منذ قيام نظام “الثورة الإسلامية” في إيران عام 1979، عملت القيادة الإيرانية الجديدة بقيادة روح الله الخميني على بناء منظومة أمنية-عسكرية معقدة، صُممت أساسًا لضمان تثبيت النظام السياسي الجديد وحمايته من التهديدات الداخلية والخارجية.
وعلى مدى العقود اللاحقة، واصل النظام تطوير هذه المنظومة وصقل قدراتها المؤسسية والعملياتية للتعامل مع طيف واسع من التحديات، بدءًا من احتمالات العدوان العسكري الخارجي، مرورًا بعمليات التجسس والتخريب، وصولًا إلى الاضطرابات الاجتماعية والسياسية داخل البلاد.
تُعد المؤسسة العسكرية الإيرانية اليوم واحدة من أكثر البنى الأمنية تعقيدًا في الشرق الأوسط، إذ تتوزع الأدوار والمهام داخلها بين عدة قوى رئيسية تعمل جميعها ضمن إطار النظام السياسي في طهران، لكنها تخضع لمرجعيات تنظيمية مختلفة وتؤدي وظائف متمايزة.
ويستند هذا البناء إلى ما يمكن وصفه بنظام “السيادة العسكرية المزدوجة”، الذي يجمع بين الجيش النظامي التقليدي (الجيش الإيراني) والحرس الثوري، بحيث يؤدي كل منهما دورًا مختلفًا ضمن منظومة الدفاع والأمن القومي.
ولا يقتصر الهدف من هذا الهيكل العسكري المعقد – الذي يشرف عليه المرشد الأعلى بصفته القائد العام للقوات المسلحة – على حماية الحدود الجغرافية للدولة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى ضمان بقاء النظام السياسي نفسه.
فقد صُممت هذه المنظومة بطريقة تضمن توزيع القوة العسكرية بين مؤسسات متعددة، بما يمنع تركزها في يد جهة واحدة ويحدّ من احتمالات الانقلابات الداخلية، وفي الوقت ذاته، تحتفظ إيران بقوة عسكرية مخصصة للعمل خارج حدودها، تؤدي دورًا محوريًا في تنفيذ عقيدة “تصدير الثورة“، وتعزيز النفوذ الإيراني عبر شبكة واسعة من الحلفاء والقوى غير الدولتية في المنطقة.
التركيبة المزدوجة والعقيدة العسكرية
بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، ورثت الدولة الإيرانية الجديدة ترسانة عسكرية كبيرة من عهد الشاه، غير أن توقف الدعم العسكري الغربي، إلى جانب الشكوك التي أحاطت بولاء الجيش الموروث، دفع القيادة الجديدة إلى البحث عن صيغة تضمن حماية النظام الوليد من التهديدات الداخلية والخارجية.
وفي هذا السياق صدر قرار روح الله الخميني بتأسيس الحرس الثوري الإسلامي بوصفه قوة عقائدية موازية للجيش النظامي، لتتشكل بذلك بنية عسكرية مزدوجة تجمع بين مؤسسة عسكرية تقليدية وأخرى ثورية.
وخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988) ترسخت هذه المعادلة؛ إذ تولى الجيش إدارة العمليات التقليدية المعتمدة على الخبرة العسكرية والأسلحة الثقيلة، بينما اضطلع الحرس الثوري بدور رئيس في تعبئة القوى البشرية وتنفيذ العمليات غير التقليدية.
ومع انتهاء الحرب جرى تطوير هذا النموذج المؤسسي عبر إنشاء هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة لضمان التنسيق بين المؤسستين ومنع تضارب أدوارهما، وهو ما أسس للهيكل العسكري الذي تقوم عليه إيران اليوم.
وتخضع هذه المنظومة لقيادة مركزية يتمثل رأسها في المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية بصفته القائد العام للقوات المسلحة وصاحب القرار النهائي في قضايا الحرب والسلم، وتساعده في إدارة هذه المنظومة مجموعة من المؤسسات التنسيقية، أبرزها المجلس الأعلى للأمن القومي المسؤول عن صياغة السياسات الأمنية، وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التي تنسق العمليات بين الجيش والحرس الثوري، إضافة إلى مقر خاتم الأنبياء الذي يمثل مركز القيادة العملياتية للقوات المسلحة.
