دفعت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية على منشآت النفط والغاز، قطر لإعلان القوة القاهرة على شحنات الغاز، وتبعتها الكويت بإعلان مماثل على مبيعات النفط.
التقرير التالي يفكك معنى القوة القاهرة، ويتتبع ما حدث في قطر والكويت، ويقيّم الأثر الحقيقي لهذه الإعلانات على الإنتاج والتصدير وسلاسل الإمداد، ويحدد الدول الأكثر تضررًا.
ما معنى “القوة القاهرة”؟
القوة القاهرة (Force Majeure)، بند تعاقدي يستند إلى قانون العقود ويُعرّف على أنه حدث غير متوقع وخارج عن السيطرة يجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية مستحيلًا.
في سياق عقود الطاقة طويلة الأجل، لا تعني “القوة القاهرة” فسخًا للعقود أو إلغاءً نهائيًا لها، بل هي آلية قانونية تُعفي البائع والمشتري مؤقتًا من المسؤولية المالية والقانونية الناجمة عن الإخفاق في التسليم أو الاستلام.
ويُشترط لتفعيل هذا البند وقوع حدث استثنائي خارج تمامًا عن سيطرة الأطراف، كالحروب أو إغلاق الممرات الملاحية، وهو ما يمنع التنفيذ المادي للالتزامات.
اقتصاديًا، يحمي هذا الإعلان البائع من غرامات التأخير القاسية، لكنه يعني للمشتري انقطاعًا فوريًا للإمدادات المجدولة دون حق المطالبة بتعويض.
ماذا حدث في قطر؟
في 4 مارس/آذار 2026 أعلنت شركة قطر للطاقة حالة القوة القاهرة على صادرات الغاز بعد يومين من توقف منشآت التسييل في رأس لفان نتيجة ضربات إيرانية وصعوبة مرور السفن عبر مضيق هرمز.
وتعتمد قطر، التي تمثّل نحو 20 % من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية، على حقل الشمال ومنشآت التسييل في رأس لفان لتصدير نحو 80.97 مليون طن سنويًا، ويجب على جميع شحناتها أن تمر عبر المضيق.
وتوقع وزير الطاقة سعد الكعبي أن يعلن جميع مصدّري الخليج القوة القاهرة خلال أيام إذا استمرت الحرب، وحذّر من أن أسعار النفط قد تصل 150 دولارًا للبرميل وأسعار الغاز 40 دولارًا للمليون وحدة حرارية، مؤكدا أن عودة الإنتاج إلى طبيعته ستستغرق أسابيع أو شهور حتى لو توقفت الحرب.
وأدى إغلاق رأس لفان إلى توقف كامل في التسييل والتحميل بسبب محدودية التخزين (نحو 1.88 مليون متر مكعب، تكفي لأربعة أيام) وتوقف الملاحة، ما يعني أن إعلان القوة القاهرة لم يكن مجرد إخطار بل تزامن مع تعطل مادي.

أغلب عملاء قطر من آسيا – الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية وباكستان – إذ تستحوذ هذه الدول على أكثر من 80 % من صادراتها، وتتم معظم المبيعات بعقود طويلة الأجل (90–95 %) مما يحد من مرونة المشترين.
لذلك تأثر المشترون الآسيويون مباشرة، واضطروا للبحث عن شحنات بديلة من الولايات المتحدة ونيجيريا، رغم أن الكميات البديلة أقل من فاقد قطر.
وفي أوروبا، التي تعتمد على قطر بـ7 % فقط من وارداتها، أدى التعطل إلى ارتفاع أسعار الغاز الفورية الأوروبية (عقود TTF) بأكثر من 30 %، بينما قفزت أسعار الغاز الآسيوية (JKM) بنسبة 68.5 % إلى 25.39 دولارًا للمليون وحدة حرارية.
ماذا حدث في الكويت؟
في 7 مارس/آذار أعلنت مؤسسة البترول الكويتية (KPC) القوة القاهرة على مبيعات النفط الخام وبدأت تخفيضًا احترازيًا للإنتاج؛ وذلك بسبب تهديدات إيرانية للملاحة و”غياب شبه تام للسفن” لعبور مضيق هرمز.
وأشار بيان المؤسسة إلى أن التخفيض مؤقت ويُراجع حسب تطور الوضع، ولم يحدد حجم الخفض، لكن الإنتاج الكويتي كان يدور حول 2.6 مليون برميل يوميًا في فبراير/شباط.
وذكرت تقارير تحليلية أن الكويت تملك قدرة تخزين تكفي نحو 18 يومًا فقط، وأنها ستضطر إلى خفض الإنتاج إذا لم تستعد القدرة على التصدير، فيما أشارت بعض المصادر إلى بدء خفض الإنتاج في حقول معينة بسبب امتلاء المخزون.
والكويت ليست مصدرًا ضخمًا للنفط الخام فقط؛ فهي أيضًا أكبر مصدر لوقود الطائرات إلى أوروبا، حيث صدّرت 149 ألف برميل يوميًا في 2025، كما كانت ثاني أكبر مصدر للديزل إلى أوروبا بحجم 110 ألف برميل يوميًا، كما أن صادراتها من النافثا والبتروكيماويات تغذي آسيا.
كما أن مصفاة الزور الكويتية رفعت صادراتها من الوقود منخفض الكبريت إلى أكثر من 205 ألف برميل يوميًا في يناير/كانون الثاني، وكان نحو 70 % من الشحنات متجهة إلى جنوب شرق آسيا.
لذلك فإن إعلان القوة القاهرة في الكويت يهدد إمدادات وقود الطائرات والنافثا في أوروبا وآسيا، ويضغط على أسواق الوقود الثقيل.
الدول الأكثر تضررًا
1- على صعيد الغاز: تعد الدول الآسيوية هي الأكثر تعرضًا لانقطاع الغاز القطري.
- حصلت الصين على 29 % من وارداتها من قطر في 2025، بينما استوردت الهند 45 % من حاجتها من ذات الدولة الخليجية.
- تعتمد باكستان وبنغلاديش بصورة شبه كاملة على عقود قطرية طويلة الأجل، ما يحد من بدائلها.
- تعتمد أوروبا على قطر بنسبة ضئيلة لكنها تعاني من مخزونات غاز منخفضة؛ ففي مطلع مارس/آذار كانت المخزونات الألمانية عند 27 % فقط من الطاقة التخزينية، والحقول الهولندية عند 10 %. لذلك فإن أي فقد إضافي في الإمدادات يرفع الأسعار ويضغط على قدرة التخزين الأوروبية.
2- على صعيد النفط والمنتجات: تستورد آسيا نحو 60 % من خامها من الشرق الأوسط.
- تعتمد اليابان على الخليج بحوالى 90 % من وارداتها، بينما تعتمد الصين على المنطقة لنحو نصف وارداتها.
- في أوروبا، حصة كبيرة من وقود الطائرات والديزل تأتي من الكويت والإمارات؛ وقد كان نحو 40 % من وقود الطائرات المنقول عبر هرمز متجهًا إلى القارة العجوز في 2025.
- تعطّل صادرات الكويت، إضافة إلى إغلاق مصفاة رأس تنورة السعودية بسبب هجوم بطائرة مسيرة، دفع أسعار وقود الطائرات الآسيوي إلى أعلى مستوياتها منذ 2022، وأدى إلى تحويل شحنات من كوريا الجنوبية ونيجيريا إلى أوروبا.
- الدول الأكثر تضررا من وقف إمدادات النفط الخام هي الصين والهند، إذ تستوردان معظم إنتاج العراق والكويت والإمارات؛ كما ستتضرر دول جنوب شرق آسيا المستوردة للوقود الثقيل، في حين تواجه أوروبا نقصًا في وقود الطائرات والنافثا.

