزءًا صغيرًا منها حُوِّل إلى حساب في عُمان يخضع للرقابة الأمريكية ولا تستطيع إيران استخدامه إلا لشراء سلع إنسانية.
3- شبكات أموال في الإمارات
بعيدًا عن الأرصدة الرسمية، ثمة عشرات المليارات المرتبطة بإيران تدور في أسواق الخليج عبر شركات واجهة وصرافات ومحولات تجارية، إذ تحوَّلت دبي على سبيل المثال – خصوصًا المنطقة الحرة في مركز دبي للسلع المتعددة – إلى محور رئيسي لهذه التدفقات.
وكشف تقرير لوزارة الخزانة الأمريكية في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أن نحو 8.6 مليار دولار من التدفقات المرتبطة بإيران مرت عام 2024 عبر الإمارات ومراكز مالية أخرى، وأن أكثر من 70 % من هذه المعاملات تمت من خلال كيانات إماراتية، معظمها في دبي.
ويشير التقرير إلى أن هذه التدفقات تشمل عائدات بيع النفط عبر شركات واجهة وشركات شحن واستثمار، وأن تقديرات مستقلة تقدر قيمة الأصول المرتبطة بإيران في الإمارات بنحو 50 مليار دولار.
ولا تُعد هذه الأموال رصيدًا سياديًا مجمَّدًا بل شبكات معقدة يصعب فصلها عن الاقتصاد المحلي، وقد أحيت النقاش حول ما إذا كان تجميدها سيُضر بسمعة دبي كمركز مالي أكثر مما يضر بإيران.
4- أرصدة في طوكيو وسيئول
إضافة إلى ذلك، أشار بعض المسؤولين الإيرانيين في السنوات الأخيرة إلى وجود أرصدة مجمَّدة في كوريا الجنوبية واليابان أو دول أخرى.
ففي كوريا الجنوبية تحدثت إيران لسنوات عن نحو 7 مليارات دولار من عائدات النفط المجمَّدة بفعل العقوبات الأمريكية، قبل أن يُنقل الجزء الأشهر منها، وهو 6 مليارات دولار، في 2023 إلى حسابات مقيدة في قطر ضمن صفقة تبادل أسرى.
أمّا اليابان، فظل ملفها أكثر التباسًا، إذ قدرت رويترز الأموال الإيرانية العالقة هناك بنحو 1.5 مليار دولار في مطلع 2021، ثم نقلت لاحقًا عن مسؤولين إيرانيين رقمًا أعلى يصل إلى 3 مليارات دولار.
وبعدها، دعا الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي في أغسطس/آب 2023 اليابان إلى الإفراج عن 1.5 مليار دولار من الأموال العالقة، ثم عاد وقال إن الأموال المجمدة الوحيدة موجودة في كوريا الجنوبية.
أنواع المال الإيراني في الخارج
1- المال المجمَّد
وفقًا لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC)، فإن “تجميد” أو “حجز” الأصول يعني فرض حظر فوري على تحويلها أو التعامل بها.
وتظل ملكية الأصول لصاحبها، لكن لا يمكن استخدامها أو تحويلها دون ترخيص من OFAC، وهو ما ينطبق على وضع الأموال الإيرانية في قطر بعد إعادة تجميدها، فالحساب موجود لكن إيران لا تستطيع السحب منه أو تحويله.
2- المال المقيَّد
المال المقيَّد هو الذي يوضع في حسابات يمكن استخدامها لشراء سلع محددة ضمن استثناءات إنسانية أو تجارية، ومثال ذلك قناة قطر الإنسانية.
يوضح دليل OFAC أن القناة تهدف إلى تمكين الشعب الإيراني من الحصول على الغذاء والدواء والمعدات الطبية عبر مدفوعات تتم تحت تدقيق شديد، وأن القناة لا تسمح بتسليم الأموال للحكومة أو الشركات الإيرانية ولا ترفع أي عقوبات.
كذلك فإن الحسابات التي يديرها العراق وعُمان لا تسمح إلا بتمويل “أنشطة غير خاضعة للعقوبات” مثل شراء الأغذية والأدوية، وكل تحويل منها يخضع لموافقة وزارة الخزانة الأمريكية. وتعد هذه الأموال مقيَّدة لأنها متاحة ضمن شروط صارمة، وليست مجمَّدة بالمعنى القانوني.
3- تدفقات وشبكات مالية
إلى جانب الأرصدة الرسمية، بنى النظام الإيراني خلال عقود من العقوبات نظامًا يعمل في الظل لتحويل إيرادات النفط إلى نقد.
وأظهر تقرير لوزارة الخزانة الأمريكية أن الشبكات تشمل شركات واجهة في الإمارات وهونغ كونغ وسنغافورة، وأنها استخدمت حسابات مراسلة في البنوك الأمريكية لتحويل نحو 9 مليارات دولار في 2024.
ولا تعد هذه التدفقات “أرصدة مجمَّدة” أو “مقيَّدة”، فهي أصول تجارية وشبكات تملكها شركات خاصة، وقد تكون مسجَّلة بأسماء مواطنين من دول أخرى. ولذلك فإن إجراءات تجميدها صعبة وتحتاج إلى إثبات أن الكيان المعني يملكها أو يتحكم فيها أشخاص خاضعون للعقوبات.
لماذا عاد الملف الآن؟
أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى إغلاق مضيق هرمز لفترات وجيزة وارتفاع أسعار النفط بنسبة غير مسبوقة.
وتحدثت تقارير عن استفادة طهران من ارتفاع الأسعار إذ ارتفعت إيراداتها النفطية، لكن الحرب أرهقت الاقتصاد الإيراني أيضًا بسبب الضربات التي طالت المنشآت النفطية والعقوبات المتزايدة.
في هذا السياق، لجأت طهران إلى ملف الأموال العالقة كوسيلة لتخفيف الضغط الاقتصادي الداخلي وتمويل عمليات إعادة الإعمار.
كما أن الاحتجاجات الأخيرة داخل إيران والتي طالبت بمعالجة التضخم وتوفير السلع الأساسية زادت من الحاجة إلى موارد دولارية، ما جعل الإفراج عن الأصول أولوية حكومية.
وربطت إيران بين الإفراج عن الأموال وضمان المرور الآمن في مضيق هرمز، ما يعكس استخدام طهران لورقة جيوستراتيجية: فهي تستطيع تعطيل الشحن العالمي وإلحاق ضرر باقتصادات الخليج إذا لم تحصل على مكاسب.
وأكدت تسريبات اجتماع باكستان للتوصل إلى اتفاق، أن حرية الملاحة في هرمز كانت محورًا في المحادثات. بمعنى آخر، المال العالق أصبح جزءًا من مساومة أوسع تشمل الملاحة والأمن الإقليمي وذلك إلى جانب مطالبة طهران برفض بعض العقوبات وحتى التعويض عن أضرار الحرب.
وبدورها، رفضت الولايات المتحدة هذه المطالب واعتبرت أن الإفراج عن الأموال يجب أن يبقى ضمن “القنوات الإنسانية”، ما يعقد فرص الوصول إلى اتفاق وخاصة في ظل مطالبة إيران بفك هذا الخناق المالي عليها في 3 جوانب: الأرصد المجمدة والمقيدة، والعقوبات الاقتصادية، وتعويضات الحرب.