وتستند العقيدة العسكرية الإيرانية إلى تصور خاص لطبيعة التهديدات التي تواجه الدولة، حيث تميز بين التهديدات الصلبة المرتبطة بالحرب التقليدية، والتهديدات شبه الصلبة المتعلقة بالأمن الداخلي والعمليات السرية والسيبرانية، والتهديدات الناعمة التي تشير إلى التأثيرات الثقافية والاجتماعية التي ترى القيادة الإيرانية أنها تستهدف المجتمع الإيراني.
وانطلاقًا من هذا التصور، تبنت إيران استراتيجية عسكرية تقوم على مبدأ الردع غير المتكافئ، بهدف تعويض الفجوة الكبيرة في القدرات العسكرية التقليدية بينها وبين خصومها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولذلك ركزت طهران على تطوير منظومات الدفاع الجوي والقدرات الصاروخية والحرب السيبرانية، إضافة إلى توظيف الجغرافيا والعمق الاستراتيجي وشبكات الحلفاء الإقليميين في إطار ما يعرف بالحرب اللامتماثلة.
وقد تشكلت هذه العقيدة تحت تأثير عدد من التجارب العسكرية المفصلية، في مقدمتها الحرب العراقية الإيرانية، ثم الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وحرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله، وجولات المواجهة المتكررة بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، وهي تجارب عززت قناعة طهران بضرورة بناء منظومة عسكرية قادرة على استنزاف الخصوم المتفوقين تكنولوجيًا بدل مواجهتهم في حرب تقليدية مباشرة.
القوات المسلحة الإيرانية (الجيش النظامي)
يُشار إلى الجيش الإيراني في الأدبيات الغربية باسم الجيش النظامي، ويمثل أحد الركنين الرئيسيين للمنظومة العسكرية في إيران إلى جانب الحرس الثوري. ويبلغ عدد أفراده نحو 350 ألف جندي، ويُنظر إليه عمومًا بوصفه أقل أيديولوجية من الحرس الثوري وأكثر تركيزًا على المهام العسكرية التقليدية ذات الطابع الدفاعي.
وتتمثل المهمة الأساسية للجيش الإيراني في حماية الحدود الجغرافية للدولة والحفاظ على وحدة أراضيها في مواجهة أي هجوم خارجي، كما يمتلك الجزء الأكبر من القدرات العسكرية التقليدية للقوات المسلحة، بما في ذلك الدبابات والطائرات المقاتلة والسفن الحربية والغواصات.
غير أن العقوبات الدولية الممتدة على إيران أثرت بصورة كبيرة في قدرته على صيانة هذه المنظومات وتحديثها، مما جعل جزءًا مهمًا من ترسانته يعتمد على معدات قديمة تعود إلى ما قبل الثورة الإسلامية. وينقسم الجيش الإيراني إلى أربعة أفرع رئيسية هي: القوات البرية، والقوات البحرية، والقوات الجوية، وقوات الدفاع الجوي.
القوات البرية: تعد القوات البرية العمود الفقري للجيش الإيراني، إذ تشغّل نحو 50 لواءً عسكريًا يضم تشكيلات من المشاة الخفيفة والقوات الميكانيكية والمدرعة. ويتركز انتشار هذه الوحدات بصورة خاصة على الحدود الغربية والشرقية لإيران، حيث تواجه البلاد تهديدات أمنية محتملة مرتبطة ببيئتها الإقليمية.
وخلال الأعوام الأخيرة خضعت القوات البرية لعمليات إعادة هيكلة تنظيمية هدفت إلى تعزيز اللامركزية في القيادة والسيطرة وزيادة القدرة على الحركة والاستجابة السريعة، كما توسع دورها ليشمل مهامًا مرتبطة بالأمن الداخلي ومكافحة التهديدات غير التقليدية.
وتضم القوات البرية الجزء الأكبر من القوى البشرية في الجيش، حيث يصل عدد أفرادها إلى ما يقارب 350 ألف عنصر، وتمتلك ترسانة واسعة من الدبابات والعربات المدرعة. وتشمل هذه الترسانة دبابات روسية وسوفيتية قديمة مثل T-72 وT-55 وT-54، إلى جانب دبابات غربية تعود إلى فترة الشاه مثل Chieftain البريطانية وM60 Patton الأمريكية.