الآثار الاقتصادية والسوقية
أدى توقف صادرات الغاز والنفط إلى ارتفاع أسعار الطاقة الفورية بشكل حاد.
- قفزت أسعار الغاز الطبيعي الآسيوية (JKM) بنسبة 68.5 % إلى 25.39 دولارًا للمليون وحدة حرارية.
- ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية (TTF) بأكثر من 30 %.
- ارتفعت أسعار النفط العالمية نحو 12 % خلال أسبوع، وقفزت هوامش الديزل ووقود الطائرات في آسيا إلى أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات.
- في أسواق الشحن، تضاعفت أسعار نقل النفط الخام (مؤشر TD3) إلى 423 ألف دولار يوميًا، وقفزت تكاليف نقل الغاز المسال في المحيط الأطلسي إلى 61,500 دولار يوميًا (زيادة 43 %) بينما بلغت 41,000 دولار يوميًا في المحيط الهادئ.
- ارتفعت أقساط التأمين البحري للحرب بأكثر من 1000 %، إذ ارتفع قسط المخاطر من 0.25 % إلى نحو 3 % من قيمة السفينة.
رفعت هذه الزيادات تكاليف شحن كل برميل نفط أو مليون وحدة حرارية من الغاز، ما يعني أن الأسعار النهائية للمستهلكين في الكهرباء والوقود والأسمدة ستزداد.
وبدأ قطاع البتروكيماويات في آسيا يشعر بالألم؛ فالشركات التي تعتمد على النافثا اضطرت إلى خفض تشغيل المصانع أو إعلان القوة القاهرة مع توقف الإمدادات من الشرق الأوسط.
وأعلنت شركة YNCC في كوريا الجنوبية خفض معدلات التشغيل، في حين اضطر منتجون في الهند والصين إلى إرجاء شحنات.
في المقابل، استفادت بعض المناطق مثل الولايات المتحدة ونيجيريا من ارتفاع الأسعار، إذ جرى تحويل شحنات الغاز والنفط إلى آسيا بأسعار أعلى، كما فتحت فروق الأسعار بين آسيا وأوروبا فرصًا للأربيتراج (استراتيجية تداول تستغل الفرق في الأسعار).
البدائل ومدى فعاليتها
تعتمد دول الخليج على مضيق هرمز لتصدير معظم نفطها وغازها، إذ يمر عبره نحو 20 % من النفط العالمي وكمية كبيرة من الغاز. ولذلك فالبدائل المتاحة محدودة:
- تمتلك السعودية خط الأنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بقدرة نحو 5 ملايين برميل يوميًا وقد ارتفعت إلى 7 ملايين لفترة قصيرة في 2019، لكن القدرة الفعلية للتحميل في ينبع لا تتجاوز 1.5 مليون برميل يوميًا.
- الإمارات لديها خط حبشان–الفجيرة بقدرة 1.5 مليون برميل يوميًا، يلتف حول هرمز إلى ميناء الفجيرة.

ولكن هذه القدرات مجتمعة لا تستطيع استيعاب صادرات السعودية والإمارات والكويت وقطر والعراق، كما أن هذه الأنابيب عرضة للهجمات كما أن ميناء الفجيرة نفسه يواجه ضربات الطائرات المسيرة.
وبالتالي لا توجد ممرات بديلة فعالة للغاز القطري، ولا يمكن نقل الغاز المسال عبر خطوط الأنابيب، ما يجعل انقطاعه شبه تام.
ويتمثل الخطر الأكبر خلال الأسابيع المقبلة في استمرار إغلاق مضيق هرمز، ما يعني احتمال إعلان دول أخرى مثل الإمارات والسعودية القوة القاهرة إذا امتلأت خزاناتها.