كما طورت إيران نماذج محلية مثل دبابة ذو الفقار ودبابة كرار التي دخلت الخدمة خلال السنوات الأخيرة، وتمتلك القوات البرية آلاف المركبات المدرعة وناقلات الجند المجنزرة وذات العجلات، إضافة إلى قدرات مدفعية كبيرة تشمل المدافع الميدانية ومدافع الهاون وراجمات الصواريخ.
القوات البحرية: تعمل القوات البحرية التابعة للجيش الإيراني بصورة رئيسية في المحيط الهندي وبحر قزوين، بينما تتقاسم مسؤولية تأمين مضيق هرمز مع بحرية الحرس الثوري. وخلال السنوات الأخيرة سعت طهران إلى توسيع نطاق عمليات هذه القوة بما يتجاوز المياه الإقليمية، في محاولة لتعزيز حضورها البحري في الممرات البحرية الدولية.
وفي هذا السياق أعلنت إيران عن إنشاء مقار قيادة بحرية بعيدة المدى وإرسال قطع بحرية إلى مناطق أبعد، كما ركزت على تطوير ما يعرف بسفن القواعد الأمامية القادرة على دعم العمليات البحرية لفترات طويلة، بما في ذلك استضافة الطائرات المسيّرة والمروحيات والزوارق الهجومية السريعة.
وتضم القوات البحرية نحو 19 ألف فرد، وتمتلك أسطولًا يتكون من أكثر من 100 قطعة بحرية تشمل فرقاطات وكورفيتات وغواصات وسفن دورية. كما تعتمد إيران بشكل واسع على الزوارق السريعة المسلحة التي تشكل عنصرًا مهمًا في عقيدتها البحرية، خاصة في عمليات الحرب غير المتكافئة داخل الخليج العربي.
ومن أبرز القطع البحرية العاملة في الأسطول الإيراني فرقاطات الوند والقرن، وغواصات كيلو الروسية، إلى جانب غواصات محلية مثل غدير وفاتح، فضلًا عن صواريخ بحرية مضادة للسفن مثل نور وتقدير والخليج الفارسي.
القوات الجوية: تُعد القوات الجوية الإيرانية الحلقة الأضعف نسبيًا داخل الجيش النظامي، إذ تعتمد بشكل كبير على طائرات غربية وسوفيتية تعود إلى عقود سابقة. وقد ورثت إيران معظم هذه الطائرات من عهد الشاه، وتنتشر على نحو 11 قاعدة جوية داخل البلاد.
وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها طهران للحفاظ على جاهزية هذه الطائرات عبر برامج الصيانة والتحديث المحلي، فإن قدراتها لا تزال أدنى بكثير من قدرات القوى الجوية المتقدمة مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل. ويُنظر إلى هذا الضعف النسبي بوصفه أحد العوامل التي دفعت إيران إلى الاستثمار بكثافة في القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة لتعويض الفجوة في القوة الجوية.
وتضم القوات الجوية نحو 40 ألف عنصر، وتمتلك ما يزيد على 500 طائرة تتوزع بين طائرات مقاتلة وهجومية ومروحيات وطائرات نقل وتدريب واستطلاع. ومن أبرز الطائرات العاملة لديها F-4 وF-5 وF-14 Tomcat الأمريكية، إضافة إلى طائرات MiG-29 وSu-24 الروسية. كما تعتمد على طائرات النقل C-130 Hercules ومروحيات هجومية مثل كوبرا.
قوات الدفاع الجوي: تمثل قوات الدفاع الجوي أحدث الأفرع العسكرية في الجيش الإيراني، حيث أُعيد تنظيمها كقوة مستقلة عام 2019، وتتولى إدارة شبكة واسعة من منظومات الدفاع الجوي والرادارات المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد.
وتضم هذه القوة نحو 20 ألف فرد، وتستخدم مزيجًا من الأنظمة المستوردة والمحلية، أبرزها منظومة S-300 الروسية التي حصلت عليها إيران عام 2016، إلى جانب منظومات محلية مثل باور-373، وسوم خرداد، ورعد، ومرصاد.
كما طورت إيران شبكة رادارية محلية تضم أنظمة مثل رادار آرش وكاشف ومطلع الفجر، في إطار سعيها لبناء منظومة إنذار مبكر متكاملة. ويجدر بالذكر أن وحدات الدفاع الجوي تعمل ضمن شبكة دفاع موحدة تشمل مختلف الأفرع العسكرية، بما يعكس التركيز الإيراني الكبير على حماية المجال الجوي وتعويض محدودية القدرات الجوية التقليدية.
الحرس الثوري
أنشأ الخميني، الحرس الثوري عام 1979، بعد وقت قصير من وصوله للحكم، بوصفه قوة عسكرية موازية للجيش النظامي. وقد صُمم الحرس الثوري منذ البداية كقوة عقائدية مهمتها الأساسية حماية النظام الجديد وضمان بقاء الثورة، في ظل الشكوك التي أحاطت بولاء الجيش الموروث من عهد الشاه.
ينص الدستور الإيراني في المادة 150، على أن الحرس الثوري، يواصل دوره في حماية الثورة ومنجزاتها، ويُحدد القانون نطاق مهام هذا الحرس ومجالات مسؤوليته، مقارنةً بمهام ومجالات مسؤولية القوات المسلحة الأخرى، مع التركيز على “التعاون الأخوي” والتناغم فيما بينها.
وخلال العقود اللاحقة تطور الحرس الثوري من تشكيل ثوري محدود إلى واحدة من أكثر المؤسسات نفوذًا في إيران، حيث أصبح لاعبًا رئيسيًا ليس فقط في المجال العسكري، بل أيضًا في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والأيديولوجية. ويبلغ عدد أفراده نحو 190 ألف عنصر، كما يتولى الإشراف على عدد من أهم القدرات العسكرية الاستراتيجية لإيران، وعلى رأسها الترسانة الصاروخية وبرامج الطائرات المسيّرة.
ويتكون الحرس الثوري من عدة أفرع عسكرية وتنظيمية، أبرزها: القوات البرية، والقوات البحرية، والقوة الجوفضائية، وفيلق القدس، إضافة إلى منظمات رديفة مثل قوات الباسيج وجهاز الاستخبارات التابع للحرس.
القوات البرية: تعد القوات البرية التابعة للحرس الثوري أصغر حجمًا مقارنة بنظيرتها في الجيش النظامي، لكنها أكثر تركيزًا على المهام غير التقليدية المرتبطة بأمن النظام، وخلال العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين أعادت هذه القوات هيكلة نفسها وفق نموذج اللامركزية العملياتية، حيث أنشأت نحو 32 قيادة إقليمية قادرة على العمل بصورة مستقلة في حال تعرض القيادة المركزية لهجوم.
ويعكس هذا التنظيم الطبيعة المزدوجة لمهام هذه القوات، التي تشمل مواجهة التهديدات الخارجية، إلى جانب دورها في ضبط الأمن الداخلي وقمع الاضطرابات الاجتماعية عند الضرورة. كما صُممت عقيدتها القتالية أساسًا لخوض حرب عصابات وحرب استنزاف ضد أي قوة غازية محتملة.
القوات البحرية: تتولى المسؤولية الأساسية عن الخليج العربي ومضيق هرمز، وهي تختلف في بنيتها وعقيدتها عن البحرية التابعة للجيش النظامي، إذ تعتمد بشكل رئيسي على تكتيكات الحرب غير المتكافئة، بما في ذلك استخدام الزوارق السريعة المسلحة، والألغام البحرية، والصواريخ الساحلية، والطائرات المسيّرة.
وتهدف هذه المقاربة إلى تعطيل حرية الحركة البحرية للقوى المعادية، وخاصة الأساطيل الأمريكية في الخليج. وقد استخدمت بحرية الحرس الثوري هذه التكتيكات مرارًا عبر مناورات واعتراضات بحرية هدفت إلى إظهار قدرتها على تهديد خطوط الملاحة وإرباك التفوق البحري التقليدي لخصومها.
القوة الجوفضائية: تعد الجهة المسؤولة عن إدارة وتطوير الترسانة الصاروخية الإيرانية وبرامج الطائرات المسيّرة، وهي تمثل أحد أهم أعمدة القوة العسكرية الإيرانية في إطار استراتيجية الردع غير المتكافئ.
وخلال السنوات الماضية استثمرت إيران بصورة كبيرة في تطوير هذه القدرات، حتى أصبحت تمتلك أكبر مخزون صاروخي في الشرق الأوسط من حيث العدد والتنوع. وقد استخدمت هذه القوة الصواريخ الباليستية في عمليات خارج الحدود لأول مرة عام 2017، قبل أن تتكرر هذه الضربات لاحقًا في عدة مسارح مثل العراق وسوريا، وصولًا إلى المواجهات المباشرة مع إسرائيل.
فيلق القدس: يمثل الذراع الخارجية للحرس الثوري والأداة الرئيسة التي تعتمد عليها إيران في تنفيذ سياسة “تصدير الثورة” وبناء شبكة نفوذها الإقليمية، ويتولى الفيلق إدارة العلاقات مع القوى الحليفة لإيران في الشرق الأوسط، بما في ذلك الجماعات المسلحة والتنظيمات السياسية التي تُعرف مجتمعة باسم “محور المقاومة”.
ويقدم الفيلق لهذه القوى أشكالًا متعددة من الدعم، تشمل التدريب العسكري، وتوفير السلاح والتمويل، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى الإسناد العملياتي عند الحاجة. وخلال السنوات الأخيرة سعى فيلق القدس إلى تعزيز التنسيق بين هذه القوى المختلفة بهدف تحويلها إلى شبكة إقليمية أكثر ترابطًا قادرة على العمل بصورة متكاملة في مواجهة خصوم إيران.
ونظرًا لأهمية هذا الدور في الاستراتيجية الإيرانية، يتمتع فيلق القدس بمكانة خاصة داخل المؤسسة العسكرية، كما يرتبط بصورة مباشرة بالمرشد الأعلى، وقد أدى هذا الدور الخارجي في بعض المراحل إلى نشوء توترات مؤسسية مع وزارة الخارجية الإيرانية، بسبب اتساع نفوذ الفيلق في إدارة ملفات السياسة الإقليمية.
الأمن الداخلي والشرطة
منذ وصول النظام الإيراني إلى السلطة بعد الثورة الإسلامية عام 1979، عملت القيادة الجديدة على بناء منظومة أمن داخلي واسعة ومعقدة، صُممت أساسًا لرصد التهديدات التي قد تطال استقرار النظام وتحييدها قبل أن تتحول إلى تحديات وجودية.
وقد تطورت هذه المنظومة على مدار العقود الماضية لتتعامل مع طيف واسع من المخاطر، يتراوح بين عمليات التجسس والتخريب والتهديدات الأمنية الخارجية، وصولًا إلى الاحتجاجات الاجتماعية والاضطرابات السياسية داخل البلاد.
وتعكس البنية التنظيمية للأجهزة الأمنية في إيران طبيعة النظام السياسي نفسه، القائم على ازدواجية السلطة بين المؤسسات السياسية المنتخبة والمؤسسة الدينية المرتبطة بالمرشد الأعلى. فمن الناحية الرسمية تخضع الأجهزة الأمنية لإشراف المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يتولى تنسيق السياسات الأمنية والدفاعية للدولة.
غير أن الواقع العملي يشير إلى أن العديد من هذه الأجهزة طورت قنوات اتصال مباشرة مع مكتب المرشد الأعلى، الذي يحتفظ بالنفوذ الأكبر في توجيه السياسات الأمنية والعسكرية. وقد أدى هذا الترتيب في بعض الأحيان إلى ظهور حالات من التنافس أو التداخل في الصلاحيات بين المؤسسات المختلفة.
وفي هذا السياق يمتلك الحرس الثوري جهازه الخاص للاستخبارات الداخلية، والذي أنشئ بقرار من المرشد علي خامنئي بعد الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران عام 2009، وذلك نتيجة عدم رضاه عن أداء وزارة الاستخبارات في احتواء تلك الاضطرابات. ومنذ ذلك الحين أصبح هذا الجهاز أحد أبرز أدوات الحرس في متابعة التهديدات الداخلية.
منظمة التعبئة (الباسيج): تعد منظمة التعبئة الشعبية (الباسيج) إحدى الركائز الأساسية لمنظومة الأمن الداخلي في إيران، وقد تأسست بأمر من روح الله الخميني في نوفمبر/تشرين الثاني 1979 بوصفها قوة شعبية شبه عسكرية تعتمد على المتطوعين المدنيين من الرجال والنساء.
وتشير التقديرات إلى أن عدد عناصر الباسيج يبلغ نحو 6 ملايين عضو فعّال، بينما تشير بعض المصادر الرسمية الإيرانية إلى أن العدد قد يصل إلى 23 مليون شخص ضمن شبكاتها المختلفة. وتمتلك هذه المنظمة حضورًا واسعًا داخل المجتمع الإيراني، إذ تنتشر فروعها في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية وأماكن العمل.
ويؤدي الباسيج دورًا مزدوجًا داخل النظام؛ فهو من جهة يمثل قاعدة تعبئة اجتماعية للنظام ومصدرًا للمعلومات والرصد المجتمعي، ومن جهة أخرى يشكل قوة يمكن استدعاؤها عند الحاجة لقمع الاحتجاجات والاضطرابات. وقد لعبت هذه القوات دورًا بارزًا في مواجهة موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد في أعوام 2009 و2019 و2023.
ورغم أن الباسيج نشأت كتنظيم مستقل نسبيًا، فإنها أصبحت لاحقًا تابعة رسميًا للحرس الثوري، حيث أُدمجت وحداتها في تشكيلات مثل كتائب الإمام علي وكتائب الإمام الحسين التي تستخدم بشكل خاص في مهام الأمن الداخلي.
وزارة الاستخبارات والأمن الوطني: تمثل الجهاز الاستخباراتي الرسمي للدولة الإيرانية، وقد أُنشئت في البداية لتؤدي دورًا تنسيقيًا بين المؤسسات الأمنية المختلفة، لكنها تطورت لاحقًا إلى جهاز أمني متكامل يركز على مواجهة التهديدات التي تستهدف النظام، سواء داخل البلاد أو خارجها.
وتتولى الوزارة مراقبة النشاط السياسي المعارض داخل إيران، إضافة إلى متابعة المعارضين في الخارج. وقد ارتبط اسمها بعدد من العمليات السرية التي استهدفت شخصيات معارضة للنظام في الخارج خلال العقود الماضية.
ومن الناحية الدستورية تعمل الوزارة تحت إشراف المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يرأسه رئيس الجمهورية، غير أن موقع المرشد الأعلى داخل بنية النظام يجعل منه المرجعية النهائية لمعظم الأجهزة الأمنية والعسكرية في البلاد.
قوات إنفاذ القانون (الشرطة): تشكل قوات إنفاذ القانون، المعروفة اختصارًا باسم (ناجا)، خط الدفاع الأول في منظومة الأمن الداخلي الإيرانية، وقد أُنشئت عام 1992 بعد دمج ثلاث مؤسسات أمنية كانت تعمل بشكل منفصل، وهي الشرطة المدنية وقوات الدرك ولجان الثورة الإسلامية المعروفة باسم “كميته”.
ويبلغ عدد أفراد هذه القوات نحو 60 ألف عنصر، وتضم عددًا من الوحدات المتخصصة، من بينها شرطة مكافحة المخدرات، والشرطة الجنائية، وشرطة حرس الحدود، إضافة إلى قوات خاصة لمواجهة الاضطرابات.
ومن بين أبرز تشكيلاتها شرطة الأمن (بافا)، التي تتبع لها وحدات متعددة من بينها ما يُعرف بـ “شرطة الأخلاق”، وهي وحدة مكلفة بمراقبة الالتزام بالمعايير الاجتماعية والدينية المتعلقة باللباس والسلوك العام. وقد أثارت هذه الوحدة جدلًا واسعًا داخل إيران وخارجها، خاصة بعد حادثة وفاة الشابة الإيرانية مهسا أميني عام 2022 أثناء احتجازها لدى الشرطة، وهي الحادثة التي فجّرت موجة احتجاجات واسعة في البلاد، مما أدى إلى حل الوحدة تحت وطأة الضغط.
وتكشف بنية المؤسسة العسكرية والأمنية في إيران عن منظومة مركبة صُممت أساسًا لحماية النظام وضمان استمراريته بقدر ما صُممت للدفاع عن الدولة، فازدواجية القوة بين الجيش والحرس الثوري، وتعدد الأجهزة الأمنية، والاعتماد على أدوات الردع غير المتكافئ والشبكات الإقليمية، جميعها تعكس فلسفة أمنية تقوم على توزيع القوة ومنع احتكارها داخليًا، وفي الوقت ذاته تعويض الفجوة في القدرات التقليدية عبر أدوات غير متماثلة، ما يجعلها تبدو أقرب إلى بنية دفاع عن النظام والثورة منها إلى نموذج جيش تقليدي لدولة قومية.